مستشار شارون السابق: سورية تمثل الان حربا مصغرة بين العالم وايران

انسخ الرابطhttps://arabic.rt.com/prg/telecast/658096/

استضافت الحلقة الجديدة من برنامج "حديث اليوم" الدكتور رعنان غيسين الخبير في الشؤون الاستراتيجية والمستشار الشخصي لرئيس وزراء اسرائيل السابق ارئيل شارون ، حيث حدثنا عن الاهمية التي تحملها زيارة الرئيس الامريكي باراك اوباما الاخيرة الى اسرائيل وبعض دول منطقة الشرق الاوسط ، كما تطرق الى الملف النووي الايراني وعلاقات اسرائيل مع تركيا ، وكذلك الى الوضع في سورية والتهديدات الناجمة عنه:

س - الجميع على علم بالخلاف بين اوباما ونتانياهو، فهل كانت زيارة اوباما لاسرائيل كانت كنوع لحل الخلاف بين الرجلين في الدرجة الاولى؟

ج - في الفلكلور الامريكي مقولة شهيرة جدا لأحد مؤسسي الولايات المتحدة /فرانكلن/ وهي: اما تكونوا منسجمين مع بعضكم البعض او تكونوا معلقين واحدا إلى جانب الآخر. هذا يعني ان هناك مصالح مشتركة  اكثر من العلاقات الشخصية والتي لم تكن على ما يرام. هناك أمثلة كثيرة عبر التاريخ  من هذا القبيل.. فالعلاقات بين تشرشل وروزفيلد مثلا خلال الحرب العالمية الثانية لم تكن على ما يرام.. مع ذلك فالوحدة بين الولايات المتحدة و بريطانيا ساعدت في الانتصار على الفاشية.. ولولا هذه الوحدة لم يكن النصر ليتحقق ... هنا أيضا حصلت تحولات في منطقة الشرق الاوسط خلال العامين الاخيرتين.. الربيع العربي ..تغيّر الأنظمة..فقدان الولايات المتحدة لعدد من حلفائها، وأيضا الوضع الامريكي بعد الخروج من العراق و افغانستان، إضافة إلى الوضع الاقتصادي السيئ للولايات المتحدة ..كل ذلك اجبر الرئيس الامريكي على القدوم الى اسرائيل و محاولة اعادة بناء موقع الولايات المتحدة في العالم، وطبعا اسرائيل لاعب مهم جدا في عملية بناء العلاقات هذه ، لان اسرائيل حليف قوي واستراتيجي للولايات المتحدة... لهذا قدّر اوباما ان الوقت مناسب لزيارة اسرائيل من اجل ان يحظى بدعم الجمهور الاسرائيلي الذي لم يؤيده من قبل..وقال هذه الحكومة الجديدة في اسرائيل التي استطيع العمل معها في الفترة الرئاسية الثانية،هذا اولا ، ثانيا الموضوع تاريخي يجب ان نفهمه من ناحية شخصية وهو أن الرئيس اوباما و نتانياهو هما الآن في فترة حكمهما الاخيرة... فأمام أوباما اربع سنوات كي يضع بصمته في تاريخ العالم ..و بعدها اما ان يذكره التاريخ وإما يكون على هامشه.. اما نتانياهو فهو ايضا في فترته الثالثة على مقعد رئاسة الوزراء ..وحتى الآن لم يفعل شيئا يضمن له موقعا في التاريخ، وهو يريده.هذا يعني انهما موجودان على مفترق طرق تاريخي يجبرهما على ان يضعا الخلافات جانبا حتى ان لم يحب احدُهما الآخر.. واعتقد انهما لا يحبان بعضهما البعض. لكن كلا منهما يحب نفسه بما يكفي ليدفعه إلى العمل مع الآخر من اجل الوصول الى هدف مشترك وهذا هو الهدف الحقيقي لزيارة اوباما.

س- تطرق اوباما في زيارته اكثر من مرة الى الخطر النووي الايراني، هل زيارته للمنطقة جاءت لكف يد اسرائيل عن توجيه ضربة عسكرية الى ايران؟

