قدري جميل: الذهاب إلى طاولة الحوار يتطلب شجاعة أعلى بكثير من استخدام السلاح

انسخ الرابطhttps://arabic.rt.com/prg/telecast/657585/

ضيف هذه الحلقة من برنامج "اصحاب القرار" هو السيد قدري جميل نائب رئيس الوزراء السوري للشؤون الاقتصادية، حيث يتناول الحديث معه مختلف جوانب الازمة السورية ورؤية الحكومة السورية لآفاق الخروج من الازمة، بالاضافة الى نتائج زيارته الحالية للعاصمة الروسية موسكو.

س-تحدثتم في المؤتمر الصحفي عن مبادئ يتم تحت سقفها أي حوار محتمل وذكرت منهم مبدأين هما رفض التدخل الخارجي ووقف العنف هل هناك مبادئ أخرى؟

لا، مبدأين فقط ويكفيان، لأننا إذا اتفقنا على هذين المبدأين، فالقضايا الأخرى تصبح كتفاصيل رغم الاختلافات في وجهات النظر، ولكن يمكن التوصل إلى توافق حولها، والتوافق أي تقديم التنازلات المتبادلة، والمبدأين لكي نذكر بهما هما: رفض أي شكل من أشكال التدخل الخارجي، أي السماح للشعب السوري أن يقرر مصيره بنفسه، وهو مبدأ قديم ـ على فكرة ـ في العلاقات الدولية، يجري خرقه حالياً. المبدأ الثاني هو نبذ العنف بكل أشكاله، أي أن القضايا التي حولها اختلاف ـ مهما كانت هذه القضايا ـ هي قضايا لا يجوز استخدام العنف لحلها، هي قضايا يتم حلها على طاولة الحوار، واليوم استطيع القول أن الذهاب إلى طاولة الحوار يتطلب شجاعة أعلى بكثير من استخدام السلاح في الظروف الحالية، فاليوم ربما لغة السلاح هي الأعلى ولكن الواقع الحالي يثبت أن السلاح لا يفضي إلى نتيجة سياسية، هناك استعصاء جدي وأي حل باستخدام القوة يعقد الأمور، ولذلك المطلوب الوقف المتزامن لكل أعمال العنف وهذا ما يتطابق عملياً مع خطة عنان ويتطابق مع اتفاق جنيف ويتطابق مع موقف الأصدقاء ويتطابق مع موقف الحكومة السورية التي طالبت بالمصالحة الوطنية في بيانها الحكومي.

 س- البعض يقول في المقابل، أيضاً من شروط الحوار أن يكون رفض الجلوس مع من كانت أداته العسكرية تدك المدن، بمعنى يمكن أن يكون هذا شرطاً للحوار!

هذا الحديث غير منطقي لأن الحديث الجدي اليوم يشير إلى أن العنف استخدم من قبل الجميع وبالتالي إذا وضعنا شروطاً من هذا النوع فهذا يعني أنه لم يعد هناك حوار، والحوار في مواضع مثل الأزمة اللبنانية، الحرب الأهلية في لبنان، والحرب الأهلية في الجزائر أثبتت أن الذين يتقاتلون يذهبون إلى الحوار عاجلاً أم آجلاً، لذلك أمام السوريين فرصة تاريخية أن يذهبوا عاجلاً لأنهم آجلاً سيذهبون حتماً، ولكن آجلاً سيكون ثمنها وكلفتها غالية، على الشعب السوري وعلى الاقتصاد السوري، من هنا أعتقد أن العقل والحكمة تقول أنه يجب الذهاب عاجلاً إلى الحوار وعدم وضع شروط مسبقة تعجيزية جوهرها يمكن أن يكون فيه الكثير من الكلام البراق، ولكنه خادع في جوهره لأنه فعلياً يؤدي إلى منع بدء الحوار، أي إلى منع وقف نزيف الدم. اليوم من يعرقل الحوار يتحمل مسؤولية الدم السوري.

