باحث روسي: كان يمكن أن يتسبب سقوط النيزك بوقوع أضرار أكثر بمرات من تلك التي وقعت

انسخ الرابطhttps://arabic.rt.com/prg/telecast/658004/

ضيف هذه الحلقة من برنامج "حديث اليوم" هو اوليغ مالكوف مدير قسم فيزياء المنظومات الفلكية بمعهد علم الفلك الروسي وذلك للحديث عن تداعيات سقوط النيزك في مدينة تشيليابنسك الروسية.

س - لماذا لم تشر التنبؤات الى وجود هذا النيزك وحجم قوته؟  

في حقيقة الأمر من المستحيل اليوم التنبؤ بهذا الأمر.. وحتى وسائل الكشف الأمريكية التي تتجاوز الوسائل الروسية من حيث المواصفات التقنية لم تراقب حركة هذا النيزك.. أنا بعيد كل البعد عن فكرة أن شركاءنا الأمريكيين كانوا يمتلكون المعلومات بشأن حركة هذا النيزك ولم ينقلوا هذه المعلومات لنا.. هناك أسباب لعدم اكتشاف حركة هذا النيزك: أولا من حيث مقاييس الفضاء يعد هذا الجرم الفلكي صغيرا جدا إذ يبلغ طوله سبعة عشر مترا فقط.. ولا نستطيع أن نكشف بسهولة مثل هذا الحجم  في الفضاء البعيد.. ثانيا وكما يبدو لنا كانت حركة هذا النيزك من جانب الشمس.. وحركات مثل هذه النيازك من الصعب للغاية ملاحظتها بواسطة الأجهزة الأرضية.. ولكشف مثل هذه الحركات لا بد لنا من امتلاك وسائل ذات مرابطة فضائية.. الأمر الذي يعد صعبا جدا من الناحيتين التقنية والمالية.. لغاية اليوم ليست هناك دولة في العالم تملك مثل هذه الوسائل.. نعم توجد وسائل المراقبة الأرضية وخاصة في الولايات المتحدة الأمريكية وتعمل حاليا بنجاح.. أما في روسيا فيجري الآن تصميم المشروعات حيث ثمة مجموعة عمل تابعة لأكاديمية العلوم الروسية وهيئات أخرى تقوم بالبحث في هذا الموضوع بالتعاون مع علماء الجغرافيا والأرصاد الجوية.. إنه فريق عمل مكون من المهنيين.. وأعتقد أن   الجهات المختصة في روسيا بعد سقوط هذا النيزك ستُولي الاهتمام الأكبر لهذا الموضوع.. هيئةُ الأمم المتحدة مثلا قد فَهِمتْ منذ عدة سنوات أهميته حيث توجد مجموعة عمل مختصة في تعميق المعرفة عن الحركات الفضائية..

س - لو تطرقنا الى تفاصيل سقوط النيزك.. كيف يجري السقوط من الناحية العلمية وما هي الأسباب التي تقف وراء ذلك؟

في منظومتنا الشمسية يوجد الى جانب الشمس والكواكب الكبيرة عدد كبير من الأجرام الفلكية الصغيرة التي نسميها بالكويكبات.. وما حدث في تشيلابينسك عبارة عن سقوط مثل هذا الكويكب.. الكويكبات تتحرك في المنظومة الشمسية كل على مدارها الخاص خلال مليارات من السنين.. وها نحن نرى أنه بعد مليارات من السنوات تقاطع مدار هذا الكويكب مع مدار الأرض.. سبق هذا الحادث أن وقع في الماضي حيث استقبلت الأرض نيازك أكبر حجما بعدة مرات.. وهذه الأحداث تقع أيضا في كواكب أخرى من الفضاء حيث نلاحظ كل سنة تقريبا سقوط الكويكبات والنيازك على المشتري (جوبيتير). أما كوكب الأرض فحوادث سقوط النيازك عليه تحدث مرارا، أكثر من أن يتم تسجيلها،، لأن جزءا صغيرا فقط من كوكبنا يعد مأهولا.. والنيازك تسقط بكميات كبيرة في المحيطات والصحارى والقارة القطبية الجنوبية والغابات ولا أحد يستطيع أن يسجل واقع حدوث هذا السقوط.. وما وقع في تشيلابينسك يقع مرة كل خمسين سنة.

