أسقف الشباب الأنبا موسى: ما حدث في الكاتدرائية ليس جوهر مصر ولن يكون

أخبار العالم العربي

انسخ الرابطhttps://arabic.rt.com/prg/telecast/658142/

في الحلقة الجديدة من برنامج "حديث اليوم" نحن في ضيافة الانبا موسى، أسقف الشباب في الكنيسة القبطية، لنتحدث عما يجري في مصر في الأيام الأخيرة.

س: نيافتكم كيف ترون في البداية ما جرى في الكاتدرائية وفي الخصوص؟

- ما جرى هو جديد على مصر. اختلفنا كثيراً، ومرت علينا أزمات كثيرة. ولكن لم تصل إلى الصورة هذه، بوجود ضحايا بشرية واصابات، واعتداء على الكاتدرائية، وهو ما يحدث لأول مرة في التاريخ المصري. نحن دائماً نحترم بيوت الله في كل مكان، فكيف يمكن أن يعتدى عليها بهذا الشكل! أن تقذف بالطوب وثم بقنابل المولوتوف. وكان يوجد "بنزينة" وغطت النار سطح "البنزينة". أردت أن أذهب إلى الكاتدرائية ولم اتمكن من الدخول. دخلت في المرة الأولى وكانت الغازات تملأ المكان، فخرجت منها. وأتيت مرة ثانية، فكان الباب مقفلاً ولم اتمكن من الاتصال بالمسؤول. ولكني رأيت على شاشة التلفاز أن النار كانت تغطي سطح البنزينة، وثم بدأ اطلاق الرصاص من المبنى المجاور. هذه ليست بمصر، ولا هو الاسلام الذي عشناه. أنا سني دخل الخامسة والسبعين الآن. وكنت من أسيوط، والتي تدعى معقل الاسلام ومعقل المسيحية، وهي بلدة عريقة. لم نر أي شيء من هذا القبيل أبداً. لذلك نقول أن هذا كله بثور على جسد الوطن المصري. من غير الممكن أن يكون هذا هو جوهر مصر، ولن يكون جوهر مصر. جوهر مصر، وتاريخ مصر، وايماننا بربنا المشترك، وعلاقاتنا الوثيقة، لم تمر بأي شيء كهذا من قبل. فإنشاء الله ستنتهي.

س: سيدنا، في الواقع ما بعد 25 يناير 2011، تكررت هذه الحوادث سواءً في أطفيح، وكان هناك القديسين في الاسكندرية، والفيوم، وغيرها. ولكن، هل اختلفت الامور قبل 2011 وبعد 2011؟ وهل بالفعل ترون أنتم، أنه تغير من يلعب بهذا الملف ومن يستفيد منه؟

- بالطبع هناك تغير كبير. وكنا قد قمنا بندوة كبيرة في الكاتدرائية عن شباب ما بعد 25 يناير. وهو شباب حر، منطلق، معبر عن نفسه، ومحاور، وأحياناً متمرد وثائر، ويجب أن نتفاعل معه. ونحن داخل كنيستنا كأقباط، نتوقع أيضاً أن يكون الشباب بهذه الثورية، وليس كما عهدناه في الحياة التقليدية القديمة التي عشناها طويلاً. وأنا صراحة لا أشعر بالزعل. وأنا أقول اننا ولمدة ثلاثين سنة كنا في نوم عميق. والآن فقط أصبح لدينا حاوية جيدة. والمهم أن نعرف نحتويها بالمحبة وبالحوار وبالتفاعل والنظرة السليمة للمستقبل.