ج - اعتقد انه قال امرا بسيطا جدا في هذا الخصوص....قاله هنا في اسرائيل و قاله ايضا بشكل واضح للجميع خلال لقائه برئيس الوزراء ومع الصحافة و مع الطلاب الاسرائيليين ..قال لهم  لكم حق الدفاع عن النفس، وللدولة اليهودية الحق في الوجود وحق الدفاع عن وجودها، ويمكنكم الذهاب وحدكم لاستهداف النووي الايراني.. قال كذلك انا ايضا إن كنت اقف امام تهديد من هذا النوع لكنت فكرت في ما استطيع ان افعله لدولتي . لكن هو يقول انا احبذ ان تكونوا معنا في هذا الأمر وان لا تذهبوا وحدكم لمجابهة ايران لأنكم إن ذهبتم وحدكم فستكون النتيجة غير كافية ..أما إذا ذهبنا معا فيمكنكم الحصول على ما هو أكثر.. ماذا يعني ذلك؟ بعبارة أخرى هو يقول لنتانياهو انت عازف كمان جيد ..يمكنك ان تعزف على هذا الكمان وسيصفق لك العالم بأسره، ولكن ستكون عازفا منفردا، ولو انضممت إلى فرقتي فستكون العازف الرئيسي.. وهكذا نستطيع معا ان نحصد جمهورا أكبر من ان تكون عازفا منفردا. هذه هي الصفقة بحسب رأيي. أي أنه يقول له انتظر ولا تستعجل الامور بتوجيه ضربة عسكرية الى ايران ..فهناك امور أخرى نستطيع ان نضغط بها على ايران ..وحتى رؤساء الاجهزة الامنية في اسرائيل قالوا لنتانياهو إن هناك امورا اخرى غير الضربة العسكرية نستطيع فعلها من تحت الطاولة. نتانياهو يقول ان جميع الاحتمالات مطروحة على الطاولة، لكنني اقول له لا... هناك ما يمكن فعله من تحت الطاولة ...ايران ستتضرر اكثر من ما يمكن حصوله داخل ايران، أي انها قابلة للعطب من الداخل من خلال توق الشعب للديمقراطية.. كنت اصف ذلك كربيع عربي داخل ايران والارضية هناك جاهزة لذلك بسبب وجود معارضة قوية للنظام. لهذا اقول الآن و مع رؤيتنا للمتغيرات في الشرق الاوسط يجب ان نعلم كيف نستغل هذه التغيرات من اجل ايجاد فرص. وهذا ما يقوم به اوباما.. هو ليس كرجل " كاوبوي" يركض في البلدة ويطلق  النار على الأشرار.. بل يقول انظروا هناك أشرار، دعونا نفكر كيف سنتعامل معهم...لهذا يجب ان نقيم اتحادا مع الاتراك و المصريين والاسرائيليين و يجب ان نعمل على حل المشكلات الاقتصادية للشرق الاوسط على وجه الخصوص ..وهي كثيرة . وأعتقد ان هذه النظرة وهذا التفكير سيؤدي بالنهاية الى تغيرات ذهبية للربيع العربي ..فالولايات المتحدة لا تستطيع ان تأخذ على عاتقها المسؤولية الكاملة وخوض جميع الحروب  بمفردها.. بل يجب ان تقتسم الاعباء مع حلفائها، ومن ثمّ تمضي قدما في مواجهة التهديد الايراني على المدى البعيد، وهي لا تمتلك التهديد النووي فقط... النووي وجد من اجل حشد معارضة دولية لإيران، لكن تهديد ايران اليوم كدولة تريد السيطرة والانتشار في المنطقة مثل ما نراه في سوريا... ايران مستمرة بالوقوف الى جانب الاسد وحزب الله.. هناك الآلاف من جنودها هناك وهناك... ايران تقود حربها للسيطرة على الشرق الاوسط ، لهذا يجب تعزيز التحالف مع دول المنطقة و وقف الزحف الايراني.

س - خلال اللقاءات التي قام بها اوباما مع الجانب الفلسطيني والاسرائيلي تطرق الى فكرة حل الدولتين. لكن ما يجري على الارض غير ذلك، فالاستيطان لم يبق فرصة لاقامة دولة فلسطين ذات التواصل الجغرافي. فهل ستقوم اسرائيل بوقف الاستيطان وتفكيك بعض المستوطنات؟ 

