نفط الصخر الزيتي.. واقع أم حلم أمريكي؟

انسخ الرابطhttps://arabic.rt.com/prg/telecast/657852/

ضيف هذه الحلقة من برنامج "حديث اليوم" هو الخبير الاقتصادي في مصرف "سبيربنك" الروسي نيكولاي كوشييف.

ما مدى واقعية تنبؤات وكالة الطاقة الدولية هذه برأيكم؟ وهل تكفل سياسات واشنطن في زيادة إنتاج النفط محلياً وتقليص الاستيراد، هل يكفل ذلك للولايات المتحدة التحول إلى أكبر منتج للنفط في العالم؟

أود بداية الإشارة إلى مسألة تتعلق بالاقتصاد الكلي.. الأسباب التي أوجدت الأزمة الاقتصادية العالمية ما تزال قائمة، وأحد هذه الأسباب الأساسية هو اختلال  الميزان التجاري الأمريكي بشكل كبير، وتعزو بعض التقييمات ستين في المئة من هذا الاختلال وأحياناً أكثر من ذلك إلى  استيراد موارد الطاقة، النفط بالدرجة الأولى الذي يستورده الأمريكيون من فنزويلا والمكسيك والبلدان العربية، من دون إصلاح هذا الاختلال، أو تقليصه بشكل ملموس على الأقل، يصعب الحديث عن الخروج من الأزمة بشكل جدي، نظراً لأن المحافظة على اختلال الميزان التجاري الخارجي للولايات المتحدة لفترات طويلة يفضي إلى هبوط سعر الدولار بشكل كبير.. كذلك فإن الاختلال يستدعي واشنطن إلى اللجوء إلى اجتذاب رؤوس أموال من الأسواق الخارجية للمحافظة على سعر الدولار، لذلك فمن أجل الحديث عن تجاوز الأزمة يجب فعل شئ مع ذلك ما قاد إلى فكرة ضرورة بزوغ تطورات جديدة على صعيد التقنيات وإلا فما من طريقة لخفض هذا الاختلال في الميزان التجاري، لذلك فقد توقع الكثيرون بأن استهلاك موارد الطاقة سيتقلص على خلفية ظهور حلول توفر وترشد استهلاك موارد الطاقة ولا سيما في مجال النقل بالسيارات.. ولكن تبين أنه ابتداءاً من سبعينيات القرن الماضي توفرت في الولايات المتحدة وكندا  تقنيات تعرف بالتصديع الهدرولي بضغط الماء "فراكينغ" وتقنيات الحفر الأفقي، وبالطبع لم يكن ممكناًَ استخدام هذه التقنيات عندما انخفضت أسعار النفط في تلك الفترة، لذلك فقد أجل التنقيب عن النفط من المكامن غير التقليدية في الولايات المتحدة، بينما استمر الكنديون في البحث في هذه التقنيات الجديدة وتبين لاحقاً في منتصف العقد الماضي أنه تم التوصل إلى خفض كلفة استخدام هذه التقنيات إلى مستوى مقبول ما يجعل تطبيقها ممكناً وعندها بدأت تظهر معلومات عن اهتمام بعض شركات الطاقة العالمية بتطوير تقنيات مختلفة للتنقيب عن النفط من الصخور الزيتية (الطين الصفحي) وبدأنا نسمع بأسعار مثل خمسة وأربعين أو خمسين دولاراً للبرميل كمستويات مقبولة لتطبيق هذه التقنيات الجديدة، وبالطبع فكما هو معروف فإن تطبيق هذه التقنيات بدأ بمجال الغاز الطبيعي وتمكنت الولايات المتحدة من تأمين أربعين في المئة من استهلاكها من الغاز الطبيعي بفضل استخدام هذه التقنيات الجديدة في شمال أمريكا وكندا، ومن المهم أن نشير هنا إلى أن تقنيات استخراج النفط من الطين الصفحي  تسير على خطا التقنيات استخراج الغاز من تلك الصخور، وهذه التقنيات الجديدة على وشك الإتمام حالياً، وأود الإشارة إلى عدم تطلب هذه التقنيات توظيف رؤوس أموال ضخمة إذ يكفي استثمار عدة عشرات ملايين الدولارات فقط، لذلك ينشط عدد كبير من الشركات الصغيرة في التنقيب عن الغاز الصخري، ويتوقع أن تشهد صناعة النفط تطوراً مماثلاً قريباً جداً، وفي حال تم ذلك، فإن كندا ستغدو ثالث دولة في العالم من حيث احتياطات النفط القابلة للتجديد بعد السعودية وفنزويلا، وبالمقابل هناك مشكلة تكمن في تطلب استثمارات كبيرة في الولايات المتحدة في البنية التحتية لنقل هذا النفط، وفي العودة لتوقعات وكالة الطاقة الدولية بشأن اكتفاء الولايات المتحدة ذاتياً في إنتاج النفط بحلول عام 2020 أعتقد أن هذا التقييم واقعي وقد يتم ذلك في وقت أقصر في حال استقطبت هذه التقنيات الجديدة اهتماماً واسعاً من جانب المستثمرين ويصب في صالح ذلك توفر السيولة بغزارة في أمريكا على خلفية سياسات التيسير النقدي الغزير وفيما يتعلق مدى توفر إرادة سياسية لذلك، أعتقد أن سياسة الرئيس أوباما في هذا الشأن تبدو أقل وضوحاً من سياسات الجمهوريين الذين كانوا سيفتحون الباب على مصراعيه للتنقيب عن النفط من الطين الصفحي لو أنهم فازوا بالسباق إلى البيت الأبيض، لأن استراتيجية أوباما تركز بالدرجة الأولى على تقنيات توفير استهلاك الطاقة، ولكنه بالطبع لا يستطيع تجاهل تلك التقنيات الثورية ولكنه بصفته ديمقراطياً فإنه حذر ويراعي النواحي البيئية وآراء معارضي هذه التقنيات. ناهيك عن علمنا بكونه من أنصار تقنيات الطاقة الخضراء كأشعة الشمس وموارد الطاقة المتجددة وغيرها، ولكن مع ذلك، فنظراً لأهمية النفط ولكون الاستثمار فيه يستقطب موارد مالية ضخمة عادة، أعتقد أن تقنيات التنقيب عن النفط من الصخر الزيتي  ستجد من يدافع عنها لتتشكل مجموعات ضغط، هذا إن لم تكن موجودة أصلاً لدفع هذه التقنيات وتطبيقها.