س: ولكن، حدة الأحداث، وأسباب الأحداث، من وراء هذه الأحداث قبل وبعد؟

- نحن ننتظر التحقيقات يا استاذ أشرف. ولا نريد أن نطلق احكاماً مسبقة. فنحن لم نشهد أي شيء مشابه من قبل. الناس خارجة من الصلاة، ولم يحدث قط أن اعتدى أحدهم على الكاتدرائية. ومن هم هؤلاء الذين في الخارج؟ ولماذا قوات الأمن تقف قربهم ولا تحرك ساكناً؟ ولم تحاول قوات الأمن أن تفعل أي شيء، ولم تلقي القبض على أي أحد! لا أهداف لنا. فقط نحاول أن نفهم ما الذي يجري! وندرس أمورنا ونتعمق بها، ونستنبط الحلول الصحيحة.

س: برأيكم، الأسباب هي سياسية أم طائفية، أم الاثنان معاً؟

- في نظري الشخصي، طبعاً لدينا مشاكل سياسية. لأن الذي يحكم حالياً هو فصيل الأخوان فقط. وأنا من منطلق محبة لهم، أقول لهم منذ زمن – وبعضهم أصدقاء لي – أقول لهم: تفاعلوا مع بقية أطياف البلد، واحكموا البلد مع بعضكم بعضا. لأنه لو بقيتم وحدكم في الحكم ستفشلون. ولكن عندما يكون هناك تفاعل مع باقي أطياف الدولة، من ناحية القوى السياسية والمدنية وغيرها، ستتمكنون من الخروج باستراتيجية جيدة للمستقبل، وستحققون النجاح. ونحن نتمنى لهم النجاح. ولكنهم إن لم يتشاركوا في الحكم، سيتعبون كيان البلد كثيراً.

س: السؤال بطريقة أخرى نسبياً. البعض يرى أن مصر مقدمة على بدايات فتنة طائفية، والبعض الآخر يرى أن ما يجري هو بالفعل فتنة طائفية. نيافتكم، كيف ترون هذا المشهد؟

- أنا شخصياً أقول أن هذه أزمات طارئة. وكما قلت لحضرتك، هي بثور على جسد الوطن، تأتي وتذهب. وقد حصل ذلك من قبل في القديسين، وحصل في الصعيد وغيره. ولكن يتم احتواء الوضع بسرعة شديدة. لأن هذا ليس من طبيعتنا كمصريين، لا مسلمين ولا مسيحيين. لذلك يتم احتواء الأحداث بسرعة، وليس لدينا تخوف صراحة. وما أقوله ليس كلام سياسة أو مجاملة، بل هو حقيقة.

س: تقصدون الدولة أم المجتمع؟

كلهم. الدولة إن لم تمشِ حسب المجتمع، ستكون دولة فاشلة وحكومة فاشلة. فالمجتمع المصري وسطي، ومتحاب ويؤمن بأهمية الوحدة الوطنية، سواء مسيحيين ومسلمين أو حكومة و معارضة. لابد أن يؤمنوا بهذا ولا بد أن يعملوا عليه. ونحن بالطبع ندعوهم لذلك.

س: برأيكم، هل تعتقدون أن هناك أيدي خارجية قد تكون تعبث في هذا الملف؟

- سننتظر التحقيقات كي لا نحكم حكماً غير صائب. نحن مذهولون.. لأن الأمن وقف صامتاً، بينما تقدم المعتدون. ولم يحدث أبداً أن اعتدى احدهم على دور العبادة. والناس الذين خرجوا كانوا مسالمين خارجين من صلاتهم على شهدائهم. ولم تكن أعدادهم كبيرة. وعند خروجهم حصل الاحتكاك. ونحن لا نعرف من هم هؤلاء. لأن أهل المنطقة جميعهم معروفون وبينهم عشرة قديمة. أما أولائك! فمن هم؟ ولماذا يفعلون ذلك؟! يجب أن توضح التحقيقات أمرهم.

س: إذاً نصل إلى الملف الأمني. بعض الخبراء من مصر ومن خارج مصر يتحدثون عن أن هناك تعاملا أمنيا مع الملف الطائفي، وهذا غير كافٍ...