دكتور قدري أنت والدكتور حيدر كنتما تصنفان بأنكما من الشخصيات البارزة فيما يسمى بمعارضة الداخل، وأنتم اليوم أصبحتم جزءاً من حكومة الوحدة الوطنية هل ساهمتم في تغيير النهج بانخراطكم في النظام خصوصاً مع مانراه من تزايد العنف على الأرض؟

أولاً الحكومة الحالية ليست حكومة مصالحة وطنية، حكومة المصالحة الوطنية مقاييسها وشكلها آخر، ولكن دخولنا نحن كمعارضة وطنية في الداخل هذه الحكومة، كان هدفه الوصول في نهاية المطاف إلى حكومة الوحدة الوطنية الكاملة الأوصاف. نحن رأينا أن انتظار الظروف كي تنضج لكي يذهب جميع المعارضين الوطنيين إلى حكومة وحدة وطنية يمكن أن تكون آثاره سلبية، لذلك تحملنا مسؤولية أن نذهب أولاً إلى حكومة ائتلافية نحافظ فيها على صفتنا كمعارضة وندخل عليها على أساس برنامج توافقي انعكس عملياً في البيان الحكومي، وفي البيان الحكومي أعتقد هناك عنوانين كبيرين يؤسسان للائتلاف الحالي ويؤسسان للمستقبل، العنوان الأول هو المصالحة الوطنية، عندما تعتمد الحكومة السورية المصالحة الوطنية لتكون حجر الزاوية في بيانها الحكومي فأعتقد أن هذه القصة ليست لعبة وإنما قضية بالغة الجدية وهي تعبر عن إرادة سياسية عليا وعن طريقة حل الأزمة السورية، وهذا بحد ذاته نعتبره انتصاراً لكل الشعب السوري، ويبقى وضع خارطة الطريق للوصول إلى المصالحة الوطنية بشكلها النهائي عبر حكومة الوحدة الوطنية الشاملة. العنوان الثاني الذي أكد عليه البيان الحكومي والذي يتفق مع مبادئنا، هو التوجه شرقاً ليس فقط سياسياً في ظل الوضع الدولي الذي يؤثر عليه كثيراً الفيتو الروسي والصيني وكان إيذاناً بدفن عالم قديم وبداية ولادة عالم جديد وإنما التوجه شرقاً اقتصادياً، والتوجه شرقاً اقتصادياً يعني إعادة النظر جذرياً بمنظومة العلاقات الاقتصادية الخارجية لسورية التي استمرت لمئات السنين، إعادة النظر فيها هي مهمة تاريخية والبدء فيها اليوم هو قضية كبرى واستراتيجية، ومع أن الأزمة السورية حفزت الوصول إلى هذا القرار ولكن هذا القرار ليس مؤقتاً وليس عابراً وسينعكس إيجاباً على البنية الاقتصادية والاجتماعية للاقتصاد السوري والمجتمع السوري.

على المدى الطويل؟

نعم

تحدثتم عن مبدأ وقف العنف وكررتم الحديث خلال المؤتمر الصحافي عن هذا المبدأ، ولكن العنف في سورية مصدره طرفان على واقع الأرض. أحد هذين الطرفين هو الحكومة، وأنتم وزير في هذه الحكومة، هل تدفعون من داخل الحكومة إلى وقف العنف؟

