صحفي روسي: نجحت روسيا في منع نقل السيناريو الليبي لسورية

انسخ الرابطhttps://arabic.rt.com/prg/telecast/657829/

ضيف هذه الحلقة من برنامج "حديث اليوم" هو فيودور لوكيانوف رئيس تحرير مجلة "روسيا والشؤون العالمية"، حيث يدور الحديث معه عن مختلف القضايا السياسية وخاصة تلك المتعلقة منها بما يجري حاليا في الشرق الاوسط.

س - يبدو ان المواجهة  الروسية - الأمريكية  في الشرق الاوسط  تعيد العلاقات الثنائية الى عصر الحرب الباردة. هل يمكن مقارنة ستينيات القرن الماضي مع الوقت المعاصر؟   

يمكن إيجاد بعض العمليات الاجتماعية  المتشابهة ولكن بشكل عام - لا! الحرب الباردة هي ليست المواجهة  العسكرية البسيطة فحسب، بل المواجهة  السياسية بين الدولتين العظميين اللتين كانتا تقتسمان العالم. وجرت جميع العمليا ت السياسية وغيرها في إطار هذه المواجهة. أما القوى الاقليمية المحلية، فكانت تنضم الى إحدى الدولتين العظميين. اما الدول الكبيرة،  فتحاول ان تحافظ على مواقفها وهى لا تملي الشروط  كما كان الامر عليه في القرن الماضي. ولذلك لا يمكن ان تدور الحرب الباردة في الشرق الأوسط أو في أى منطقة أخرى. بل يمكن ان يكون شيء آخر، وهو زيادة النزاعات المنفردة ، حيث حاولت الدول الكبرى مثل روسيا والولايات المتحدة الحصول على مكاسب سياسية. ولا تسعى روسيا الان الى الهيمنة العالمية منذ زمن بعيد. ولها مصالح آخرى.

س -  لقد منعت روسيا إتخاذ مجلس الأمن الدولي القرارين المعاديين  لسوريا ومنحت بشار الأسد المجال لتدبير الأمور في بلاده. ما هي النتيجة؟ هل هناك مكاسب سياسية او خسارة بالنسبة  لروسيا؟   

 لم يتسن لبشار الأسد تدبير الأمور في بلاده. انه لا يزال يمسك بالسلطة. ولكن ليس هناك في سوري اليوم نظاما ثابتا ويغلب عليه وضع المأزق السياسي، عندما لا يستطيع أي طرف ان يتغلب على طرف آخر. وهذا هو أسوأ حال ويمكن ان يستغرق مدة طويلة. أما روسيا، فلا يمكن القول انها فازت أم فشلت. ويجب ان نطرح السؤال - ما هي أهداف روسيا؟ يبدو ان الهدف هو دعم حليفها في الشرق الأوسط  والحفاظ عليه. أعتقد ان الفوز الإستراتيجي هنا أمر مستحيل، لان سورية الأسد لن تكون تلك الدولة التي كانت قبل بداية الحرب الأهلية وسيرحل الأسد في نهاية المطاف. وأنا اعتقد ان هدف روسيا يكمن في شيء آخر وهو عدم السماح للغرب وبعض الدول العربية بتطور الأوضاع في سوريا على النمط الليبي. ماذا حدث في ليبيا؟ إختار ما يسمى بالمجتمع الدولي "الطرف الصحيح" في النزاع الداخلي الليبي، ودعمه بجميع الوسائل الممكنة، وحلت مسألة السلطة في البلاد بهذه الطريقة. وتعارض روسيا تماما هذا المنطلق. ولم يعد السلام الى ليبيا وآفاقها متشائمة. عندما تدور الحرب الأهلية في بلد ما، لا يمكن التدخل فيها دعما لأي طرف كان. وهذا هو هدف السياسة الروسية تجاه سورية ونجحت روسيا في منع نقل السيناريو الليبي لسورية. لا يعني ذلك ان هناك آفاقا لسورية جيدة،  ولكن تنطلق روسيا من المنطلق العالمي وليس الإقليمي.

س - كم من الوقت سيستطيع الرئيس السوري ان يمسك بالسلطة؟

لا أساس للكلام عن أمكانية إسقاط نظام بشار الأسد.  ومنذ بداية الأزمة السورية بدت ان أيام الأسد معدودة ولكنه صامد. وصمد الأسد ليس بسبب الدعم الشعبي الشامل، بل وبسبب انشقاق المجتمع السوري بمقدار النصف. ومن الواضح تماما ان الأسد غير قادر على إخماد المعارضة. ويعقد الوضع تأثير العامل الخارجي وهو يساعد كلا الطرفين. وأظن اننا لا نشاهد الأن إنهيارا لنظام الأسد.