في حال حققت واشنطن اكتفاءاً ذاتياً في إنتاج النفط، ما هي تبعات ذلك على سوق الذهب الأسود، وهل سيهوي سعر البرميل؟

من الطبيعي أن تنحسر سوق الاستهلاك بشدة ولاسيما حال دخلت الصين هذه المعمعة.. فالتنقيب عن النفط بهذه الطريقة سيصبح شأناً سيادياً إذا ما صح التعبير.. ففي كل منطقة أو إقليم تقريباً توجد خامات من هذا القبيل.. وهذا التطور هو ردة فعل طبيعية لارتفاع أسعار النفط لسنوات طويلة عندما تفضي الاستثمارات المتراكمة في التقنيات إلى إحداث اختراق أما سعر النفط فسيغدو أقل عرضة للتحكم من جانب المضاربين الماليين.. كذلك سيقل دور المخاطر الجيوسياسية في منطقة الشرق الأوسط في تحديد سعر النفط.. وبالتالي فإن تشكل السعر سيصبح نتيجة لميزان العرض والطلب.. وأشير هنا إلى أن التغيرات في الولايات المتحدة لا تقتصر على مجرد زيادة المعروض من النفط، إنما تحيط أيضاً بتقليص الطلب في السوق الأمريكية جراء استخدام تقنيات تقنين استهلاك موارد الطاقة..  وبالطبع فإن مصنعوا السيارات سيتجهون بهذا الاتجاه.. أنا أخشى أن كل ذلك لا يصب في صالح المنتجين وأنه سيستمرمدة طويلة.

