حصاد الأسبوع (2-8 فبراير/شباط)

أخبار روسيا

انسخ الرابطhttps://arabic.rt.com/prg/telecast/657985/

ثورة تونس في مرمى نار الاغتيال؟

من يدفن التونسيون اليوم؟ الفقيد معروف إنه ضحية الاعتيال السياسي شكري بلعيد. لكن السؤال الملحاح: ماذا يدفن التونسيون اليوم؟ هل آن حين خروج تونس عن مسار الانتقال الديمقراطي إلى منزلق العنف السياسي؟ وكيف يستقيم الحديث عن ثورة مع تقدم الظلامية؟ فقد كان بلعيد وقبيل ساعات من اغتياله قد أثار موضوع الاغتيال السياسي محذّراً لتقع الجريمة بعيد ذلك على خلفية أخبار متداولة في الشارع التونسي عن وجود لوائح اغتيال لشخصيات معارضة للحكم الحالي، وكذلك عن وجود جماعات مسلحة للإسلاميين تعمل تحت مسمى "رابطات حماية الثورة". وتجري التغطية عليها من قبل السلطات وكذلك دعوات القتل التي تنطلق من على منابر مساجد تحت سيطرة الإسلاميين. إذن هذه الصورة المشحونة  و"البيئة" مؤهلة لتشريع القتل السياسي في ظل عجز حكومة  الأخوان المسلمين "حزب النهضة" وتلكوئها عن صياغة الدستور الجديد وربما الإطاحة بالانتخابات المرتقبة هذا العام.

فما أن ذاع نبأ جريمة الاغتيال حتى تهافتت الشخصيات الرسمية التونسية الى الشاشات تستنكر وتشجب وتدين، وذلك في محاولة لتهدئة غضب الشارع الذي يكيل الاتهامات لحكومة النهضة ويحملها المسؤولية السياسية عن استشراء العنف في تونس.  ورئيس الحكومة التونسية في كلمته المتلفزة أعلن أنه ودون استشارة أحد سيشكل حكومة بديلة من التكنوقراط لقيادة المرحلة حتى الانتخابات وانتقال السلطة على أن لا يترشح أحد من أعضاء الحكومة القادمة للانتخابات. هذا الإعلان الذي بدا بمثابة احتواء للسخط الشعبي المتصاعد لاقى أصداءاً إيجابية من مختلف أطراف المعارضة. لكنه سرعان ما اصطدم بمعارضة الائتلاف الحاكم الذي يقوده الأخوان المسلمون، فالإخوان وزعيمهم رشيد الغنوشي واثقون من أن ما يجري هو مؤامرة على البلاد وعلى الاستقرار الذي فشلوا في فرضه. وبلغ نار الغضب الشعبي مراكزهم  في مدن تونسية عديدة، إذ أن الاغتيال يأتي على وقع الصراع السياسي المحتدم بين حركة "النهضة" الحاكمة وخصومها الذين يحمّلونها مسؤولية العنف المستشري في البلاد، تارةً على شكل اشتباكات بين رجال الأمن ومتظاهرين، وطوراً على شكل عنف "سلفي"  يستهدف هيئات مدنية ومؤسسات عامة، ومنها الجامعات التونسية. ولم تنفع محاولات "النهضة" تبرير نفسها، فقد أعلنت أحزاب المعارضة تعليق عضويتها في المجلس الوطني التأسيسي المكلف صياغة الدستور، وصاحب ذلك دعوة للإضراب العام شل تونس يوم الجمعة يوم تشييع شكري بلعيد.

مصر بين الانقسام الداخلي والدور الخارجي!

إذا كانت تونس باكورةَ الانتفاضات العربية، فإن مصر قلبها. وتشظي المشهد السياسي في حجم تونس يختلف عنه في مقاييس مصر. الانقسام عامودي في المجتمع. الرئاسة حصدت صداً من الجيش الذي رفض النزول الى الشوارع، واجتماعات الرئيس محمد مرسي مع القيادات العسكرية يكشف عن مستوى التأزم السياسي في مصر، كما عن شعور الرئاسة بخطورة انسداد أفق الحوار، علماً أنها تبقى متشددة في الاستجابة لمطالب المعارضة، الأمر الذي يرده مراقبون الى الجناح المتشدد في حركة الأخوان المسلمين المصرية. ويستندون في ذلك أن مرسي ما يلبث أن يعد بشيء حتى يتراجع عنه بإيعاز من مكتب إرشاد الجماعة. ولعل الأخوان اليوم يضربون أخماساً بأسداس، توجساً من الانتخابات المقبلة، حيث محافظات قناة السويس التي سقط فيها قتلى وفرضت عليها حالة الطوارئ، وكذلك محافظة الإسكندرية، وهذه كلها تميل لصالح الأخوان، لا بد أن تخرج من تحت جناحهم في الانتخابات المقبلة.

