القرضاوي: لا نريد دولة دينية ، نحن نريد دولة مدنية مرجعيتها الاسلام

أخبار العالم العربي

انسخ الرابطhttps://arabic.rt.com/prg/telecast/657900/

ضيف الحلقة الجديدة من برنامج "حديث اليوم" هو فضيلة الشيخ يوسف القرضاوي رئيس الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين الذي تطرق الى مواضيع شتى تشغل بال العالمين الاسلامي والعربي ، ومنها العلاقة بين المذاهب والفرق الاسلامية ، والموقف من ما يسمى"صراع الحضارات"، وموضوع ثورات " الربيع العربي" والموقف الروسي ازاءها، وغيرها من المسائل الهامة الاخرى. واليكم النص الكامل للحديث:

- لو بدأنا فضيلة الشيخ من الموضوع الاهم والأكثر وضوحاً في نشاطكم العلمي والتبشيري ـ فلنقل ـ بين الناس، هو التقريب بين المذاهب. وهذا عمل دؤوب، تجرونه منذ عقود. لكننا إلى الآن لم نلمس ذلك التقارب الذي تبحثون عنه، او صورة التقارب التي نأملها نحن. لماذا برأيكم، ما هي الأسباب الموضوعية الذاتية؟

- أولاً أبدأ : بسم الله الرحمن الرحيم، وبعد فأقول إن العالم المسلم مطلوب منه أن يدعو إلى الله تبارك وتعالى وإلى دين الله عز وجل، عقيدة وشريعة وأخلاقاً ورابطة وحضارة، إلى الدين كله كما أنزله الله وكما بعث به رسوله وكما فهمه أصحابه وكما ترجم ذلك أتباعه، فهذا هو الإسلام الذي ندعوا اليه وسنظل ندعوا إليه، كما قال الله تعالى: الذين يبلغون رسالات الله ويخشونه ولا يخشون أحدا إلا الله. نحن نبلغ رسالات الله كلها إلى الناس لا نخشى أحداً إلا الله تبارك وتعالى، كنا ندعوا الأمة الإسلامية كلها أن تتوحد ولا تختلف وتجتمع ولا تتفرق، وكانت هذه دعوتنا لكل الفرق، لا أقول كلمة مذاهب فقط، لأن كلمة المذاهب أكثر ما تتعلق بالجانب الفقهي والفرعي، ونحن لا نهتم بهذا الجانب لأن المسلمين تعددوا مذاهبا، ولم يكن ذلك ليخالف بينهم، هذا حنفي وهذا شافعي وهذا مالكي وهذا حنبلي، ما أضر ذلك شيئاً. إنما الفرق أن هؤلاء أهل السنة، وهذا شيعي وهذا زيدي وهذا إباضي، فنحن دعونا إلى التقارب بين هذه الفرق المختلفة وسعينا لذلك سعياً حثيثاً، ولكن في الحقيقة وجدنا الذين يستفيدون من ذلك هم الشيعة وليس أهل السنة. الشيعة بعد أن أقيم الاحتفال أو المؤتمر في بلد ما بعد ذلك ينشؤون حسينيات مختلفة، ويقولون نحن سوية، وأهل السنة لا ينشؤون ولا يصنعون شيئاً، فهم يستفيدون ونحن لا نستفيد. وبدأ نوع من الغزو لأهل السنة في ديارهم، وأهالي السنة يريدون أن يحتفظوا بعقيدتهم وبهويتهم وبمذهبهم وبطائفتهم، وكان هذا في الحقيقة شيئا  لمسناه في بلاد شتى. وشكى اهل السنة من الغزو الشيعي لهم. الشيعة معهم ملايين، مليارات ومستعدون أن ينفقوا هذه الأموال لكي يضموا أهل السنة إليهم، وهذا مالا نقبله، نحن نريد أن نقرب الناس بعضهم إلى بعض، لا نقرب مذهباً على حساب مذهب أو فرقة على حساب فرقة، ولذلك أنا أعلنت ذلك، وأنا لست مع هذا التقريب الذي ينتهي بهذه النتيجة، بأن نعلي طائفة، تعتبر أقلية بالنسبة للعالم الإسلامي كله، على سائر الطوائف، وأعلنت لهم هذا وتركت التقريب مع الشيعة.

