بوتين : علاقات روسيا مع العالم العربي طيبة ولن نزج انفسنا في النزاعات بين الشيعة والسنة

أخبار روسيا

انسخ الرابطhttps://arabic.rt.com/prg/telecast/657615/

كرس الرئيس الروسي فلاديمير بوتين  جزءا كبيرا من حديثه مع قناة " روسيا اليوم" الى الوضع في سورية وفي الشرق الاوسط عموما. ويأتي هذا الحديث بمناسبة افتتاح قمة منتدى التعاون الاقتصادي لبلدان آسيا والمحيط الهادئ في فلاديفستوك ، الذي تستضيفه روسيا لأول مرة. وتم التطرق في الحديث الى القضايا الاساسية لسياسة روسيا الخارجية والداخلية . ويتضمن ذلك الى جانب "الثورات العربية" العلاقات مع الولايات المتحدة والصين والأزمة الاقتصادية وفعالية هيئة الامم المتحدة والاصلاحات في روسيا والمحاكمات المثيرة للأهتمام.

كرس الرئيس الروسي فلاديمير بوتين  جزءا كبيرا من حديثه مع قناة "روسيا اليوم" الى الوضع في سورية وفي الشرق الاوسط عموما. ويأتي هذا الحديث بمناسبة افتتاح قمة منتدى التعاون الاقتصادي لبلدان آسيا والمحيط الهادئ (ابيك) في فلاديفستوك ، الذي تستضيفه روسيا لأول مرة. وتم التطرق في الحديث الى القضايا الاساسية لسياسة روسيا الخارجية والداخلية . ويتضمن ذلك الى جانب "الثورات العربية" العلاقات مع الولايات المتحدة والصين والأزمة الاقتصادية وفعالية هيئة الامم المتحدة والاصلاحات في روسيا والمحاكمات المثيرة للأهتمام.

مراسل " روسيا اليوم" : مرحبا بكم . يسعدنا ابلاغكم بأننا سنجري اليوم حديثا مع فلاديمير بوتين رئيس روسيا الاتحادية . ان هذا شرف كبير لنا لأن الزعيم الروسي قرر ان يدلي بأول حديث له بعد توليه منصب الرئاسة الى قناتنا بالذات. نشكركم على منحنا جزءا من وقتكم .

يتعلق أول سؤال لي بقمة منتدى التعاون الاقتصادي لبلدان آسيا والمحيط الهادئ . انكم ستتوجهون قريبا الى فلاديفستوك. انها المرة الأولى التي تتولى روسيا فيها مهمة تنظيم هذا اللقاء الهام. وكما هي الحال دائما يطرح السؤال: ماهي النتائج العملية للقاءات مثل منتدى التعاون الاقتاصدي لبلدان منطقة آسيا والمحيط الهادي  ومجموعة " الثماني الكبار" ومجموعة " العشرين الكبار"؟

من جانب  ان "ابيك" منظمة اقتصادية في القسم الأكبر، لكن يوجد فيها حضور للسياسة لحد كبير. ولا يستطيع المشاركون الرئيسيون ، وأنتم أحدهم ، وكذلك الولايات المتحدة ، الاتفاق حول العديد من القضايا الهامة جدا . وأقصد بذلك النزاع في سورية ومنظومة الدرع الصاروخية والقضية الايرانية. ألا يوجد خطر ان تطغي السياسة على الاقتصاد، وان تعطل تنفيذ الصفقات الاقتصادية الكبرى التي يأمل هؤلاء المشاركون في عقدها أو مناقشتها في اثناء انعقاد القمة؟

بوتين: هذا صحيح. لكن القضية (وانتم تحدثتم عن ذلك) تكمن في أن منتدى التعاون الاقتصادي لبلدان آسيا و المحيط الهادئ تأسس منذ البداية ليكون منتدىً لمناقشة القضايا الاقتصادية. ونحن بصفتنا دولة مستضيفة ننوي ايضا أن نركز اهتمامنا على القضايا ذات الطابع الاقتصادي والاجتماعي.

ومنذ البداية، عندما تشكل هذا المنتدى كان الهدف الاساسي هو جعل الاقتصاد العالمي ليبراليا. و نحن ننوي ان نجعل هذا الموضوع محوريا خلال المناقشات في فلاديفوستوك.

عندما قمت بدعوة زملائي إلى الاجتماع في روسيا بالذات، (وهذا جرى قبل خمس سنوات)، انطلقت من أن توجُّهَ نشاطنا هذا مهم جدا لروسيا، مع الاخذ بعين الاعتبار أن ثلثي مساحة روسيا تقع في آسيا، وأن الحصة الكبرى للتبادل التجاري، وهي اكثر من 50%، تجري مع اوروبا الغربية، و24% فقط من التبادل التجاري يتم مع آسيا.وفي نفس الوقت هذه المنطقة تتطور بشكل سريع و مكثف.نحن واياكم نعرف ذلك جيدا وهذا واضح للجميع.لذلك نحن ننوي التركيز بالدرجة الاولى على القضايا الاقتصادية، و كما قلت على تحويل الاقتصاد العالمي الى اقتصاد على اسس ليبيرالية في مجالات النقل والامن الغذائي العالمي.ومن المعروف أن عدد الجياع في العالم ازداد في السنة الاخيرة وبشكل حاد، ليضاف اليهم 200 مليون انسان. وهذا يعني انه اصبح عددهم مليار شخص يعانون من مشاكل في تأمين الغذاء.. الناس يتضورون جوعا.اعتقد ان هذه المشاكل وعددا من المشاكل الاخرى تعتبر مهمة جدا وحساسة بالنسبة للملايين من سكان كوكبنا، وستكون في صُلب اهتمامنا.

وفيما يخص سورية والنقاط الاخرى الساخنة والقضايا المعروفة بشكل او بآخر، فإنه من الطبيعي ان تطرح ضمن النقاش و خلال اللقاءات الثنائية.  ولا مناص من ذلك.

ربما يجب مع هذا النوصل الى نتيجة تطبيقية؟ وربما يجري في لقاءات القمة مثل "ابيك" نضييع الكثير من الوقت في احاديث عقيمة؟

انتم تعلمون انه منذ فترة قريبة جدا كنت قد شاركت في اجتماعات "قمة العشرين" بالمكسيك.وكما جرت العادة في مثل هذه الفعاليات، يقوم بتحضيرها مساعدونا ووزراؤنا وخبراؤنا  الكبارالمختصون، و لكن مع ذلك فإن عددا من القضايا يبقى بشكل او بآخر في مركز اهتمام رؤساء اللجان و قادة الدول المشاركة.وهذا بالمناسبة ما حصل في المكسيك. انا تابعت باهتمام تصادم الآراء، وشاركت ايضا في النقاش، واعتقد أن الجدالات هنا(في فلاديفستوك) لن تكون اقل من تلك.ولكن فقط بواسطة العمل الدؤوب، إن لم يكن يوميا ففصليا وسنويا، ان سمحت لي باستخدام اللغة البيروقراطية، سنصل في عملنا بنهاية المطاف إلى الهدف المرسوم في مثل هذه الامور الحساسة، على سبيل المثال تحرير التجارة، فهي تطال ملايين وملايين الناس.

