محلل اقتصادي: الاقتصاد الليبي اسوأ مما كان عليه ابان عهد القذافي

مال وأعمال

انسخ الرابطhttps://arabic.rt.com/prg/telecast/657738/

ضيف هذه الحلقة من برنامج "حديث اليوم" هو الخبير والمحلل الاقتصادي سعيد غفوروف

كيف تقيمون الوضع الاقتصادي في تونس خصوصا مع مغادرة الاستثمارات الاجنبية بسبب الاضطرابات والاعتصامات؟

بالتأكيد وضع تونس الاقتصادي متأزم، وهذه حالة طبيعية إطارُها الأزمة الاقتصادية العالمية. ومن جهة أخرى سياسة عدم ليبرالية الاقتصاد التي كانت قائمة إبان حكم بن علي. نحن نعلم أن تونس ليس بلدا غنيا، ويعتمد اقتصادُه على الصناعة الخفيفة والزراعة، والسوق الداخلية لا يمكنها أن تساهمَ في الخروج من الأزمة، لذلك فهو بحاجة إلى الاعتماد على التصدير، والبلدان المستوردة لمنتجاته تاتي بداية من بلدان الخليج وبعدها أوروبا. أما مستقبل الشراكة مع أوروبا فمرتبطٌ بالطريقة التي ستمضي عليها تونس فيما يخصُّ اتفاقياتِ التجارة الخارجية. على سبيل المثال زيت الزيتون التونسي والخضار تحت أي بند ستباعُ في أسواق الاتحاد الأوروبي بالمقارنة مع ظروف بيع زيت الزيتون الإيطالي واليوناني والإسباني. وهذه من جهة تتوقف على طريقة المباحثات التي على الحكومة الجديدة خوضها، ومن جهة أخرى موافقة الاتحاد الأوروبي. وهذا الأمر سيكون صعبا، لأن البلدان الأوروبية التي تعاني من الأزمة لديها منتجاتٌ تنافس التونسية. هناك أيضا قطاع السياحة الذي تأثر جدا بعد الثورة، ونحن نعلم أن مدخول الضرائب من هذا القطاع أقل من القطاعات الاقتصادية الأخرى. وإذا تحسن هذا القطاع فسيؤدي إلى تحسين دخل الدولة ولكن ليس إلى استقرار الميزانية. لأن الديون التي خلفها بن علي يجب أن تسدد من الميزانية وليس من الاقتصاد الوطني.

وماذا عن حجم الديون في تونس... هناك ايضا توجه لاتباع سياسة مشابهة بالاعتماد على الاقتراض؟

هنا من الصعب الحديث، لكنك على حق، لأن تلك المساعدات والديون من طرف دول مختلفة وعلى رأسها دول الخليج، ستؤثر حتما على السياسة والأهم أنها يمكن أن تتحكم في بعض القوى المرتبطة بالدعم المالي، وليس بالضرورة أن يتم ذلك علنا بل من وراء الكواليس. وفي الوقت نفسه فالاقتصاد العالمي واتفاقيات منظمة التجارة التابعة لهيئة الأمم المتحدة لا تسمح باستغلال الديون في سياسة الدول، ولكن يجب التأكيد على أن تقف هذه المنظمات إلى جانب الحكومة والشعب التونسيين. هناك محادثات تجرى بخصوص إلغاء الديون عن بعض الدول، والرئيس فلاديمير بوتين أعلن مؤخرا أن روسيا ستشطب عشرين مليار دولار، لكن هذا يخص دول جنوب الصحراء، ولما لا تونس في المستقبل؟.