إذا أردنا الحديث عن موضوع العنف، فيجب أن أتجه إلى اتفاق جنيف، الذي تحدث عن إيقاف العنف استناداص إلى خطة عنان وطلب من الأطراف المعنية أن تعين مفاوضين، الطرف السوري عين مفاوض والطرف الآخر لم يعين مفاوضاً حتى الآن، ولا أعرف لماذا، ربما لأنه لا يملك مفاوضاً واحداً، وهنا أحد إشكالات الأزمة السورية لانه في النهاية الحوار والتفاوص يجب أن يجري بين الطرفين، طرف حسم الأمر وعين مفاوضه، وطرف آخر مازال يختلف في أن يذهب أو لا يذهب وإذا ذهب فمن سيكلف بالتفاوض. من هنا المطلوب اليوم حل هذه الإشكالية وأعتقد أنه قد نضج أوان حلها، وينعكس اليوم ضرورة حلها على الفرز الجاري في المعارضة السورية، فاليوم قوى واسعة في المعارضة السورية آخرها هيئة التنسيق أعلنت عن موقفها الواضح المعلن الذي أيدناه نحن في موقعنا كمعارضين في الجبهة الشعبية موقف البدء بالحوار وعدم وضع شروط مسبقة له، وهذا الموقف عملياً يتطابق مع موقفنا القديم ونرى أنه يجري تقارب بين أوساط المعارضة الوطنية الموجودة في البلاد وخارج البلاد، تصريحات الأستاذ هيثم مناع كانت هامة جداً ووصلت الأمور إلى أنه اقترح تحويل أولئك المسلحين الذين يسفكون الدم السوري إلى محكمة لاهاي. لذلك أعتقد أن الظرف موضوعياً يدفع الجميع ـ جميع العقلاء والحكماء ـ أن يذهبوا إلى كلمة سواء من أجل بدء الحوار وأعتقد أننا إذا اتفقنا على المبادئ التي اتفقنا عنها، فبدء الحوار مسموح أن يطرح فيه اي شيء، ويجب عدم وضع شروط تعجيزية لبدء الحوار، فطاولة الحوار ـ كما أعتقد ـ كفيلة بحل أعقد القضايا إذا اتفقنا على المبدأين الساميين لبدء الحوار.

بعض المراقبين، أو حتى أغلبهم يرون أن الأزمة السورية باتت رهينة توازنات وصراعات دولية من هذا المنطلق، هل ترى أنها باتت أرض استثمار دعائي يستبق الانتخابات الرئاسية الأمريكية لاسيما بالنسبة لأوباما؟

الأزمة السورية صدفة جاءت في لحظة تاريخية هامة جداً، أشبهها دائماً بالموقف السوفيتي والأمريكي من حرب السويس والذي كان إيذاناً بدفن عالم قديم تهيمن عليه فرنسا وإنكلترا ونشوء عالم الثنائية القطبية. اليوم الفيتو الروسي والصيني الأول هو إيذان بانتهاء القطب الأوحد، ولكن لم نصل بعد إلى الصيغة الدولية الجديدة التي تقول ماهو الشكل النهائي للنظام الدولي الجديد. أي أن العالم كله يمر في فترة مخاض، من هنا أقول يمكن أن تكون محصلة تناسب القوى الدولية اليوم محصلة صفرية، وهو ما ينعكس على الأزمة السورية، كيف ينعكس؟ يمكن أن ينعكس بشكلين، بشكل سلبي وبشكل إيجابي، الشكل السلبي الذي يمكن أن ينعكس فيه التوازن الدولي الحالي الذي لم يكتمل تكوينه، استمرار الاشتباك في سورية، وهو ما يريده الغرب الاوروبي والأمريكي، استمرار الاشتباك يعني إعادة تكرار النموذج اليوغوسلافي الذي يمنع بعدها الأطراف المكونة للشعب السوري من العيش سوية بسبب مقدار الدم المسفوك، هذا الخطر والتحدي الذي يفرضه التحول الدولي الجديد، ولكن الوضع الدولي الجديد يخلق فرصة تاريخية لامثيل لها تسمح للشعب السوري إن وجد في قواه السياسية الجرأة والقدرة الكافية لأن يخلق نموذجاً جديداً لحل صراع معقد سببه تراكمات تارخية كبيرة، وسبب هذا الصراع المعقد ـ سورية إذا استطاعت أن تصل إليه ـ فهي ستسجل سبقاً تاريخياً بحل أشكال من الصراع بشكل يؤدي ليس إلى إنهيار البلد والمجتمع كما جرى في ليبيا والعراق، إنما يؤدي عملياً إلى ولادة جديدة تسمح لسورية الانطلاق إلى فضاء سياسي واقتصادي جديد.