انتم تعرفون مدى الجدل الذي يدور على ساحة منظمة التجارة العالمية. ومن المهم لنا أن قمة "ابيك"تعقد بعد أن أصبحت روسيا عضوا كامل الحقوق في المنظمة. نحن شكلنا في فضاء الاتحاد السوفيتي السابق اتحادا جمركيا ومجموعة اقتصادية موحدة بالاشتراك مع بيلاروس وكازاخستان .بالنسبة لنا الحوار امر مهم جدا لكي نعرف شركاءنا ونشرح لهم ونريهم افضلية هذا الاتحاد في فضاء الاتحاد السوفيتي السابق، و الذي يمكن ان يساعدنا في التعاون.لاسيما إن هذين الاتحادين، اللذين تحدثت عنهما، مبنيان على مبادئ منظمة التجارة العالمية.

شكرا على الايضاحات. سنعود اذا أمكن لاحقا الى "ابيك". انتم تطرقتم الى مسألة هامة جدا تحتل مكانة الصدارة في وسائل الاعلام الآن – انها الاحداث الفظيعة الجارية في سورية خلال عام ونصف العام الاخير. وخلال هذه الفترة لم تتعير مواقف روسيا. انتم عارضتم التدخل الاجنبي ودعوتم الى ان يقرر الشعب السوري مستقبله بنفسه عن طريق المفاوضات. ان هذه الفكرة رائعة بحد ذاتها لكن يسقط الناس صرعى من الجانبين يوميا. ألم يحن الوقت للآنتقال من الاقوال الى الافعال. ربما يجب على روسيا ان تعيد النظر في موقفها؟

ولماذا يجب على روسيا فقط ان تعيد النظر في موقفها؟ربما يجب على شركائنا في عملية المحادثات ان يعيدوا النظر في موقفهم؟وأنا اتذكر ما كان يحصل في السنوات الاخيرة، اريد ان اعيدكم الى احداث السنوات الاخيرة فليست كل المبادرات التي اتخذها شركاؤنا انتهت كما كانوا يرغبون.

وهناك على سبيل المثال دول كثيرة تتفاقم فيها الازمات.الولايات المتحدة (وفيما بعد حلفاؤها) تدخلوا في افغانستان. ولكن الآن الجميع يفكر في كيفية الخروج من هناك.واذا ما كنا نتحدث عن شيء ما، فاننا نتحدث عن تقديم المساعدة لهم للخروج ونقل المعدات والجنود عبر روسيا من افغانستان.

وهل انت متأكد ان الوضع سوف يستقر خلال العقود المقبلة؟ حتى هذه اللحظة ليس هناك أحد متأكد من ذلك.

وماذا  يحدث في الدول العربية؟ نعم ، لقد جرت الأحداث المعروفة في مصر و ليبيا وتونس وفي اليمن.. فهل حل هناك النظام والطمأنينة الكاملة.وفي العراق ماذا يحصل؟

في ليبيا حتى هذه اللحظة و بشكل عام يدور صراع مسلح بين قبائل مختلفة. و انا لا اريد ان اتكلم الان عن طريقة نقل السلطة. فهذا موضوع آخر. و لكن ما الذي يقلقنا؟ اريد ان اكرر ذلك مرة اخرى .ان الذي يقلقنا طبعا العنف، الذي يدور الان في سورية، ولكن ليس اقل من ذلك يقلقنا طبعا ما يمكن ان يحصل بعد اتخاذ القرارات اللازمة .

وحسب رأينا الامر الاهم اليوم هو وقف العنف، وإجبار كل اطراف النزاع، بما فيها الطرف الحكومي وما يسمى بالمنتفضين والمعارضة المسلحة، على الجلوس الى طاولة المفاوضات وتحديد أطر المستقبل، الذي سيكفل الامن لكل الاطراف المشاركة في العملية السياسية الداخلية. و فقط بعد ذلك يمكن الانتقال الى خطوات عملية بخصوص النظام الداخلي للدولة. نحن نفهم جيدا ضرورة التغيير، ولكن هذا لا يعني ان التغيير يجب ان يكون دمويا.

حسنا ، أخذا بنظر الاعتبار الوضع الراهن في سورية ، المعروف لديكم ، ماهي الخطوة المقبلة؟ ماهي تنبؤاتكم الواقعية بشأن تطور الاحداث؟

نحن اقترحنا في جنيف على شركائنا في عملية المحادثات عقد اجتماع.وفعلا حضر  الجميع الاجتماع و رسموا خارطة طريق لكيفية العمل من اجل ان يعم الاستقرار و الهدوء في سورية وان تنتقل البلاد الى مرحلة التطور والبناء.وعمليا الجميع إتفق معنا.. وكنا قد اطلعنا الحكومة السورية على نتائج هذا الاجتماع. ولكن الثوار لم يرغبوا بعد ذلك بالاعتراف بهذه القرارات ..وتراجع عدد كبير من شركائنا بعملية المحادثات بالتدريج عن مواقفهم.

باعتقادي ان اول ما يمكن عمله هو ايقاف مد منطقة النزاع بالسلاح ، ولكن هذا مستمر. وأكرر مرة أخرى يجب عدم اتخاذ قرارات تفرض على طرف واحد وتكون غير مقبولة بالنسبة لتطور الاحداث .هذا ما يجب عمله و ليس هناك ما هو أمر صعب جدا. و نحن لدينا علاقات طيبة والحمد لله مع العالم العربي بشكل عام ولكن ليس لدينا رغبة في التدخل بالنزاعات الاسلامية الداخلية ولا التدخل في الخلافات  بين السنة والشيعة والعلويين وغير ذلك .نحن نتعامل باحترام مع الجميع ولدينا علاقات طيبة مع المملكة العربية السعودية وكانت علاقاتي دائما طيبة مع خادم الحرمين الشريفين و البلدان الاخرى. ولكن موقفنا يعبر عن رغبة واحدة وهي خلق وضع ملائم لتطوير الاوضاع بالاتجاه الايجابي الى سنوات عديدة في المستقبل.