- إذا انتقلنا من معضلة الفرق الإسلامية إلى معضلة أكبر هي الديانات في العالم، هل برأيكم فضيلة الشيخ يعيش العالم صراعاً بين الأديان والحضارات أم تفاهماً؟

- نحن كمسلمين نؤمن بأن الإنسانية كلها يعتبرها الإسلام أسرة واحدة تنتمي من جهة الخلق إلى الرب الواحد، وتنتمي من جهة النسب إلى الأب الواحد، كلنا أبناء آدم وحواء، وهذا ما أعلنه الرسول في حجة الوداع، أمام عشرات الألوف من الناس ، قال يا أيها الناس إن ربكم واحد وإن أباكم واحد، كلكم لآدم وآدم من تراب، فأراد أن يجمع الجميع على هذا، ولذلك نحن نؤمن بأن الإنسانية يجب أن تتقارب.اختلاف الأديان ليس معناه صراع بين الأديان بعضها مع بعض، بل هو فعلاً المفروض أن يكون بينهم الحوار، القرآن سمى هذا الحوار بالجدال بالتي هي أحسن، جعل القرآن طريقة الدعوة، أدع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن، الحكمة التي تقارب العقول والموعظة الحسنة التي ترقق القلوب، والجدال بالتي هي أحسن الذي يحاور المخالفين بعضهم مع بعض. وإذا كان هناك الخلاف البعض بطريقة حسنة والبعض بطريقة أحسن اختر الطريقة الأحسن، هذا ما يدعو إليه الإسلام. نحن نريد لأصحاب الأديان وخاصة من اشترك في عدد من الحوارات، دعونا الأخوة في سانت ديديو إلى روما وحضرنا المؤتمر الأول والمؤتمر الثاني وكانوا يحضرون لمؤتمر ثالث، ولكننا وجدنا لما جاء الأب الجديد وخطب من ألمانيا وهاجم الإسلام من دون داع، رفضنا أن نستمر في هذا الحوار. حاورنا في القاهرة مع المسيحيين ـ مسيحيو الشرق ـ أنا تقابلت مع مسيحيي الغرب ومع مسيحيي الشرق، ولم نرفض أي حوار، ولكن حينما وجدنا الذي يتكلم باسم المسيحية وباسم الكاثوليك في العالم يهاجم الإسلام قلنا نحن لسنا مع هذا الحوار إلى أن يصدر اعتذار من البابا أو كلام يخفف ما أوقعه على المسلمين.

- توصفون بأنكم الأب الروحي لثورات الربيع العربي، برأيكم هل أن الفكرة الإسلامية مركزية في هذه الثورات؟

- أنا أعتبر نفسي جندياً في ثورات الربيع العربي كلها، ابتداءً من ثورة تونس فثورة مصر فثورة ليبيا فثورة اليمن فالثورة السورية الحالية، أنا أرى أن هذه كلها ثوراتي، لا أفرق بين بلد وآخر ، إن هذه كلها بلاد عربية إسلامية وكل منا له فيها نصيب ويؤثر بعضها في بعض، ولهذا من أول يوم بدأت مع ثورة تونس وقال لي بعضهم: هل أنت تونسي؟ نعم أنا تونسي أنا تونسي وأنا مصري وأنا قطري وأنا عربي وأنا مسلم، أنا أحمل كل جنسيات البلدان الإسلامية ويهمني أهلها وكأنهم أهلي، وأعتبرهم أهلي فعلاً، ولست أدري سوى الإسلام لي وطنًا، الشام فيه ووادي النيل سيان ، وحيثمـا ذكـر اسـم الله فـي بلدٍ عددت أوطانه من لُبِّ أوطاني، فأنا مهتم بهذه البلاد كلها واعتبر نفسي جندياً لهم، خادماً لهذه الثورات كلها، التي  المحرك الأساسي أو المحرك الأول أو المحرك الأكبر لها لا شك أنها الروح الإسلامية والفكرة الإسلامية والعاطفة الإسلامية التي حركت هذه الجماهير، هذه الجماهير وافقت أو قبلت أو خنعت للذل الذي ضرب عليها سنين طويلة ولم تشارك في حكم بلدها وهي الأغلبية الساحقة، هذه الأغلبية الساحقة كانت مهمشة ومحنطة ومجمدة والذين يحكمونها فئة قليلة من الناس تتحكم في أرزاقها وتتحكم في رقابها وتتحكم في إمورها كلها، وهم يعيشون كأنما هم عبيد للطائفة الأخرى أو كأنما هم ماشية للأمة، فكان لا بد أن يرفض، هناك كانت ثورة تغلي في النفوس، كانت تنتظر من يشعل هذه … الثورة تحتاج إلى عود ثقاب لتشتعل، فكان عود الثقاب الأول في تونس وانتقل بعده إلى مصر ومن مصر إلى البلاد الأخرى. فأعتقد أن الفكرة الإسلامية والروح الإسلامية هي التي وراء هذه الثورات كلها، ولذلك ننتظر ان يكون للإسلام شأن، أن يعترف بالإسلام، لا نريد ان تقوم دولة دينية كما كان في أوروبا في العصور الوسطى، لأننا لا نقبل دولة، نحن نريد دولة مدنية يحكمها المدنيون، الأطباء والمهندسون والمحاميون والاقتصاديون والإداريون ولكن مرجعيتها الإسلام، فهذا ما نريده لأمتنا ونعتقد أنه إذا تم الأمر واستتبت الأمور وتهيأ الاستقرار لهذه البلاد سيكون لها شأن عظيم إن شاء الله، ستنتج انتاجاً عظيماً وتصلح بين الناس وتربط الناس بعضهم ببعض وتشيع روح الحب لا روح البغض، ورح السلام لا روح الحرب، روح التآلف لا روح التصادم، هذا ما نسعى إليه جميعاً.