 س -أتى الربيع العربي بالتغييرات الجذرية في المنطقة. وبدلا من الأنظمة الدكتاتورية وصل الأصوليون الى السلطة في مصر وليبيا وتونس. هل هذا في مصلحة روسيا والولايات المتحدة؟ 

طبعا - لا.. ليس في مصلحة روسيا والولايات المتحدة وصول الأصوليين الى السلطة. خلافا عن الولايات المتحدة لا تسعى روسيا ان تكون راعيا لجميع الدول العربية. وتعارض أكثر انتشار الأصولية في منطقة الشرق الأوسط، لان ذلك يؤدي الى وصول الأصوليين الى أقاليم القوقاز الشمالية. نحن نتذكر تماما تسعينيات القرن الماضي عندما كانت بعض دول الشرق الأوسط  تمول الإرهابيين والمتطرفين في جمهوريات القوقاز الشمالية الروسية، مثلا في الشيشان. ولا يدور الكلام عن المكاسب والخسائر السياسية لروسيا او الغرب. المهم ماذا كسبت دول الشرق الأوسط من الأصولية؟  إذا إنتصر الأصوليون في الانتخابات الديمقراطية في مصر وهذا هو خيار الشعب المصري. الذي لايريد دكتاتورية مبارك وهذا هو شأن مصري. وسيبني المصريون تلك الدولة التي يريدونها وسيحصلون على النتائج المستحقة لهم. ويجب على روسيا والولايات المتحدة ان تنطلق من الوقائع الراهنة هناك.

 س- ليس سرا ان الولايات المتحدة قد خانت مبارك والقذافي وساعدت الثوار في إسقاط  نظاميهما. ولكن يبدو ان الثوار لم يقييموا بشكل صحيح المساعدة الأمريكية؟

  لن يشكر الثوار الولايات المتحدة على المساعدة التي قدمت لهم. وبشكل عام لن يشكروا أحدا في أي دولة من دول العالم.  طبعا، هم يقبلون أي مساعدة مفيدة لهم من اي طرف، ولكنهم لا يرون أنفسهم مرتبطين بأية إلتزامات أمام أحد. ويدل على ذلك تاريخ روسيا. الكثير من منافسي روسيا القيصرية كانوا يأملون خيرا من الثوار البلاشفة أنصار لينين، وفكروا ان ثورة أكتوبر الاشتراكية ستجعل روسيا مفيدة لهم ولكنها خيبت آمالهم. وصار العكس. أستفادت روسيا من دول الغرب ولكنها لم تلعب حسب قواعد الغرب. ويحدث نفس شيء في ليبيا وفي مصر. فلم يكن القذافي صديقا لأحد. أما خيانة مبارك من طرف الولايات المتحدة، فيجب ألا ننسى انه لا أصدقاء للأبد في السياسة. هناك تقييم للوضع، وعندما أصبح واضحا ان مبارك قضي عليه بالفشل، تخلت واشنطن عنه.

س- هل تخلت واشنطن عن فكرة دمقرطة الشرق الأوسط؟

    ج - تتم الآن "دمقرطة" الشرق الأوسط، ولكن على غير ما أرادت الولايات المتحدة. أما فكرة جورج بوش، فربما لم تتخل عنها نهائيا ولكنها غير مجدية إطلاقا الآن. وبرأيي لا يزال الأمريكان يائسين في البحث النظري. من ناحية تتم عملية الدمقرطة. وقد جرت الانتخابات الحرة في مصر وتونس وليبيا، وهناك نمو المزاج المعادي للغرب ولإسرائيل نتيجة هذه الانتخابات. وليس هناك أي شكر للدول الغربية على المساعدة وبالعكس. ولا يفهم الأمريكان لماذا يتصرف الديمقراطيون العرب الجدد بهذه الطريقة ولا يزال في تفكيرهم أن الولايات المتحدة هى المنارة بالنسبة للديمقراطيات الجديدة. ولا يدركون ان العالم المعاصر يختلف كثيرا عن موديلات المجتمع القديمة.

س- هل ستبقى مصر حليفة إستراتيجية بالنسبة للولايات المتحدة كما كانت عليه في عهد مبارك؟ 

طبعا لا .. ستختلف مصر مرسي عن مصر مبارك.  ولن تكون حليفة إستراتيجية للولايات المتحدة. ولكن لن يقطع مرسي كسياسي براغماتي العلاقات مع أمريكا. لا تريد مصر ان تقطع اتفاقيات كامب دافيد فهي مصدر أموال للجيش المصري، ولكن من غير الواضح الان كم من  الوقت سيبقى مرسي رئيسا لمصر، وما هي متانة سلطة الإخوان المسلمين في مصر، لأنهم يواجهون التحديات من طرف القوى السياسية غير الإسلامية من ناحية ، ومن القوى السياسية المتشددة أى السلفية. أظن ان جميع الأنظمة السياسية الجديدة في الشرق الأوسط ستكون غير موالية للولايات المتحدة وستحاول الحفاظ على حرية الحركة.