 ما قولكم بشأن هيئة الامم المتحدة ، وبالاخص رد فعل هيئة الامم المتحدة حيال الوضع في سورية ؟ الكثيرون يوجهون النقد اليها لأنها لم تتمكن من ضمان العمل في جبهة موحدة ، وبهذا تحولت الى منظمة شكلية. هل توافقون على وجهة النظر هذه ؟

أنا اعتقد العكس تماما ، ورأيي يعاكس تماما ما قلتموه. فاذا كانت هيئة الامم المتحدة و مجلس الامن الدولي قد تحولتا الى دائرة لاصدار القرارات لصالح جهة واحدة ...هذا بالفعل يعني انتهاء وجودها كما حصل مع عصبة الامم.ولكن مجلس الامن- والامم المتحدة بشكل عام هي منظمة لايجاد الحلول الوسط وهذه عملية صعبة ولكن فقط من نتائج هذه العملية الصعبة يمكن ان ننتظر النجاح.

 مفهوم . ثمة سؤال آخر ايها السيد الرئيس . تقدم بعض الدول الغربية والعربية طوال الوقت الدعم الى الجيش السوري الحر سرا ، والآن بدأ بعضها يفعل ذلك علنا.لكن المسألة  هنا تكمن في وجود شبهات في ان مقاتلي " القاعدة " يحاربون في صفوف الجيش السوري الحر ، وينقلب الأمر الى ان البلدان التي عانت نفسها من أهوال الارهاب تدعم في الواقع الارهاب في سورية. هل توافقون على هذا الرأي ؟

 يحدث دائما عندما يريد أحد الوصول إلى نتيجة يعتبرها مثلى ، فإنه لا يتواني كقاعدة عن استخدام أى وسائل. إنهم يحاولون استخدام كافة الإمكانيات للوصول إلى النتيجة المنشودة. ولا يفكرون فى العواقب. وهذا ما حدث بعد دخول القوات السوفيتية إلى أفغانستان عندما كان شركاؤنا الحاليون يدعمون حركة الثوار هناك وعمليا أسسوا "القاعدة" التي وجهت فيما بعد الضربة إلى الولايات المتحدة نفسها.

واليوم هناك من يريد إستخدام مقاتلي "القاعدة" أوالمنظمات المتطرفة الاخرى لتحقيق أهدافه في سورية. هذه سياسة خطرة جدا وليست بعيدة النظر. وفي هذا الحال من الضروري الآن فتح أبواب غوانتانامو وارسال كل معتقليها إلى سورية ليقاتلوا. وهذا يعتبر الشيء نفسه عمليا. ولكن لا يجوز نسيان أن هؤلاء المواطنين سيوجِّهون ضربة إلى محسنيهم. ويجب ألا ينسى هؤلاء المواطنون أنه سيتم بناء سجن لهم مثل السجن الذي أسس في اطراف كوبا. وأود التأكيد مرة أخرى أن هذه السياسة ليست بعيدة النظر وتسفر كالعادة عن عواقب وخيمة.

 دعنا الآن ننظر الى المسألة بشكل أوسع ، ليس في موضوع سورية فقط، الذي اشرت اليه. في سورية تدور رحى الحرب الاهلية ، والاضطرابات لا تخمد في البحرين وفي المملكة العربية السعودية. حقا ان الاوضاع في مصر وليبيا وتونس أكثر هدوءا كما ذكرتم لتوه. لكن دعنا نعطي تقييم التقلبات وتلك الفوضى التي لاحظناها في الشرق الاوسط – هل سيجلب ذلك الخير أم الشر ؟ والى أين يقود هذا المنطقة كلها؟

يمكن مناقشة هذا الموضوع حتى الصباح. وربما لن يكفينا الوقت. ومن الواضح تماما بالنسبة لي أن هذه الأحداث كان قد رسمها تاريخ تطور هذه الدول. ومن الواضح أن قادة هذه الدول قد تغافلوا عن ضرورة التغييرات ولم يشعروا بتلك الإتجاهات التي نشأت في دولهم وفي العالم ولم يقوموا بإجراء الإصلاحات الضرورية في الوقت المناسب. وهذا قبل كل شيء هو نتيجة لهذه الأمور. ومن الصعب القول لحد الأن إذا كان هذا الأمر مجديا أم سيؤدي إلى مشاكل كبيرة.

 لقد جرت هذه الأحداث بصورة غير حضارية وبعنف شديد ولم تؤد لحد الآن إلى إيجاد بنى سياسية ثابتة قادرة على حل المشاكل الإقتصادية والسياسية في هذه الدول. وتبعث كل هذه الأمور على مخاوف كبيرة وقلق كبير بتطور الأحداث مستقبلا. وذلك بسبب أن مواطني هذه الدول الذين تعبوا من الأنظمة السابقة يتوقعون من الحكومات الجديدة حلا فعالا لمشاكلهم الإجتماعية والإقتصادية. ولكن بدون ألإستقرار السياسي يستحيل حل هذه المشاكل.

دعنا ننتقل الى الولايات المتحدة ، والى الانتخابات الرئاسية القادمة ، التي ننتظرها جميعا بقلق. لا ريب في ان باراك اوباما قد ضغط بقوة على زر اعادة تشغيل العلاقات مع روسيا وشهدت الاعوام الاربعة الماضية فترات مد وجزر، لكن تبقى كالسابق مشكلة الدرع الصاروخية  في اوروبا الشرقية التي تولد القلق لدى روسيا. واذا ما أعيد انتخاب اوباما هل سيتحدد فصل جديد في تأريخ العلاقات الروسية – الامريكي، وهل سيكون هذا الفصل مقبولا لديكم؟

 أظن أن الرئيس أوباما والرئيس ميدفيديف قد ساهما كثيرا في تعزيز العلاقات الأمريكية-الروسية في السنوات الأربع الأخيرة... لقد تم توقيع إتفاقية ستارت الجديدة. وبدعم من الولايات المتحدة أصبحت روسيا عضوا كامل الحقوق في منظمة التجارة العالمية. كما كانت إيجابيات أخرى في علاقاتنا الثنائية بما فيها تعزيز تعاوننا في مكافحة الإرهاب ومكافحة الجريمة المنظمة وردع إنتشار أسلحة الدمار الشامل. إذاّ توفرت إيجابيات كثيرة. ولكن القضية التي ذكرتََّها أي قضية الدرع الصاروخية الأمريكية تعتبر بطبيعة الحال إحدى القضايا المحورية لأنها تمس المصالح الحيوية لروسيا الفيدرالية. ومن الواضح للجميع أن حل هذه القضية من جانب واحد لن يساهم في تعزيز الإستقرار الدولي. وهذا بحد ذاته يؤدي إلى زعزعة التوازن الإستراتيجي. ولكن هذا أمر خطير جدا لأن أي طرف آخر سيسعى إلى تأمين قدرته الدفاعية. وقد يسفر هذا الأمر عن بدء سباق التسلح. هل يمكن حل هذه القضية في حال إنتخاب الرئيس أوباما رئيسا للولايات المتحدة لولاية ثانية؟ من حيث المبدأ - نعم. ولكن الأمر لا يتعلق بشخصية الرئيس أوباما فقط. أعتقد أنه يريد حل هذه القضية حقا.