- وأنتم تتابعون أوضاع المسلمين في شتى بقاع الأرض، برأيكم ما هو واقع المسلمين في روسيا، كيف تنظرون إلى مستقبلهم في هذه البلاد الكبيرة الشاسعة وهم يشكلون حوالي 20 مليون نسمة في روسيا وحدها فقط، لا أتحدث عن الجمهوريات السوفييتية السابقة، ولكن روسيا بحدودها الحالية؟

- نحن من المهتمين بالشأن الروسي، نحن نعلم أن روسيا بلد كبير وكان معه الاتحاد السوفييتي، وكان يمثل كتلة كبيرة تقف في وجه الكتلة الغربية التي عرفت بالاستعمار وأصاب المسلمين من بلائها شر كثير، استعمرت بلاد المسلمين وسلط عليها التعذيب وما يعرفه العالم كله، فكان الناس ينظرون إلى روسيا كبلد يسعى إلى تحرير الشعوب ويقف مع البلدان الضعيفة والبلدان التي تسعى إلى الحرية، ولكن كانت عملية الشيوعية هي التي تخوف المسلمين، خصوصاً أن روسيا الشيوعية كانت تريد تنشر الشيوعية في العالم، ونحن حريصون على بقائنا على ديننا، لا نبيع ديننا بملك المشرق والمغرب، فكنا نخاف. لما تحررت روسيا من الشيوعية فرحنا بذلك ولكن كنا معها لأنها تقف ضد الجبروت الأمريكي وضد التسلط الغربي على الناس وضد وقوف أمريكا مع إسرائيل بالحق وبالباطل وفي العدل وفي الظلم وفي الخير وفي الشر، وقفنا مع روسيا في ذلك الوقت، انا زرت روسيا في ذلك الوقت، يوم مؤتمر الأديان وسررت بما يقوم به المسلمون في الحالة الجديدة من انتشار الإسلام والدعوة إلى الإسلام، وأصبح هناك حرية، وانا نصير الحرية، وأنا أحب الحرية وأعيش من اجل الحرية، كل بلد يتحرر ويتيح الحرية للناس أنا أرحب به وأصفق له، فسرني هذا ونويت بعد ذلك أن أزور روسيا وبلادها المختلفة، ولكن وقفت دون ذلك عقبات، لأن للأسف كثير من البلدان التي كانت مع روسيا لم تتحرر تماماً كما تحررت البلاد التي كانت مع أوروبا مثل تشيكوسلوفاكيا ورومانيا، هذه البلاد ذهب أباطرتها وحكامها الجائرون الظالمون وخلفهم أناس جاؤوا عن طريق الديموقراطية والحرية والانتخاب الحر. البلاد الإسلامية للأسف لم يسمح فيها بهذا فظلت الكثير من الأمور، وإن كانت أوضاعها احسن مما كان من قبل، فتمنينا أن روسيا في العهد الجديد تظل مع الشعوب المستضعفة ولا تقف مع الحكام الجلادين ضد الشعوب، فهذا ما لا نقبله، لا نقبل أن نعيش مع الحاكم الظالم المستكبر في الأرض، الجبار بغير الحق ضد شعب مستضعف، لذلك كان لنا موقف مع روسيا، ما كنا نحب أن تكون روسيا في هذا الموقف.

- هل تعتزمون زيارة روسيا؟ وجهتم انتقادات لأداء النظام والحكومة في روسيا بسبب موقفها من الملف السوري، ولكن أعتقد انكم ترغبون في زيارة روسيا!