ليبيا .. ما هي المشاكل التي يعاني منها الاقتصاد الليبي؟

من جهة المنطلق الاقتصادي الصحيح، ومن وجهة نظر المتابعة الدقيقة للتمويل، وعدم السماح بسيطرة الفساد والرشوة، فالوضع الاقتصادي في ليبيا أصبح أسوأ من الماضي في عهد النظام السابق. فآنذاك من خلال متابعتي وتجربتي الشخصية، كان الناس يخشون هيئات المراقبة المالية التي كانت تابعة لمؤسسات الدولة. الآن لا توجد مثل تلك الهيئات تقريبا. الاقتصاد الليبي يختلف تماما عن الاقتصاد التونسي، بسبب وجود النفط وغياب موارد أخرى. هناك انهيار في المؤسسة المالية، وهناك انهيار في نظام توزيع عائدات النفط على الأقاليم، وانهيار نظام المصاريف وتوزيعها على الفلاحين الصغار على سبيل المثال ومنتجي المشروبات مثلا، هناك انهيار في نظام الإقراض الذي كان في عهد القذافي. وهذا الأمر من ناحية موضوعية لكن من ناحية أخرى فهو يسمح بالاستغلال الخاطئ للموارد، أي أن أموال الشعب الليبي لا تصل إلى الهيئات التي يجب أن تستفيد منها، مثل تلك التي كان يطلق عليها اسم اللجان الشعبية. وهذه مشكلة كبيرة وأنا شخصيا أخشى من انهيار كل الاقتصاد النفطي الليبي، لأنه سيتم محو نظام التعويضات الذي أسسه نظام الجماهيرية والذي كان يتمثل في التمويل المباشر أو من خلال الإجراءات المتعلقة بتوزيع القروض. ويمكن للحكومة الحالية التركيز على استغلال عائدات النفط غير أنني أعتقد أنه سيكون قرارا خاطئا، لأن العالم المعاصر يتجه نحو تنويع الاقتصاد المحلي.

كيف يؤثر الوضع الحالي في ليبيا على الاستثمارات طويلة الأمد؟

الاستثمارات الطويلة الأمد مرتبطة بأنظمة إقراض قاسية، وكلما يحصل انقلاب عسكري يصطف أرباب المصارف في طابور لتقديم عروضهم. ولا شك في أن الوضع الراهن قريب من الفوضى، ما يؤدي إلى قلة توفير الضمانات للاستثمارات، نظرا لغياب هيئات قادرة على التحكيم في حال وقوع تناقضات في المصالح وعجز الطرف الليبي عن الوفاء بالتزاماته، ناهيك عن استمرار القتال، وفي هذه الظروف لن تتوجه برأيي الاستثمارات إلا نحو قطاع النفط والغاز، وهذا ما نراه اليوم، وهي بدورها تقوي تبعية الاقتصاد الليبي لقطاع النفط. اما القطاعات الأخرى فستفقد الاستثمارات الأجنبية التي كانت سابقا في فروع الاقتصاد المختلفة بما فيها الطاقة وصناعة مواد الاستهلاك اليومي وقطاع البناء وغيرها، وهذه مشكلة كبيرة بالنسبة للقيادة الليبية التي لم تتثبت بعد، ولم تستطع وضع برنامج اقتصادي مناسب. وهناك أمور تدل على قلة دراية السلطة الليبية الحالية بكيفية توزيع الموارد المالية الحكومية بشكل يلبي متطلبات الاقتصاد الليبي، فمثلا تدرس القيادة الليبية إمكانية شراء أنظمة الدفاع الجوي الفرنسية الصنع، وهنا يظهر السؤال ضد من تعتزم ليبيا استخدام هذه الأسلحة؟، ولماذا تهدر الحكومة هذه الأموال بدلا من توظيفها محليا؟. ولا أعتقد أنه كان من الممكن تمريرمثل هذه القرارات لو كانت في ليبيا مؤسسات مالية ديمقراطية حقيقية وشفافة.