قبل فترة قصيرة كان لدينا لقاء على هامش قمة "العشرين" في لوس كابوس بالمكسيك. وكانت لدينا فرصة للحديث. يبدو لي أنه شخص صريح ويريد حقا إجراء تغييرات كثيرة نحو الأفضل. ولكن هل سيتمكن من تحقيق ذلك؟ هل سيسمحون له؟ هناك اللوبي العسكري وهناك وزارة الخارجية وجهازها المحافظ الذي لا يختلف إلا قليلا عن جهاز وزارتنا للخارجية. وتكونت هناك فئات مهنية مختصة خلال عقود السنين. ومن أجل حل قضية الدرع الصاروخية يجب الإتفاق والقبول بأننا شركاء وحلفاء مخلصون... ما معنى حل قضية الدرع الصاروخية؟ هذا يعني حل القضايا المتعلقة بالتهديدات الصاروخية بجهود مشتركة والإتفاق على أن قيادات المنظومة ستكون في متناول كلا الطرفين بدرجة متساوية. وهذا مسألة حساسة جدا في مجال الدفاع. ولست أعلم إذا كان شركاؤنا مستعدين للتعاون من هذا القبيل.

 ربما يجب ان تقوم روسيا بخطوات ما بإتجاه الحل الأمثل بالنسبة الى الجانبين ، والحل الوسط؟

 لقد عملنا كل شيء. و إقترحنا القيام بهذه الخطوة. أما شركاؤنا فهم يرفضون لحد الآن. وماذا نستطيع أن نفعل أيضا؟ نستطيع مواصلة الحوار. وسنقوم بذلك. ولكن بقدرما قام أصدقاؤنا الامريكيون بتطوير منظومتهم للدرع الصاروخية بقدرما نفكر في الدفاع عن أنفسنا والحفاظ على التوازن الإستراتيجي.

بالمناسبة ان الشركاء الأوروبيين للولايات المتحدة وشركاءنا الأوروبيين نحن أيضا ليست لديهم علاقة بذلك إطلاقا. وأعتقد أن هذا الأمر واضح لك بصفتك إوروبيا. هذه منظومة أمريكية بحتة للدرع الصاروخية. وهي إستراتيجية أيضا ونصبت علي أطراف أوروبا. وليس تعريف التهديدات وقيادة المنظومة تحت سيطرة ألأوروبيين شأنهم شأن روسيا. ولكننا كنا قد إقترحنا القيام بذلك بجهود الأطراف الثلاثة على الأقل. ولكن شركاءنا لا يوافقون على ذلك لحد الآن.

 بتعبير آخر يمكن اعتبار انكم تستطيعون العمل مع باراك اوباما اذا ما أعيد انتخابه. واذا ما انتخب ميت رومني؟ في حوزتي مجموعة من أقواله خلال شهر او شهرين الاخيرين. ان الرجل الذي يمكن ان يشغل البيت الابيض  يقول :" ان روسيا عدونا الجيوسياسي الاول قطعا ، والذي  يذود دوما عما هو أسوأ في العالم". ثم يقول :" ان روسيا تسلك سلوكا غير ودي على الصعيد العالمي". هل يمكنكم العمل مع مثل هذا الرجل.

نعم. نحن سنعمل مع من سينتخبه الشعب الأمريكي . وتتوقف فعالية العمل على شركائنا. أما موقف السيد رومني فنحن نفهم أنه متعلق جزئيا بالحملة الإنتخابية. هذه شعارات إنتخابية. وأعتقد إنها خاطئة بلا شك. لأن هذا السلوك على الساحة الدولية يشبه إستخدام سياسة التعصب القومي والتفرقة العنصرية داخل بلده. وعلى الساحة الدولية نفس الأمر يتلخص في أن شخصية سياسية أو شخص يريد أن يكون رئيسا للدولة وخصوصا الدولة العظمى مثل الولايات المتحدة يعلن أحدا ما عدوا له سلفا .  هذا يذكٌرنا بفكرة أخرى.على سبيل المثال نتحدث عن منظومة الردع الصاروخية. ويقول لنا شركاؤنا الأمريكيون: هذا ليس ضدكم. وماذا يحدث إذا أصبح السيد رومني رئيسا للولايات المتحدة وهو يعتبرنا عدوا رقم 1؟ وهذا يعني أن المنظومة ستكون ضدنا حقا لأنها مصممة تكنولوجيا بهذا الشكل بالذات.

 واذا ما أخذنا بعين الإعتبار أن الدرع الصاروخية ستخدم ليس لسنة واحدة وليس لعقد واحد. وفرصة وصول الشخص الذي آراؤه تشبه آراء السيد رومني إلى السلطة في الولايات المتحدة كبيرة جدا. وكيف يجب أن نتصرف لضمان أمننا؟

اريد الحديث أيضا عن كيف تجري الأمور بصدد قضية ماغنيتسكي. وتعد الولايات المتحدة وبريطانيا في الفترة الاخيرة كشفا بأسماء موظفين  روس يشتبه بأن لهم علاقة بموت ماغنيتسكي. أود تذكير  مشاهدينا بأن هذا المستشار المالي الكبير توفي في سجن روسي . ويعتقدون في الخارج كالسابق وكذلك هنا في روسيا ان التحقيق معه لم يكن موضوعيا ، وتجب معاقبة المذنبين كما يجب في وفاته. من أين صدر هذا الرأي؟

 مجرد أن هناك أناسا يريدون ذلك . انهم يحتاجون إلى عدو  ، ويجب عليهم ان يصارعوا أحدا ما... هل تعلمون أن أعدادا كبيرة جدا من الناس يموتون في سجون الدول التي توجّه اتهامات ضد روسيا؟ الولايات المتحدة مثلا التي أعدت /كشف ماغنيتسكي/. هل تعلم أن روسيا لا تطبق أحكام الإعدام؟ أنت تعلم ذلك .أما الولايات المتحدة فتطبقها، بما في ذلك في حق النساء. وهل يعلم المجتمع المتمدن أن تطبيق أحكام الإعدام ترافقه أخطاء قضائية، حتى في حال كان الإنسان قد اعترف بذنبه لكنه اتضح فيما بعد أنه لم يرتكب الجريمة. ناهيك عن أن من حق الرب وحده أخذ حياة نفس بشرية. لكن هذا موضوع لنقاش فلسفي كبير.. لعله كان في استطاعتنا أن نعلن أكثر من قائمة من هذا القبيل لنخص بها الذين يطبقون حكم الإعدام في بلدان أخرى، إلا أننا لا نفعل ذلك. أما ما يتعلق ب/ماغنيتسكي/ فبالطبع هي مأساة كبيرة أن يموت الإنسان في السجن. وبالطبع يحتاج هذا الحادث إلى تحقيقات مكثفة. وإذا وجد مذنب فلا بد من محاسبته. لكن ما أريد الإشارة إليه أنه ليس لهذه القضية أية خلفية سياسية بالمرة. إذا كانت هناك مأساة فهي ذات طابع قضائي وإجرائي بحت، وليس وراءها شيء آخر. لكن ثمة من يريد إفساد العلاقات مع روسيا. وثمة من أعلن إغلاق أراضي دولهم امام بعض موظفينا بمزاعم أنهم متورطون في وفاة السيد /ماغنيتسكي/ التي تؤسفني جدا والتي أعزي عائلة الراحل بها. لكن ماذا يجب على روسيا أن تفعله في مثل هذه الحالات؟ لا يبقى أمامها سوى أن تتخذ خطوات مناسبة بأن تنشر قائمة باسماء موظفي الطرف الذي اتخذ هذه الإجراءات إزاء روسيا. وهي خطوة لا بد منها.