- لا شك في هذا أبداً، أنا أحب أن أبين الحقيقة، لأن بعض الناس لا يفهمون مقصودي تماماً بالكلام، أنا حينما أقول روسيا لا أقصد الشعب الروسي، الشعب الروسي في معظمه شعب يحب الشعوب الأخرى ويتعامل معها ويحب الرفق واللين ولا يحب قسوة الحرب والدماء. فهذ الشعب أحب أن أتعامل معه وإخواننا هناك المسلمون حوالي 30 مليون داخل روسيا وخارج روسيا، الشيشان وداغستان كل هؤلاء نحبهم وزارونا ونزورهم ويحبووننا ونحبهم، وحتى الشعب الروسي، حتى من غير المسلمين، إننا نحب هذا الشعب، إنما الذي لا نحبه هو النظام الحاكم، النظام الذي يقود السياسات الخارجية وسياسة السلم والحرب وبيع الأسلحة وتأييد الحكام ضد شعوبهم، هؤلاء هم الذين لا نقبل موقفهم أبدا. وأنا أدعو الله أن يوفقهم إلى كل خير.

- فضيلة الشيخ ليس خافياً أن روسيا والاتحاد السوفييتي سابقاً سلح العرب في مواجهة عدوهم الرئيس إسرائيل، فليس ـ وهذا رأيي الشخصي ـ ذنب حكومة روسيا، التي تسلم سلاحاً لهذه الدول والأنظمة للدفاع عن شعوبها ضد عدو خارجي أن تستخدمها في ضرب شعبها، كيف ترون؟

- لا نعيب على روسيا أن تستخدم السلاح ضد أعدائها الذين يريدون أن يقاتلوها أو الذين يريدون ان يخرجوها من ديارها او الذين يعتدون عليها، من حق صاحب السلاح أن يدافع عن نفسه كما يقول الشاعر العربي: وكنت إذا قوم غزوني غزوتهم فهل أنا في ذا يا لهمدان ظالم، متى تحمل القلب الذكي وصارما وأنفاً حمياً تجتنبك المراغم. السلاح للدفاع عن النفس عن الذات عن الحرمات، فهذا ما لانعيب عليه روسيا، ما نعيبه عليها  هو أنها تعطي هذا السلاح وتبيعه لحكام ليدافعوا به عن بلدهم وعن شعوبهم ولكن  يصبح الشعب هو الذي يقتل بهذا… الشعب هو الذي دفع أموال هذا السلاح، فبشار الأسد ليس عنده فلوس، من الذي دفع قيمة هذا السلاح؟ دفعه الشعب من عصارة أرزاقه، من قوت أولاده ، ثم يقتل به، هذا مالا يقبله أحد. لا نريد لروسيا أن تقبل هذا، إنما نقول لها في أول الأمر كان الأمر لازال غامضاً عندها، ولكن الأمر اتضح وضوحاً وبان للناس جميعاً، أنه لا يمكن لهذا الحكم الظالم الجائر أن يظل يحكم هذا البلد، انتهى بشار الأسد انتهى الآن، والجيش الحر هو الذي يسيطر على معظم البلاد، ولكن كل ما يستطيعه هذا الجيش(السوري النظامي) أن يضرب بطائرات الميغ الروسية، يضرب بها الناس المساكين، يضربهم ويقتلهم ويهدم ديارهم، يخرب هذه الديار.

- كيف تنظرون إلى مستقبل الأنظمة التي جاءت بعد الربيع العربي، هل تحمل عناصر القوة لأن تبقى مستديمة الحياة أم أنها ستتعرض إلى نكسات؟

- لا شك أن الأنظمة التي جاءت بعد الثورات التي قامت في بلاد الربيع العربي كلها، كلها أنظمة تحمل كل عناصر القوة، وعناصر الكفاءة ومن ورائها من تقدم لهذه البلاد التي تأخرت كثيراً، كانت الدنيا كلها تتقدم وبلادنا تتأخر، هذا التأخر لابد أن ينتهي ونبدأ في بناة حياة جديدة تتقدم فيها الأمة وتنتج فيها الأمة انتاجاً حقيقياً. الأمة ظلت عشرات السنين، مصر صار لها 60 سنة وهي تتأخر، نريد لهذه البلاد أن تبني نفسها، الأنطمة الجديدة قادرة على أن تقود هذه البلاد لأنها أنظمة يقوم عليها المثقفون والمتقدمون في مصر مثلاً الأخوان المسلمون، الاخوان المسلمون هذه ليست فئة … هي فئة من أعظم الفئات تعلماً وتثقفاً وتقدماً، وفيها كل الفئات الطبيب والمهندس والمحامي والاقتصادي والإداري والمخطط والمنفذ، كل الفئات موجودة. وهؤلاء لا يقولون أن نحكم بلدنا وحدنا، الكل يفتح الباب ليتعاون مع الجميع.