طبعاً، ونحن نقول ذلك دوماً. ودائماً عندما كان يحصل اعتداء على كنيسة، يتدخل الأمن ليحل الامور! أين السياسة؟ أي الاجتماع؟ أين هي أواصر الوحدة الوطنية؟ أين العقلاء والحكماء؟  ولذلك نحن نقول دوماً، وهذا ليس بكلام جديد. عندما تحصل مشكلة يجب حلها سياسياً، واجتماعياً، وأمنياً. وذلك لنحصل على رسوخ في الحل، والجذرية في الحل، وتطلع لمستقبل أفضل.

س: وهل تعتقدون نيافتكم، أن هناك من يسمع لهذه الرؤية؟

- السواد الأعظم من الشعب المصري هو كذلك. هذا أولاً. وثانياً، الحكام، من قبل لم يكن هناك حراك، لا سياسي، ولا اجتماعي. كانت حالة من الركود خلال فترة الثلاثين سنة قبل الثورة. ولكن بعد الثورة بدأت الحركة. وبالطبع عندما تبدأ حالة الشد، لابد أن تتوتر الامور قليلاً، ولكنها ستستقر بعد ذلك. فالتوتر ما بعد الثورة هو شيء متوقع طبعاً. فهي فترة انتقالية، ولكننا لا نريدها أن تطول. ونريد أن نستقر بسرعة انشاء الله.

س: هي مسألة رغبتكم هذه ودعاؤكم هذا بشأن أننا لا نريد إطالة الفترة الانتقالية. ولكن إلى الآن لم يتم انتخاب مجلس شعب. وكذلك الدستور فيه مشاكل. هل ترون أن الدستور يضمن رؤى للحلول في المجتمع المصري؟

نحن كأقباط انسحبنا من تأسيسية الدستور ككنيسة. وكأقباط نشعر بأن الدستور فيه منحى تديني أو تديين للسياسة قليلاً. ولذلك نحن رفضنا الدستور، أنا شخصياً قلت "لا" للدستور. ولم يكن الرفض دون سبب، إنما جاء لأن الدستور غير توافقي. وقد جاءت نسبة تزيد عن الستين بالمئة تقول بأن الدستور غير توافقي. المفروض جميعنا نتراضى. فعندما ينسحب المدنيون والكنيسة وغيرهم من التأسيسية، كان من المفروض ألا يستمروا في الدستور. اجلسوا معهم وتحاوروا واصبروا. لما العجلة؟! ليكن هناك تحاور وتوافق وطني. ولكن حقيقة استاذ أشرف وليس مجاملة، إيماننا بجذرية حب التوافق في مصر. ونحن في مصر كلما حصلت مشكلة يتحرك الجميع لحلها.

س: سؤال أخير. ما هي رؤيتكم لما قد يحدث في الفترة المقبلة. خاصة وأن، شئنا أم أبينا، العنصر الطائفي الغريب بالفعل دخل في المعادلة السياسية والتحولات السياسية في الفترة الانتقالية. أنتم كرجل عاصر مراحل عديدة ورأى الكثير في هذا الملف، كيف ترون آفاقه خلال الفترة المقبلة؟

- نحن نرى أن الجوهر سيطغى على السطح ويطفو إلى السطح. حقيقة، جوهر مسلم – مسيحي نحن لم نعهده من قبل أبداً. لذلك سيطغى على السطح بقاؤنا مع بعضنا بعضاً. الحكومة والمعارضة أيضاً سيتفاهمون مع بعضهم بعضاً. لذلك نحن أمامنا الايمان بربنا، الايمان بتاريخنا، والايمان بجوهر مصر. لذلك ليس لدينا أي قلق من المستقبل. ولن تطول هذه الفترة وستتحسن الامور انشاء الله. أنا لدي هذا التفاؤل الذي قد لايعجب البعض. ولكن إن لم نعش بالتفاؤل فما الذي يمكننا فعله؟ دون ذلك سنتوتر، والذي يعاني من حالة توتر سيقع بالخطأ. بينما من يكون في سلام سيتمكن من اتخاذ القرار الصحيح.