اذن لن يعاد النظر في هذه القضيبة في روسيا؟

أية قضية؟ وفي أي شيء علينا أن نعيد النظر؟ هل يجب علينا تحديد هل هذا الشخص أو ذاك مذنب في وفاة هذا الشخص. وإذا كان هناك مذنب ما وتقع عليه مسؤولية ما يجب معاقبته. هذا هو الأمر. ولا توجد هنا أية خلفية سياسية وأنا أريد أن أشير إلى ذلك. يتطلب هذا الأمر مجرد اجراء تحقيق مهني. بالطبع تنوي السلطات الروسية القيام بذلك. والنيابة العامة تتخذ الاجراءات اللازمة بهذا الصدد .

يعتقد كثيرون في روسيا وخارجها بأنه بدأ منذ عودتكم الى منصب الرئاسة تشديد التعامل مع المعارضة. فصدر قانون أكثر تشددا بشأن التلفيق حيث ازداد مبلغ الغرامة على نشر الانباء الكاذبة ، وصدر قانون حول الرقابة في الانترنت من اجل حماية الاطفال. وتم كل هذا بدعمكم.كيف برأيكم  يتم اجاد توازن بين المعارضة السليمة وحفظ النظام. ما هو رأيكم ؟

 أريد أن أستفسر أليس هناك في بلدان أخرى قوانين تمنع نشر صور فاضحة للأطفال بما فيها في الانترنت؟

 طبعا توجد.

 توجد؟ وعندنا لم تكن موجودة لحد الآن. إذا بدأنا بحماية مجتمعنا وأطفالنا من هذه التجاوزات..

ربما جرى اختيار اللحظة بهذه الصورة ؟ اي بالذات لدى توليكم منصب الرئاسة مجددا، وبدا ذلك  وكأنه خطوة متشددة من جانبكم...

تعرفون أنا أحاول ألا أفكر بذلك، أنا أحاول أن أفعل ما أعتبره صحيحا وضروريا لبلدنا ومواطنينا وشعبنا. وسأقوم بذلك في المستقبل. بالطبع أنا أتطلع إلى ما يحدث هنا وهناك وإلى ردود الأفعال الدولية. لكن لا يمكن اعتبار ردود الأفعال هذه دافعا أساسيا لتصرفاتي. إن مصالح الشعب الروسي  تبقى دافعا أساسيا لتصرفاتي فقط. وأطفالنا بحاجة إلى مثل هذه الحماية. لا يوجد هناك أحد يسعى إلى استخدام ذلك بمثابة أداة في مكافحة الانترنت ووضع حد للحرية في الانترنت ولكن من حقنا حماية أطفالنا.

عند الحديث حول تشديد الإجراءات عموما ،لا بد من تفهم حول أي شيء يدور الحديث. ما هو تشديد الإجراءات. إذا قصدنا بذلك مطالبة الجميع بمن فيهم ممثلي المعارضة بتنفيذ القانون ، فان هذا المطلب سينفذ بدائب.

قل لي ألم نكن شهود العيان لمشاغبات جماعية في شوارع بريطانيا منذ سنة ونصف السنة أو سنتين وتضرر كثير من الناس نتيجة لها كما وقعت أضرار مادية كبيرة. هل من الأفضل إيصال الأمور إلى هذا الوضع ثم البحث عن المشاغبين طيلة سنة كاملة وإلقاؤهم في السجن؟ يمكن من الأفضل إزالة هذه الظواهر؟ هذا هو الجزء الأول.والآن الجزء الثاني من ناحية الجوهر والمضمون. كما تعرفون أنا دعمت النظام الجديد لتنصيب زعماء الأقاليم الروسية عن طريق الانتخابات السرية والمباشرة بصورة نشيطة جدا. لكنني لم أدعم هذا النظام فقط بل وقمت بخطوة أخرى جديدة. أنا بعد انتخابي رئيسا لفترة رئاسية جديدة قدمت إلى برلماننا مشروع قانون جديد حول إجراء الانتخابات إلى المجلس الاعلى للبرلمان الروسي. ها هي الخطوات الواقعية في طريق تطبيق الديمقراطية في مجتمعنا ودولتنا. كما قمنا بمبادرات ومقترحات أخرى وخاصة في اجراءات المحاكمة. حاليا ندرس مع نواب مجلس الدوما إمكانية إجراء التصويت عبرالانترنت حول المسائل الجذرية للتنمية عندنا. وإذا صوت 100 ألف مواطن مع مشروع ما يجب على مجلس الدوما النظر في مشروع القانون هذا. الآن تجري مناقشة طريقة تطبيق هذا الاقتراح. كما توجد هناك مقترحات أخرى ذات طابع أساسي. نحن ندعم هدف تطور مجتمعنا وتطبيق الديمقراطية فيه وسنستمر في هذا الطريق دون الانحراف عنه.