س - العلماء حصلوا على أجزاء من النيزك الذي سقط في مقاطعة تشيليابينسك لإجراء أبحاث عليها.. من الناحية العلمية ما قيمة هذه الأبحاث؟

من وجهة نظر العلم يعد ذلك مِفتاحا لفهم نشأة المنظومة الشمسية وتطورها.. تكونت أرضنا منذ عدة مليارات من السنين وتغيرت جذريا منذ ذلك الحين بسبب وجود غلاف الأرض المائي والمحيط الجوي، أو بكلمات أخرى الماء والجو.. وشكلُ أرضنا اليوم يختلف جذريا عن ذلك الشكل الذي كان عليها منذ مليارات من السنين.. لكن فيما يتعلق بالنيازك فهناك صورة مختلفة تماما.. شكلُ النيزك الذي وُلد منذ مليارات السنوات لا يختلف عن شكله اليوم لأن لا شيء يحدث معه في الفضاء.. وعن طريق تحليل بقايا النيزك الذي سقط على تشيليابينسك سنستطيع أن نفهم كيف كانت منظومتنا الشمسية وقتَ نشأتها.. نعم، إننا نعرف كثيرا عن النيازك ومع ذلك فإن كل بحثٍ جديد يقرّبنا أكثر فأكثر من الحقيقة.. بشكل عام البحث يتم كالتالي: كل بقايا النيازك التي تم العثور عليها يتعرض لتحليل دقيق من قبل العلماء والباحثين.. يتم تحليل تكوينها الكيميائي وعمرها، ونستطيع من خلال هذه الأبحاث أن نعرف أكان هذا النيزك حَجريا أم معدنيا، واذا يوجد لدينا معلومات حول كيفية حركة النيزك عبر المحيط الجوي الأرضي وانفجاره،  فسنستطيع أن نعرف كثيرا عن حجمه ووزنه وكثافته.. بإمكاننا أن نحسب علو وقوع انفجار هذا النيزك ومراقبة اتجاه ومدار حركته ومعرفة أسباب عدم اكتشاف اقترابه من الأرض.. هذا هو حجم المسائل التي نحاول الحصول على أجوبة عنها خلال دراسة بقايا النيازك.

س - هل هناك صلة بين النيزك الذي سقط على تشيلابينسك والكويكب الذي مر قرب كوكب الأرض بعد أقل من أربع وعشرين ساعة؟