أما ماذا يجري اليوم؟ لقد بدت مصر في الأيام الأخيرة في حالة من الهدوء كون القوى على اختلافها كانت تعدّ ليوم الجمعة "جمعة الرحيل جمعة الكرامة" كما أسماها المعارضون لحكم الرئيس محمد مرسي. والشعاران يلتقيان على ضرورة محاسبة المسؤولين عن انتهاكات كرمات المصريين المتظاهرين كواقعة تعرية وسحل أحدهم من قبل قوات الشرطة في وسط القاهرة، الأمر الذي أجج سخط الشارع والقوى السياسية على حكم مرسي ووزير داخليته. إذن المعارضة ممثلة بجبهة الإنقاذ تجد أن السلطة التي يديرها الأخوان تمدهم بأدوات المواجهة معها لفرض الشروط وتحسين الموازين المختلة منذ أن سلبت جماعة الاخوان الثورة من أبنائها على ما يقول المعارضون. النظام ماض في عقد ما يشبه الحوار دون الاستجابة لمطالب الإنقاذ وشباب الثورة. وقد دعا مرسي إلى جولة ثانية أعلنت المعارضة أنها لن تحضرها احتجاجاً على "العنف المفرط ضد المتظاهرين وعدم القصاص للشهداء". أما الرئيس مرسي فقد عقد اجتماعات مع المجلس الأعلى للقوات المسلحة وقيادات الشرطة في البلاد وسط تأكيد الرئاسة أن البحث تناول "ضرورة تطبيق القانون على من يقومون بالتخريب مع احترام التظاهر السلمي وحرية التعبير، لكن ما رشح أن مرسي فشل في جر الجيش الى ممارسة دور أمني في قمع التظاهرات، ما يجعل المؤسسة العسكرية على مسافة من الحكم الأخواني كما من معارضيه. فهل العسكر يعد نفسه لليوم التالي؟

سورية: مبادرات حوار الطرشان؟

هل أصبح الحل السوري قريباً؟ تداخلت المؤشرات وتكثفت وتضاربت حول هذا الأمر في غضون يومين على الأكثر خلال هذا الأسبوع لتنجلي الصورة عن أن فكرة الحوار بين المعارضة والنظام ما زالت غيرَ قابلة للحياة في ظل تعمق الانشقاق العامودي داخل سورية واستمراره من حولها دولياً وإقليمياً. فمبادرة رئيس الائتلاف السوري المعارض معاذ الخطيب بالتحاور مع نائب الرئيس فاروق الشرع فجّرت جدلا كبيراً في أوساط المعارضة، بل واتهامات بأن الخطيب قد خرج على الخط العام المتفق عليه. النظام من جهته التزم الصمت وكأن الأمر لا يعنيه. فقد سبق للرئيس الأسد أن طرح خطة تعمل حكومته على تحقيقها والطرحان لا يلتقيان، والترحيب الروسي بمبادرة الخطيب وكذلك الأمريكي لا يخفي حقيقة أن قراءتي العاصمتين متباعدتان حتى اليوم وإلى أشهر مقبلة على أقل تقدير، كذلك تصريحات طهران عن توافق إيراني - تركي - مصري على ضرورة الحل السلمي يمكن تصنيفها في خانة العلاقات العامة. ذلك أن كلاًّ من الثلاثي المذكور يراهن على أن يتمكن حليفه السوري الداخلي من سحق حليف الآخر، الخصم السوري الداخلي أيضاً.