نحن بدأنا الحديث عن قمة "ابيك" القادمة التي ستتوجهون اليها قريبا. هناك ستلتقون الرئيس الصيني هو جينتاو ، لكنكم لن تروا باراك اوباما – فهو لن يأتي الى هناك ، وستأتي هيلاري كلينتون بدلا منه. طبعا نحن نعلم ان الجدول الزمني للعمل لديه مكثف. لكن ربما ان هذا يدل على موقفه من "ابيك"؟ ولربما ان هذا شاهد على ان الصين تغدو شريكا جيوسياسيا وتجاريا أكثر أهمية بالنسبة الى روسيا ؟

 فعلا ، ان الصين تصبح مركزا كبيرا للاقتصاد العالمي والسياسة العالمية. بصورة عامة تجري في العالم عملية معينة لتغيير مراكز النفوذ الاقتصادي والسياسي. هذا واقع بديهي والأمر واضح للجميع وتتلخص المسألة في وتائر هذه الحركة. لا تصبح الصين مثل هذا المركز بالنسبة لنا فقط بل ولكل شركائها في العالم ونحن لا نمثل حالة استثنائية. الاختلاف فقط في الواقع أن الصين جارنا ونحن جيران لها. وخلال الآف السنين تشكلت بيننا علاقات خاصة. كانت لدينا سنوات إيجابية جدا من ناحية التعاون . إنها كانت فعالة جد لكلا البلدين. كما كانت هناك أزمنة عسيرة، أزمنة المواجهة والنزاع. الآن وصلت العلاقات الروسية- الصينية إلى مستوى عال لم يسبق له مثيل ، ويتمتع بالثقة في مجال السياسة وفي مجال الاقتصاد على حد سواء. من دون شك أننا في وقت قريب سنحقق مستوى التبادل التجاري بمقدار 100 مليار دولار. وتعادل نسبة أوروبا 51% أي 200 مليار دولار ونيف وستكون حصة الصين 100 مليار. وأعتبر ذلك تقدما جديا.

لقد أبلغنا شركاؤنا الأمريكيون بعدم حضورالرئيس أوباما لهذه القمة منذ وقت سابق.يرتبط ذلك بالأحداث السياسية الداخلية وحملة انتخابات الرئاسة في الولايات المتحدة وهذا شيء طبيعي. ستمثل الولايات المتحدة على مستوى رفيع. ونحن نعلم بذلك وأريد التكرار بأننا نعرف ذلك منذ عدة أشهر ونقف موقف التفهم. سيكون هناك تمثيل عال جدا حيث ستمثل 20 بلادا بشخصياتها الأولى وهي رؤساؤها ورؤساء وزرائها. وما العمل إذا لم يتمكن الرئيس الأمريكي من الحضور هذه المرة. هذا أمر مؤسف. أظن أنه لو سنحت له الفرصة لاستفاد منها أخذا بعين الاعتبار أن هذه القمة ساحة جيدة للتخاطب مع الزملاء في منطقة آسيا والمحيط الهادئ. قد إلتقينا مع الرئيس الأمريكي قي مكسيك منذ وقت قصير وأنا ذكرت هذا الشيء. هناك كانت لدينا فرصة التحدث حول العلاقات الثنائية والأحداث العالمية الرئيسية بصورة مفصلة. إذن حوارنا متواصل.

 دعنا نعود الى السياسة الداخلية ، ولنتحدث عن الفساد. الجميع يتحدثون عن هذا في روسيا . وأنتم أيضا طرحتم هذه القضية ، لكن سلفكم اعطاها مكانة أولية .وقد تحدث دميتري مدفيديف حين ترك منصبه وقال ان انجازاته في هذا المضمار متواضعة. ماهو برأيكم مدى خطورة مشكلة الفساد في روسيا اليوم ، في عام 2012 ، وكيف تعتزمون مكافحتها؟  

 يعتبر الفساد مشكلة لأي بلد. بالمناسبة الفساد موجود في كل بلد، في البلدان الأوروبية وفي الولايات المتحدة. هناك كثير من الأشياء تنفذ بطريقة علنية. دعم مصالح الشركات الخاصة هل نعتبره فسادا أم لا؟ أن هذه الأمور تقع ضمن حدود القانون ويتم التظاهر بأن كل شيء على ما يرام. لكن ذلك يتوقف على وجهة النظر. أكرر أن هذه المشكلة موجودة في كثير من البلدان.بالطبع من المهم حجم الفساد ودرجته ومستواه. هذه المعدلات لدينا عالية جدا. وهذا شيء طبيعي لكل البلدان ذات اقتصادات المرحلة الانتقالية. يعود ذلك إلى وضع أنماط اقتصادية جديدة وعدم تنظيم كل الأمور وعدم مراقبة الدولة لكل الاشياء وكذلك سوء الأخلاق. وبالأخص ذلك الانتقال من الاقتصاد المبرمج والأخلاق الاشتراكية إلى الأخلاق المبنية على القيم الأزلية. هذه العملية معقدة لدرجة وخاصة إذا ارتبطت هذه العملية في ظل الاقتصاد السوقي بالاثراء السريع لمجموعة منفردة من الناس أو أشخاص طبيعيين ملموسين. عندها يقف المجتمع تجاه هذه الظاهرة موقفا سلبيا ومؤلما. في هذه الظروف يفكر الإنسان العادي على النحو التالي إذا كان من المسموح لهولاء أن يكسبوا مليارات مثلا خلال سنتين لماذا لا يجوز لي أن أفعل كذا وكذا حتى إذا لم يتفق ذلك تماما مع المقادير الأخلاقية وأحكام القانون؟

كل هذه الأمور تضعف الأساس لمكافحة الفساد. العملية ليست سهلة. ولكن من دون شك يعتبر هذا العمل من أهم اتجاهات عملنا وسنستمر فيه.

 لقد عددت بضعة أسباب. فبم يجب البدء؟ ومتى يمكن انتظار تحقيق نتائج ملموسة؟

يجب البدء من العمل على ان يرفض المجتمع كله هذه الظاهرة. فالفساد يمارس على أقل تقدير بمشاركة طرفين هما الراشي والمرتشي ، وغالبا ما يبدي الراشي نشاطا أكبر من المرتشي. لهذا فأن الامر يتطلب القيام بعمل تربوي وتحسين عمل أجهزة الأمن واقامة القاعدة القانونية التي من شأنها ان تقلص الى أدنى حد ممكن مظاهر الفساد. وهذا العمل متعدد الابعاد ،وحساس جدا وغير سهل. وسنعمل في كافة هذه الاتجاهات.

ربما ان احد الوسائل التطبيقية لمعالجة هذه المشكلة هي مشروع القانون الجديد الذي يحظر على موظفي الدولة فتح حسابات وشراء العقارات في الخارج.  لكن هذا لا يقف حائلا دون القيام بذلك بواسطة أشخاص آخرين؟ كيف ستقفون حائلا دون ذلك ؟

ممكن طبعا. ان هذا القانون لم تتم المصادقة عليه بعد ، وقد أرسل الى مجلس الدوما. طبعا ان هذا يشكل قيودا عديدة للمواطنين ، الذين يمارسون العمل في الدولة ، لأنه بموجب تشريعاتنا يتمتع أي مواطن في روسيا الاتحادية بالحق في افتتاح حساب في بنك أجنبي، وشراء العقارات. لكن قد تفرض القيود على الموظفين ولاسيما من المراتب العليا . وأنا لا أرى في ذلك أي شئ غير اعتيادي بالاخص بالنسبة لأوضاعنا القائمة وواقعنا. لكن يجب على نواب مجلس الدوما في البداية إعداد المسوغات لموقفهم ، واعداد هذا القانون بالتفصيل. وعموما أنا أعتقد انه ممكن وطبعا سيساعد في جزء منه في مكافحة الفساد أيضا. طبعا سيساعد في ذلك. لأنه يجب على الانسان اذا اراد خدمة بلاده وشعبه فعلا ان يوافق على ان يكون لديه حساب هنا في روسيا وليكن في بنك أجنبي. فلم لا ؟ اذ تعمل لدينا فروع لكثير من البنوك الاجنبية. فليفتح الحساب هنا. ولماذا يتعين عليه السفر الى النمسا أو الولايات المتحدة من أجل افتتاح حساب هناك؟ اذا ما ربط المرء مصيره مع هذه البلاد ، فدعه يبقى، وليتفضل بإظهار جميع مصالحه هنا ، ومنها المادية ، وعدم إخفاءها في مكان آخر.