ج- دعني اقص عليك هذه القصة.. شارون كان من زعماء الاستيطان. وسألوه يوما كيف تقوم بالبناء على كل هذه التلال فأجاب: يوم نبدأ مفاوضات سلام سأكون مضطرا عندها لإعطائهم شيئا ما ولهذا يجب ان اخلي بعض المستوطنات من اجل اعادة الارض لهم . وهذا ما لم يعجب المستوطنين. ولكنه قال ذلك بكل وضوح .هذا يعني ان هناك مكانا للدخول الى داخل المستوطنات واخلاء بعضها من اجل ان يكون هناك مكان للدولة الفلسطينية.. إذن كما ترى ، حتى في خطة شارون لم يجر الحديث عن اكثر من خمسة في المئة من اجمالي مساحة عام سبعة وستين في نهاية المفاوضات، مع تبديل في المناطق. هذا يعني أنه توجد إمكانية لذلك. ولكن عندما يجري الحديث على طاولة المفاوضات وعندما تصل الامور للحديث أمام المجتمع الدولي يقف كل طرف متمسكا بمواقفه ويقول انا لن اتزحزح من مكاني.. اعتقد  أن الامور التي ذكرتها سابقا من ناحية الوضع الاقتصادي الصعب في العالم والربيع العربي وحقيقة ان هذا القطار هو الاخير الذي سيخرج من المحطة...بسبب كل ذلك يستطيع الفلسطينيون البدء بمفاوضات لتقريب وجهات النظر من اجل الوصول في النهاية للدولة الفلسطينية وفي هذه المفاوضات تكون هناك مشاركة للاردن و دول عربية اخرى.. ذلك ممكن و لكن يجب ابقاء جميع الاحتمالات مفتوحة. والجلوس على الكرسي وعدم فعل أي شيء والذهاب الى الامم المتحدة ومحاربة اسرائيل .. كل ذلك لا يمكّن من الحصول على دولة. اعتقد ان هذا الاحتمال مفهوم، لكن هل هناك ضرورة لتدخل امريكي، وهذا ما سيقوم بفعله جون كيري حيث يجب اعطاء اهمية دائما لكلا الطرفين لكي يشعرا كلاهما بتعاطف الولايات المتحدة ومدى اهتمامها بهذه القضية، وحتى يتمكنا من الوصول الى حل عملي من استبدال المناطق واعطاء اراضي الى الفلسطينيين و تفكيك بعض المستوطنات من اجل التقدم للمرحلة المقبلة... اذا ما الحل العملي ؟ انت تسألني بعد الربيع العربي و كل ما يجري نعود الى خريطة الطريق، أي حل المشكلات على مراحل؟ لا يوجد أي احتمال آخر، فهذا هو الوضع الوحيد المنطقي الذي يمكن ان يكون حتى الآن.. الناس يحتاجون إلى الحصول على رزقهم .. هم لا يتغذون بالعلم الفلسطيني. أنا قلت ذلك: من اجل انقاذ الوضع يجب عمل تسهيلات و ايجاد فرص عمل للفلسطينيين، وهكذا يتحسن الوضع الاقتصادي لديهم..إضافة إلى قضية تحرير الأسرى واعطاء مناطق اضافية.. يوجد كثير من الامور التي يمكن عملها و يجب عملها في جوّ هادئ ... ومع الحكومة الحالية هناك امل لفعل ذلك اكثر من الحكومة السابقة.

س - العلاقات الاسرائيلية التركية متأزمة بسبب حادثة مرمرة ورفض اسرائيل الاعتذار لتركيا طيلة ثلاث سنوات. الا ان زيارة اوباما جعلت نتانياهو يتنازل عن موقفه الذي كان رافضا لشروط تركيا من اجل اعادة العلاقات الى سابق عهدها، فكيف تفسر لنا اعتذار نتانياهو لتركيا في هذا الوقت بالتحديد؟

ج - اولا فكرة حل الإشكال مع تركيا ورأب الصدع بين البلدين كانت قائمة منذ عام على الاقل. ولكن كانت هناك حسابات ائتلافية داخلية في اسرائيل. فمع التركيبة الحكومية السابقة كان نتانياهو مكبل اليدين ولم يستطع تلقي الدعم الذي كان يريده من الحكومة. غير أن زيارة اوباما وتشكيلة الحكومة الحالية اعطت نتنياهو مجالا اوسع لتحقيق ذلك..وكما تعلم فالسياسة هي فن المعقول. فجأة أضحى لدى نتانياهو حكومة جديدة ووزير دفاع يشجعه على ذلك ..وهو شخصيا يدرك ذلك. وايضا هناك مصلحة للولايات المتحدة في ان تكون العلاقات التركية الاسرائيلية في وضع جيد. يمكن القول إن الامور بين الدولتين لن تعود متميزة كما كانت. لكن من المهم تحقيق التطبيع بينهما مع تفاهمات قريبة مما كانت عليه قبل الانفصال.انظر إلى التبادل التجاري بين البلدين اثناء الازمة.. لقد كان يقارب الثلاثة مليارات ونصف المليار دولار.. الآن تركيا خسرت مليار دولار من فقدان السياحة الاسرائيلية المتجهة الى تركيا.. هناك امور مفيدة لكلا البلدين ، علاوة على أن  الولايات المتحدة إذا أرادت بناء حلف سياسي ضد ايران فستكون بحاجة لأن تكون تركيا جزءا من هذا الحلف.. فهي تريد تركيا لكونها عامل تهدئة في المنطقة وادارة الحوار، وهي تحتاج تركيا واسرائيل معا لإحكام السيطرة على الوضع في سوريا.. وانت ترى أن سوريا الآن تمثل حربا مصغرة بين العالم وايران ..من المطلوب الآن ضبط الامور في سوريا و تهدئة الوضع هناك بأي شكل حتى لا يكون هناك انتشار للسلاح الكيماوي، وهو ما يهدد الوضع في المنطقة بأسرها.. ومن اجل ان لا يكون هناك تطرف اسلامي خارج عن السيطرة . اعتقد ان زيارة اباما جاءت في الوقت المناسب حتى من الناحية التاريخية والشخصية ومن ناحية ما يجري من تغيرات في الشرق الاوسط .في رأيي يمكن ان ننظر الى المستقبل بشيء من التفاؤل.