 س- كيف ترون آفاق التعايش بين إسرائيل وحماس في ضوء الاتفاق الذي تم التوصل إليه بمساعي واشنطن والقاهرة؟

خرجت حركة حماس من العزل وأظهرت نفسها كقوة مهمة في المنطقة ومن الآن لا يمكن تجاهلها. وسيكون التعايش بين إسرائيل وحماس صعبا جدا. وترى حماس انها الفائزة في الأزمة الأخيرة. ووقعت إسرائيل في الوضع المعقد ولا تستطيع ان تتصرف كما تصرفت سابقا في السنوات الماضية. نحن نعرف إذا استخدمت إسرائيل قوة كانت تثابر الى النهاية. هذا الأمر مستحيل اليوم. وظهر ان النصر العسكري الاسرائيلي غيرالمطلق هو نصر سياسي لأعدائها. لقد توفيت عملية السلام في الشرق الاوسط ولا توجد الرباعية بالفعل. ولم يتذكر أحد اثناء الأزمة الأخيرة من هو توني بلير الذي يعد ممثلا خاصا للرباعية. واعتقد ان كل شيء سيتغير. ويدور الحديث ليس عن العلاقات بين إسرائيل وحماس، بل كيف ستعيش إسرائيل في محيط عدائي أسوأ بكثبر مما كان عليه سابقا.

س- من المستفيد من الرباعية لأزمة الفلسطينية - الإسرائيلية الأخيرة - حماس، عباس، نتانياهو، مصر أو أي طرف آخر؟ 

 ج -لقد خسر عباس نهائيا، ولا يتذكره أحد بالرغم من انه يعتبر زعيما رسميا لفلسطين. ولا شك في ان حماس قد انتصرت تماما في المواجهة الداخلية الفلسطينية. ولا شك ان الرئيس المصري مرسي انتصر أيضا وأظهر نفسه كسياسي حقيقي وأبرزت مصر نفسها وسيطة إقليمية. فيما يخص نيتانياهو، فهو أظهر قوته ولكن المجتمع الإسرائيلي منشق في تقييم أعمال رئيس الوزراء. ويرى البعض انه تنازل أمام الضغط الأمريكي.  وفي نفس الوقت يؤيده الجزء الآخر من المجتمع الإسرائيلي. ولا يعني ذلك فوز كامل لنيتانياهو. وربما ستكون القوى الاسرائيلية اليمنية الأكثر تطرفا كوزير الخارجية أفيغدور ليبرمان وحزبه "إسرائيل بيتنا" فائزا رئيسيا في الانتخابات البرلمانية القادمة. وبالرغم من ان ليبرمان لا يتمتع بالفوذ في الغرب،  يستطيع ان يصبح زعيما جديدا لإسرائيل لانه "صقر حقيقي" ولا يتنازل للعرب أبدا.

 س - هل ترون إمكانية عبور التناقضات بين فتح وحماس وتوحيد الصف الفلسطيني من أجل إقامة الدولة المستقلة؟  

بالعكس، ينتظر للأسف تشديد الكفاح الداخلي بين الفلسطينيين. ولن توافق حماس على أي حلول وسط. وتعول على أنها ستملي الشروط ولن يوافق عباس وفتح على ذلك. والسؤال هو هل يقدر عباس ان يقاوم حماس؟ وللأسف، أظن ان موديل بناء الدولة الفلسطينية المبنية على قرارات القرن الماضي  في التسعينيات، والتي تعتبر فاعلة، قد فقدت فعاليتها منذ زمن بعيد. وسوف يحدد مستقبل الدولة الفلسطينية من جديد. أين   ستكون، وما هي حدودها وطبيعتها، كل هذه الأمور غير الواضحة. واعيد الى الأذهان الوضع في الأردن. واظن ان الأزمة الأردنية القادمة قد تكون مرتبطة تماما بالقضية الفلسطينية، إضافة الى صراع الدول العربية من أجل بسط النفوذ على الفلسطينيين. وكانت حماس قوة موالية لسورية لفترة ما. اما الآن فقد إبتعدت حماس عن الأسد. والمهم  جدا من سيكون راعيا جديدا لحماس، مصر، قطر، أو أي طرف آخر.