 أنتهز هذه الفرصة لكي أطرح عليكم السؤال  حول قضية جوليان اسانج ومحاكمته في بريطانيا وعدد من الدول الأخرى. ان اسانج كما تعرفون حصل على اللجوء السياسي في الاكوادور ، والذي لا يمكنه الآن التمتع به، لأنه حبيس فعليا في منطقة السفارة الاكوادورية. فما هو رأيكم بموقف بريطانيا؟  اذ دار الحديث في لحظة ما عن سحب الحصانة الدبلوماسية عن  سفارة الاكوادور واقتحامها وإلقاء القبض على أسانج. وهذا شئ غريب ، لأن روسيا ارادت اليضا التعامل مع بعض المشتبه بهم الذين يقطنون في بريطانيا حيث وجدوا الملاذ الآمن ...

هذه مسألة مزعجة في علاقاتنا مع المملكة المتحدة، هذا حق. وانا تحدثت ليس مع المسؤولين الحاليين في الحكومة (البريطانية) بل مع شركائي السابقين وأصدقائي وقلت لهم بأنه يتخفى في بريطانيا اشخاص ملطخة ايديهم بالدماء حتى المرفقين ، وحاربوا فعلا هنا ، في أرضنا ، وحملوا السلاح ، وقتلوا الناس. أتعرف ماذا كان الجواب الذي تلقيته؟ نعم ، فقلت لهم: "تصوروا لو اننا أخفينا هنا مسلحين ما مثلا من الجيش الجمهوري الايرلندي، وليس من الذين يتفاوضون اليوم مع السلطات ويبحثون عن الحلول الوسط ، ويتقبلون هذه الحلول الوسط"- ليمنحهم الرب الصحة والعافية ، فهم أناس مستقيمون ، لكن وجد أفراد من ذوي المعتقدات الأخرى- فقلت:" تصوروا لو أننا اخفينا هؤلاء الافراد عندنا". اتعرف ماهو الجواب الذي تلقيته؟- " لكن حدث سابقا ان ساعد الاتحاد السوفيتي مثل هؤلاء الأفراد".أولا ، أنا كنت من رجال الاستخبارات في الاتحاد السوفيتي. لكنني لا أعرف فيما اذا ساعدوهم أم لا؟ فأنا لم أمارس هذا ابدا، وحتى لو إفترضنا بأن شيئا من ذلك قد حدث ، فأنه جرى في ظروف " الحرب الباردة". والآن تغير الوضع جذريا ، ولم يعد الاتحاد السوفيتي قيد الوجود ، بل توجد روسيا الجديدة. فهل يمكن ان يبقى المرء أسير المخاوف القديمة ، وأسير التصورات الماضية حول طابع العلاقات الدولية وطابع العلاقات بين بلدينا ؟ لندعهم وشأنهم في نهاية المطاف ، والرب معهم. انهم يحدثوننا دائما عن استقلالية القضاء البريطاني. واذا ما اصدر قرارا فليس بوسع أحد عمل أي شيء.أما فيما يتعلق بأسانج فإنهم قرروا تسليمه. فما هذا ؟ طبعا ، انه القياس بمكيالين. وهذا واضح. وأنا لا استطيع الجزم . لكن حسب علمي فإن سلطات الاكوادور طلبت من سلطات السويد تقديم الضمانات بعدم ترحيل اسانج من السويد الى الولايات المتحدة. لكنهم لم يتلقوا أية ضمانات حتى الآن . وهذا يبعث على التفكير كحد أدنى ، يبعث على التفكير بأن هذه القضية سياسية.

 نحن سنتابع تطورات الوضع. لقد ناقشنا معكم بعض قضايا روسيا المعاصرة وتربتط احدى المشاكل القديمة بتجارة المخدرات وتهريب المخدرات من افغانستان . ومنذ ان اقتحم الناتو افغانستان قبل أكثر من عشر سنوات ازداد تهريب المخدرات بعدة أمثال ، فماذا سيحدث حين ستنسحب قوات الناتو بحلول عام 2014؟ هل يمكن ان نأمل في حل مشكلة تهريب المخدرات الافغانية الى روسيا ؟

 ان هذه المسألة لم تحل بعد. فعلا ، اننا نجري الحوار بإستمرار مع شركائنا ، ومنها تلك البلدان التي توجد قواتها العسكرية في أراضي افغانستان الآن. والوضع لا يتحسن ، بل بالعكس ، يتدهور أكثر . ففي العام الماضي ازدادت كميات المخدرات المنتجة في افغانستان بنسبة 60 بالمائة. بالمناسبة أنني أخشى ان اخطئ في ايراد الارقام بدقة، لكنني أظن ان نسبة 90 بالمائة من الهيرويين المباع في السوق البريطانية هو افغاني المنشأ. انها مصيبتنا المشتركة والخطر المشترك المخيم علينا. وبالنسبة الى روسيا فإن هذا يشكل بلا مبالغة خطرا كبيرا جدا على أمننا القومي. وتبقى في أراضي روسيا نسبة تربو على 20 بالمائة من المخدرات المهربة من افغانستان.وفي العام الماضي صودر 70 طنا من الهيرويين و حوالي 56 طنا من الأفيون - وهذه بلا ريب أرقام جسيمة ، تشكل خطرا على أمننا القومي.