هل نجح الاقتصاد المصري في تلبية مطالب الثورة في تحقيق العدالة الاجتماعية؟

رجعت من مصر ولاحظت بيروقراطية مميتة لم تكن في السابق. عندما خدمت في مصر في أواسط التسعينيات كتبت مقالة أشرت فيها إلى ان مصر ستكون معجزة اقتصادية جديدة، وكل الظروف والمقومات متوفرة لذلك، فهناك الشعب المتعلم واليد العاملة الرخيصة، وعائدات قناة السويس، والخامات النادرة مثل القطن المصري الفريد في العالم. ولكن للأسف لم تصبح مصر معجزة، لأن  السبب الرئيسي كان البيروقراطية، التي تنامت بأضعاف بعد الثورة، ما يثير تساؤلات حول طبيعة التطورات الاقتصادية الحالية في مصر. والأمر الأهم مرتبط بمستقبل تطور النظام المصرفي، الذي يجب أن يوفر سهولة منح القروض للمواطن المصري العادي، وذلك لتطوير المقاولات الصغيرة. هناك مشكلة كبيرة ألا وهي البطالة والتي بطبيعة الحال تولد مشاكل أخرى، فالإنسان الذي يستيقظ أولاده من الجوع ليلا يمكن ان يؤثر سلبيا على السياسة والاقتصاد. بالنسبة لمصر في الوضع الراهن أظهرت المؤسسات المصرفية الدولية ومنها بلدان الخليج أيضا، أظهرت رغبة لمساعدة هذا البلد، لكن انقسمت الآراء في مصر إلى قسمين، فهناك من يؤيد وهناك من يعارض عروض المملكة العربية السعودية وقطر.

الاقتصاد السوري.. هناك مؤشرات على تدهور كبير مارأيكم؟

نعلم الآن أن الشخص المكلف بالاقتصاد السوري هو من المعارضة وهو السيد قدري جميل، تحدثت إليه شخصيا، وقال إنه ربما هذه الأزمة السياسية التي تعيشها سورية ستؤثر إيجابيا على الاقتصاد، وستحقق الآمال التي علقتها الحكومة في السابق، فنحن نعلم ان الإصلاحات بدأت منذ عشر سنوات. لكن المشكلة الحقيقية التي تعاني منها سورية اليوم هو تأثير الأحداث على الاقتصاد، فالقطاع الزراعي تأثر بفعل المسلحين الذين يختبئون بعيدا عن المدن وبالتالي في الأراضي الزراعية  وهناك يدور القتال. طبعا ظهرت مشاكل مثل انقطاع التيار الكهربائي والماء، وهذان العاملان يمنحان الطاقة للقطاع الصناعي، هذا من جهة ، ومن جهة ثانية فهجمات المتمردين على البنية التحتية أسفرت عن انهيار النظام الإداري المعني بتوزيع الموارد المادية، مما أدى إلى انتقال الصلاحيات المركزية إلى البلديات واللجان الشعبية وغيرها من المؤسسات الديمقراطية التي تتولى المسؤولية عن الشؤون الاقتصادية المحلية.

كيف تجد مستقبل الاقتصاد السوري؟

في نظري يجب طرح السؤال بهذا الشكل: هل ستتمكن سورية من الاستمرار في الصمود هذه السنة؟ هذه السنة ستكون قاسية جدا بالنسبة لسورية، نعم تمت هناك إصلاحات، ومن جهة أخرى بدأ القتال الذي هدم جزءا مهما من الاقتصاد، سيكون هناك عام أو عامان للانتقال من مرحلة إلى أخرى، ويجب في هذه المرحلة وقف القتال لكي لا يمس ما تبقى من الاقتصاد، كما أن سورية حصلت على مساعدات من روسيا لأنها في حالة طوارئ، ، كما أنها حصلت على قروض من إيران والصين، وأعتقد أنها ستستُخدم للنهوض بالاقتصاد. هناك العقوبات الاقتصادية، والغريب في الأمر ان هذه العقوبات تمس المسافرين العاديين، حيث منعت أروبا تزويد سورية بقطع غيار إير باس، والتي تستخدم كطائرات للركاب، وليس لأغراض عسكرية، إنهم لا يدركون خطورة هذا القرار على الركاب. ومن هنا يتبين أن أوروبا نفسها تقتل السوق السورية. لكني متفائل من المستقبل وخصوصا إذا ما توصلت المعارضة والحكومة إلى اتفاق بعد الحوار، وسارت سورية على درب الإصلاحات وتمكنت من تجاوز هذه الأزمة من خلال البرنامج الذي أعده قدري جميل.