وفي هذا السياق تشتد المعارك بين المتحاربين في سورية حيث القوات الحكومية استعادت قريتين في ريف حماه في إثر معارك عنيفة منذ نحو أسبوعين. ولا تزال المعارك دائرة على قرى أخرى. هذا في ما أعلنت المعارضة عن بداية معركة " الملحمة الكبرى"، وهو الاسم الذي اختاره المسلحون لما وصفوه معركة تحرير دمشق، بيد أن التسمية الطنانة انعكست مواجهات في عدد من الأحياء في أطراف العاصمة السورية، وفرضت سيطرتها على بعضها، والهدف العسكري من ذلك تحسين وضع مقاتليها الميداني، إذ أن الجميع يتهيبون حربا طويلة في دمشق ذات الخمسة ملايين نسمة وآثارها الكارثية،فيما لو وقعت، على نسيج سوريا كما على بلدان المحيط. إذن المخاطر قد تكون فرضت منطق الواقعية على مبادرة معاذ الخطيب، الذي أجرى لقاءات متعددة في ميونيخ يقدّر لها أن تفتح أبواب موسكو وطهران أمام زعيم الائتلاف السوري المعارض، حيث تلقى دعوة لزيارة موسكو، بيد أن كلمات مثل الواقعية والأمل ما لبثت أن تبخرت، إذ لم تحظ المبادرة لا بمباركة المعارضة ولا باهتمام السلطة في دمشق. فالمسألة باقية ومتمترسة بما إذا كانت العملية السياسية الانتقالية بالأسد أو بدونه، أي أن كل النقاش ما زال في المربع الأول. الأخضر الابراهيمي ما زال يعتبر ذلك نقطة الغموض الأكبر، مع التلميح إلى أن لو اتفق السوريون، فالحل سوري على ما يقول الجميع . لو اتفقوا على نظام برلماني لما بقيت مسألة الأسد مطروحة، فتوضح الخارجية الروسية أن دعم موسكو للإبراهيمي ليس غير مشروطا، وأن أي حل يشترط تنحي الأسد غير قابل للحياة. وبذا حتى الآن في سورية لكل حواره: فطرح الخطيب والنظام لا يلتقيان المعارضة تدعو لحوار على رحيل النظام، يقابلها النظام بخطة حوار تبدو كإحدى أدوات الحل الأمني.

مؤتمر ميونيخ يشخّص.. ولا يداوي!

وقبل أن أختم حلقة اليوم ارتأيت التذكير بمؤتمر ميونيخ للأمن والتعاون في أوروبا  الذي انعقد يوم السبت، ولأتوقف بالتحديد عند العلاقات الروسية - الأمريكية وانعكاساتها الدولية. لقاء وزير الخارجية الروسي سرغي لافروف ونائب الرئيس الأمريكي جو بايدن حضر فيه ملف العلاقات الثنائية، كما القنابل الموقوتة والحرائق الإقليمية، سواء منها المشتعلة أو الكامنة تحت الرماد، في ما الاطفائيان الدوليان غير متفاهمين على أساليب الإخماد.

والبداية الأساس من العلاقات الروسية – الأمريكية، بل الأصح من السياسة الخارجية الأمريكية. فواشنطن تفقد اليوم رويداً وهجها ووزنها الدولي، بينما ما زالت ماضية في دور المشرع والشرطي العالمي، والشرطي كذلك، وهذا ما أعلن باراك أوباما أنه في صدد مراجعة عامة له. ومع ذلك تصعيد واشنطن مع موسكو يتواصل بالسليقة، إذا جاز التعبير، وبالتالي ليس ثمة عجالة في عقد قمة روسية - أمريكية في القريب العاجل. ومن هنا تتفرع المواقف إلى العناوين الإقليمية المختلفة، حيث تريد واشنطن أن يكون تراجعا لائقاً لها. لكن اللياقة في السياسة أمر زائد، ففي الملف الإيراني عرضت واشنطن على طهران محادثات مباشرة لإقفال هذا الملف على أن يجري اجتماع السداسية الدولية في كازخستان، فأتى الرد الإيراني بالرفض مهينا. وفي أزمة الشرق الأوسط يعتزم وزير الخارجية الجديد جون كيري زيارة المنطقة بعد أيام أي أسلوب التفرد الأمريكي عينه. فأتى موقف موسكو بضرورة إحياء الرباعية الدولية التي عملت واشنطن على دفنها واحتكار لنفسها البحث عن حل لم يولد. أما أفغانستان، فبعد عشر سنوات ونيف من الحرب ها هي واشنطن أسيرة الانسحاب بعد أن كانت أسيرة الحرب. وفي سورية تتأرجح بين بيانات الدعم للمعارضة والتخلي عنها دون سابق إنذار فالبيانات وحدها والمواقف الكلامية لا تحل الأزمات. أما في ليبيا ومن بعدها مالي فيحصد الزارعون جنى ما بذروا قبل عامين. وهذا مجرد تعداد واستذكار لبعض الملفات التي تثقل مكتب أوباما الثاني في إعادة النظر الى سياسة واشنطن في الخارج.