أوضحوا الأمر بدقة لمشاهدينا : لماذا تفاقمت هذه المشكلة بعد دخول قوات الناتو الى افغانستان؟ هل توجد هنا علاقة ما بالأمر ؟ ولماذا حدث ذلك؟

ان العلاقة بسيطة ، وأنا لا أريد التحدث الآن عن أية ظواهر اجرامية ، لكن لا تريد اية واحدة من البلدان التي لها قوات عسكرية في اراضي افغانستان ان يتفاقم وضعها أكثر بمكافحة المخدرات ، لأن هذه المخدرات توفر القوت الى افغانستان. ان 9 بالمائة من الناتج المحلي الاجمالي للبلاد يتألف من تجارة المخدرات. وبغية التعويض عن نسبة 9 بالمائة هذه يجب ان يدفع الثمن ، لكن لا يريد أحد ان يدفع. اما الكلام عن أننا سنعوض الآن عن الموارد المستحصلة من بيع المخدرات بموارد أخرى فهو غير كاف. ولابد من اتباع سياسة اقتصادية واقعية وتوفير الدعم المالي. ويبدو ان لا أحد مستعد لذلك ، هذا أولا. كما لا يريد أحد ان يتفاقم وضعه في هذا المضمار بمكافحة المخدرات ، لأن جعل الناس يتضورون جوعا بسبب عدم بيع هذه المخدرات ، يعني كسب المزيد من الاعداء الاضافيين في اراضي البلاد ،والناس الذين يحاربون من يكافح المخدرات. هذا كل ما في الأمر. طبعا ان المخدرات مرتبطة ارتباطا وثيقا بالارهاب وبالجريمة المنظمة ، لكن الجميع عمليا يعرفون ذلك ، ويعرفون ان جزءا من موارد المخدرات توجه لدعم النشاط الارهابي. لكن حتى بعد ادراك هذا الأمر ومعرفة ان المخدرات ستجتاح اوروبا ، المخدرات المنتجة في افغانستان ، فإنه لا يدفع شركاءنا الى العمل بنشاط في هذا الاتجاه. وهذا شئ محزن جدا.

وآخر موضوع ، ياسيدي الرئيس. ستناقشون في قمة "ابيك" القضايا المالية والنقدية والوضع في الاقتصاد العالمي عموما. ما هو باعتقادكم ...هل تنتظرنا موجة أزمة عالمية ثانية؟ واذا كان الجواب بالايجاب  فهل ستجتازها روسيا كما في المرة الماضية ، وهل انتم مستعدون جيدا وبصورة كافية لها ؟

أعتقد اننا الآن مستعدون بشكل أفضل لأننا تجاوزنا موجة الأزمة الماضية ولدينا تفهم كيف وماذا يجب عمله ، وتتوفر ادوات مكافحة الأزمة.زد على ذلك أنني منذ العام الماضي ...كلفت بهذا الأمر الحكومة ، بتشكيلتها السابقة ، وهذه الادوات متوفرة لدينا وتم اختبارها وتطويرها ، وأعداد مشاريع الوثائق التشريعية ، وتصحيح القاعدة القانونية.وقد طلبنا من البرلمان ، ووافق البرلمان، وخصص مبلغا معينا ، 200 مليار (روبل)، كرصيد احتياطي للحكومة. اذا ان الادوات متوفرة لدينا عموما. بالاضافة الى ذلك كان النمو الاقتصادي جيدا لدينا ، كما تعرف ، وهو بأعلى مستوى في العالم بين الاقتصادات الكبرى بعد الصين والهند - بلغ نسبة 2ر4 بالمائة. بينما كان متوسط نمو الاقتصاد في اوروبا ، في منطقة اليورو ، 9ر3 بالمائة ، أما لدينا فهو بنسبة 2ر4 بالمائة. بالمناسبة ان تنبؤات صندوق النقد الدولي والبنك العالمي بشأن منطقة اليورو هي ان النمو فيها سيكون سلبيا في العام القادم ويبلغ - 3ر0 . بينما نحن نتوقع في العام الحالي مع هذا تحقيق ناتج ايجابي ويبلغ من 4 الى 5 بالمائة. وهذا يعتبر الشرط الرئيسي الذي يبين لنا ان روسيا تمتلك عموما ، اذا ما واجهت مشاكل ما ،الادوات الكافية من اجل مواجهة هذه التحديات والمخاطر.

ان احتياطياتنا من الذهب والعملة الصعبة تزداد ، وعمليا وصلت الى مستواها قبل الأزمة. ونحن نشغل المرتبة الثالثة في العالم من حيث مقدار احتياطيات الذهب والعملة الصعبة بعد الصين واليابان ، ولدينا 500 مليار ونيف من الدولارات في احتياطي الذهب والعملة الصعبة. وفي الوقت نفسه ترفد بالموارد احتياطيات الحكومة. ولدينا رصيدان احتياطيان للحكومة : رصيد الرخاء الوطني ، حيث يوجد 80 مليار دولار ، ورصيد احتياطي محسوب بالدولارات يعادل حوالي 60 مليار دولار، ونحن نمول منه العجز في الميزانية في حالة انبثاقه. لكن لا يوجد لدينا عجز بل فائض في الميزانية.وفائض الميزانية أكثر مما كان عليه في ميزانية العام الماضي. ولدينا أقل مستوى في البطالة. واذا كان المعدل في منطقة اليورو يعادل نسبة 2ر11 بالمائة وفي بعض البلدان مثل اسبانيا يعادل 25 - 26 بالمائة ، وفي اوساط الشباب حتى 70 بالمائة ،فأن نسبتها لدينا أقل مما كانت عليه قبل الأزمة وتعادل 1ر5 بالمائة.

لكن هذا كله لا يجعلنا نخلد الى الاسترخاء ، فنحن ندرك كل الادراك ان اخبث ما في جميع هذه العمليات في الاقتصاد العالمي ، هو انها تحدث دون التنبؤ بها مسبقا ومن المستحيل تقريبا اعطاء تنبؤ حول اين تظهر المصاعب الاساسية والمخاطر الرئيسية. ولهذا نحن نتابع باهتمام ما يجري في البلدان المجاورة ، في البلدان - الشركاء.

ونحن نتمنى لها النجاح ، ونسعى بإخلاص الى مساعدتها ، بروح الشراكة. لأن أي تعثر في الاقتصاد ، وعلى سبيل المثال ، تدهور الوضع في منطقة اليورو ، سينعكس بشكل مؤلم في اقتصادنا. انها تمثل الأسواق الرئيسية لترويج سلعنا. واذا ما تقلصت فسيتقلص ويتراجع الانتاج لدينا فورا. لهذا فمن مصلحتنا ان تبقى منطقة اليورو ، وان يعمل اقتصاد شركائنا الرئيسيين ، وينتعش ، بغية ان تكون القاطرات التي تجر الاقتصاد الاوروبي ( جمهورية المانيا الاتحادية وفرنسا وبريطانيا) بحالة جيدة. ان هذا يبقى دائما في مجال نظرنا واهتمامنا. وستكرس الى هذا بلاريب ، وبالدرجة الاولى، المناقشات في قمة منتدى التعاون الاقتصادي لبلدان آسيا والمحيط الهادئ في فلاديفستوك.

 أتمنى لكم كل خير . كان معنا الرئيس الروسي فلاديمير بوتين.شكرا جزيلا

ج – شكرا جزيلا لكم.