لا.. هذان الجرمان مختلفان تماما.. ذلك الكويكب الذي مر في ليلة من الجمعة الى السبت كان معروفا مسبقا وكنا نعرف مداره.. وحجمه أكبر بكثير من ذلك الذي سقط على تشيليابينسك.. لذلك تم اكتشافه وحساب مداره وكان العلماء يعرفون مسبقا أن اتجاه حركته لن يتعلق بالأرض.. ولكن بالفعل اقترب هذا الكويكب الثاني كثيرا جدا من الأرض، وحتى كان أقرب الى الأرض من مدارات الأقمار المتواقتة أرضيا.. أو بكلمات أخرى قد مر هذا الكويكب بين الأرض وأغلبية الأقمار الاصطناعية القريبة من الأرض التي تُستخدم لأغراض كشف وتحديد الموقع والبث الإذاعي والتلفزيوني.. ليست هناك من صلة بين هذين الجرمين.. أولا يوجد بين حركتهما فاصل زمني كاف، والأمر الثاني هو أنهما كانا يتجهان من ناحيتين مختلفتين.. كان ذلك صدفة.. لكن هذه الصدفة هي إشارة أخرى لنا ولقيادة روسيا الى ضرورة الحصول على معرفة أكثر عمقا حول حالة الفضاء القريب من الأرض.. لا نعرف جيدا المساحة القريبة من الأرض ولا بد لنا من القيام بعمل جبار في هذا الاتجاه.. وفيما يخص النيزك الذي سقط على تشيلابينسك فنعرف فقط عشرة في المائة عن حالة مثل هذه النيازك ووضعها في الفضاء.. وهذا يعني أن مستوى عدم معرفتنا يزيد حاليا عشر مرات عن مستوى معرفتنا.. وهنا أستطيع أن أقول إن سقوط هذا النيزك على الأرض المأهولة يعد حادثا جيدا من حيث أننا سنستطيع أن نسجل بعض المعلومات والبحث فيها.. ولنا شهادات عشرات شهود العيان ناهيك عن لقطات فيديو.. في تلك المنطقة التي سقط فيها النيزك توجد مصانع عديدة وكان يمكن أن يتسبب سقوطه في وقوع أضرار أكثر بمرات من تلك التي وقعت.. والحمد لله لم يحدث ذلك حيث سقط بعيدا نسبيا عن المصانع والمباني.. إن عدم ملاحظة النيزك تم بسبب حجمه الصغير للغاية قبل كل شيء.. والكويكب الثاني كان حجمه أكثر بعشر مرات من الأول.. وهنا أقول، بشكل عام لملاحظة وجود نيزك ما في الفضاء وتحديد اتجاه حركته، لا بد من تصوير جزء من السماء، وبعد مرور يوم أو أسبوع أو شهر، يُصَوّر هذا الجزء من السماء مرة ثانية وتجري المقارنة بين الصورتين الاثنتين.. النجوم التي لا تتحرك ستبقى في أماكنها في الصورتين، وتلك النقط أو الأجرام التي غيرت مكانها تعد إشارةً بالنسبة إلينا.. حركة الجرم هذه تعني لنا أن ما نراه هو نيزك ولا بد من اكتشافه وتحليله وتحديد مداره     وحساب امكانيات تغيير مكانه في الفضاء مستقبلا، وما اذا تقاطع مداره مع مدار الأرض.. بالإضافة الى ذلك هناك مشكلة أخرى: نحن لا نعلم ما هو ذلك الجزء السماوي الذي يجب علينا تصويره وتحليله.. لذلك نقوم بتصوير كل السماء، والأجهزة لمثل هذه العمليات توجد في الوقت الحالي في الولايات المتحدة، حيث يتم تصوير كل مساحة السماء وبعد ذلك تتم المقارنة بين الصور وتحليلها.. ولكشف مثل هذا النيزك الصغير الحجم الذي سقط على الأراضي الروسية لا بد من تصوير هذا الجزء من السماء ليس عشرين دقيقة فقط بل وساعتين تقريبا لملاحظة تراكم وحدات الكم الضوئي.

س - هل هذه الحركات الفلكية تهدد مصير البشرية؟

نعم، بالطبع.. أيُّ نيزكٍ يعد حجمه بحجمَ النيزك الذي سقط على تشيليابينسك، أو ذلك الكويكب الذي سقط على الأراضي الروسية منذ مئة سنة - ما يُعرف بـانفجار تونغوسكا، هو تهديد والنيازك بمثل هذا الحجم يمكن أن تلحق أضرارا جسيمة بالمدينة.. لكن ابتسم لنا الحظ ولم يسقط النيزك على المدينة بالذات.. وفي حالة أن يبلغ حجم نيزك ما عشرين أو ثلاثين مترا فبإمكانه تدمير مدينة كبيرة بالكامل.. أما النيازك الأكبر حجما كتلك التي من خمسين الى سبعين مترا، فبإمكانها تدمير بلد أوروبي بالكامل .. واذا سقط مثل هذا النيزك الى المحيط فقد يتسبب بحدوث سونامي مدمر.. النيازك التي يبلغ حجمها أكثر من مئة متر يتسبب سقوطُها بكارثةً قارية.. ونحن على يقين أن أحدَ هذه النيازك أدى الى انقراض الديناصورات في حينه.. ولحُسن الحظ  الأجرام الكبيرة قليلة جدا في الفضاء.. وكانت أرضنا استقبلتها مرتين فقط خلال تاريخ تطورها، وهذا الأمر لم يؤثر سلبا على سير تاريخ البشرية..