حسناً، ولكن هناك شركات نفطية كبرى مثل بريتش بتروليوم أو أكسون موبيل، هذه الشركات ما تزال تفكر في ظل المستجدات التي تتحدث عنها، ما تزال تفكر عن التنقيب عن النفط في الجروف القارية القطبية الشمالية مثلاً.. هذه المشروعات كما تعلم مكلفة جداً، فلماذا تبحث عن النفط هناك في ظل هذه المستجدات التي تتحدث عنها؟ ما هو تعليقك؟

يتوقف الأمر على ربحية تلك المشروعات مقارنة بمشروعات استخراج النفط من الصخور الزيتية، فمشروعات الجروف القارية المكلفة جداً ستؤجل إلى أن يصبح ذلك ممكناً من الناحية الاقتصادية وذلك على غرار تأجيل مشروعات الصخور الزيتية في السبعينيات من القرن الماضي.. وعلى اعتبار أن التنقيب عن النفط  من الصخور الزيتية ما يزال في مراحلة الابتدائية الآن، فإنه لا يجري الحديث حالياً عن إتخام السوق بهذا النفط، لذلك فمن الطبيعي أنه يجري الاستثمار في  كافة المشروعات المتوفرة حالياً للتنقيب عن النفط مثل الجروف القارية طالما أن كلفتها معقولة.

ما دام التفكير عن إنتاج النفط محلياً وفق هذه التكنولوجيا الجديدة التي تتحدث عنها هو الشغل الشاغل للأمريكيين حالياً، هل يمكن القول بالتالي إن الحديث عن نهاية عصر النفط بات الآن أمراً غير واقعياً؟

عصر النفط سيستمر بالتأكيد، لأنه بحسب علمي، لا يوجد في الآفق ما يشير إلى ظهور مورد طاقة كفء كالنفط، إذا ما استثنينا الغاز الطبيعي طبعاً.. ولكني لا أعتقد أن عصر النفط سيدوم عشرين أو ثلاثين عاماً لأن سرعة التطور العلمي  والتقني تتسارع كما تحدث تطورات مفاجئة قد لا نعلم عنها اليوم.. لذلك يصعب التكهن  حالياً رغم أننا لا نرى الآن أي بديل للنفط من حيث الكفاءة ولكني لا أعرف ماذا سيحصل بعد عشر سنوات.

البعض يعتقد أن تقارير وكالة الطاقة الدولية تصب في صالح مستهلكي النفط لا المنتجين بالدرجة الأولى، وأن بعض الدول المستهلكة ربما تستغل هذه المسألة وتوظفها من أجل تخفيض الأسعار.. وبالتالي فإنه قد يكون من المبكر الآن الحديث عن ثورة النفط المستخرج من الصخور الزيتية.. ما هو تعليقكم على ذلك؟

أعتقد أنه لدى وضع الخطط الاستراتيجية فإنه من الأجدى الإنطلاق في ذلك من الاحتساب لأسوأ الاحتمالات.. هذا أولاً.. أما النقطة الثانية، فكما قلت سابقاً، فإنه من وجهة نظر الاقتصاد الكلي، فإن حل مشكلة النفط قد أينع ببساطة، وذلك لسببين: الأول: الحاجة لإعادة التوازن للميزان التجاري الأمريكي الجاري ، الثاني: هو طول الفترة التي بقيت خلالها أسعار النفط على مستويات مرتفعة فهذه الدورة الاقتصادية التي بدأت بداية الألفية الراهنة من المنطقي أن تقترب من نهايتها، وذلك إما بظهور تقنيات جديدة أو عبر استخراج كميات أكبر من النفط من مصادر تقليدية وهذا ما يحدث في الواقع، ويصب في هذا التوجه إلى الشمال وإلى الجروف القارية بحثاً عن النفط، أما بشأن قيام كل طرف بالترويج لمصالحه، فهذا طبيعي، إنما يجب التحلي بالقدرة على فلترة كل ما يقال ، ومن أجل ذلك وجد المحللون المختصون، فمهمتهم فصل البذور عن القشور كما يقال وفي جميع الأحوال، لا يتوجب أن نطمر رأسنا في الرمال حتى لو رأينا بعض التطورات التي لا تعجبنا، فتلك التطورات لن تقتلنا في حال أصبنا في تقييمنا لها وقررنا ماذا سنفعل في أسوأ السيناريوهات.