الشيخ راوي عين الدين: العالم الإسلامي له الحق في اختيار طريق تطوره بعيدا عن التدخل الخارجي

انسخ الرابطhttps://arabic.rt.com/prg/telecast/657576/

استضاف برنامج "حديث اليوم" الشيخ راوي عين الدين رئيس مجلس المفتين في روسيا، وحاوره حول عدد من المسائل التي تهم المسلمين في روسيا، وما يجري من أحداث في الشرق الأوسط.

وفيما يلي نص المقابلة:

س: فضيلة الشيخ، اسمحوا لي بداية أن أهنئكم بحلول عيد الفطر السعيد. كيف مر هذا العام شهر رمضان الكريم على مسلمي روسيا في ظل ساعات الصيام الطويلة وعدم غياب الشمس أيضا عن بعض مناطق روسيا؟

ج: نعم، في الواقع أن شهر رمضان حل هذا العام خلال شهري يوليو/تموز وأغسطس/آب شديدي الحرارة والنهار الطويل خاصة في القسم الشمالي من روسيا الاتحادية. وكان يتوجب علينا كمسلمين الصيام لمدة 19 ساعة، لكن المسلم في بلادنا يعرف أن هذه هي إرادة الله، وأن الصيام يعتبر واحدا من الأركان الخمسة في ديننا الحنيف، والصيام له مكافأة عظيمة عند الله تعالى وبذلك فإن المسلمين يطهرون أنفسهم وأرواحهم من خلال قيامهم بالأعمال الخيرية استنادا الى تعاليم الإسلام أمام الله عز وجل.

س: ما هي المشكلات التي تواجه المسلمين في روسيا وكيف تتم عملية تطوير الإسلام بشكل عام؟

ج: الإسلام جزء أساسي من المجتمع الروسي اليوم. ويمكن القول انه خلال العشرين عاما جرت في دولتنا انبعاثات وولادات جديدة للأخلاق الروحية. فإذا كان خلال تلك الحقبة المنصرمة يتردد الى المساجد بشكل عام المسنون فاليوم نرى في مساجدنا وصالاتنا الشباب والمثقفين. ولذلك تقف أمام الإدارة الدينية في بلادنا اليوم مهمة تنوير وتربية الأجيال الصاعدة على القواعد الصحية في دينينا الحنيف. فيجب علينا أن ننورهم من اجل ان يحملوا التربية الدينية الصحية ويتعرفوا على حقيقة دينهم الذي أهدانا إياه الله تعالى كرحمة للعالم اجمع كالدين للسلام والخير والعدالة. ونحن نرى انه يتوجب على المؤمنين المسلمين نشر كل ذلك.. ونحن نسعى ليكون شبابنا مثلا للأخرين من اجل ان يكونوا قدوة من خلال احترامهم للدين الإسلامي الذي يدعو الى احترام الأديان الأخرى والثقافات المختلفة فإذا قمنا بذلك فإن العالم سيحترم ثقافتنا وديننا.

فأنتم أشرتم بشكل صحيح الى المشكلات التي تواجهنا اليوم.. بالفعل نحن نعاني من ان قسما من شبابنا وقع تحت تأثير الإسلام المتشدد من خلال النشاط الواضح للحركات الراديكالية والمتطرفة خاصة في شمال القوقاز الأكثر تأثرا بذلك. وانعكس هذا الامر على منطقة الفولغا ، لذلك نجد بعض الأئمة الذين يقولون انه لدينا تيار تقليدي في الإسلام ويدعون الى اتباع نفس السلوك الذي سار علية آباؤنا وأجدادنا وهناك آخرون يعتبرون ان الإسلام يجب ألا يقف مكانه وانما يجب ان يتطور ويتماشى مع التقدم العالمي وانه على المسلم ان يتلاءم مع الزمن الذي يعيش فيه. ولذلك اليوم في روسيا تجري عملية الاعتراف بالمتغيرات التي تحدث في العالم .. وأن على المسلم ان يجد مكانه في ظل هذه المتغيرات والتعايش بسلام مع القوميات والأديان الأخرى.  ولذلك يجب على رجال الدين في بلادنا العمل من اجل ان يكون مسلمونا متنورين ومتعلمين واختصاصين ناجحين ليتمكنوا من إيجاد مكانتهم المرموقة في المجتمع الروسي .

س: في ظل تصاعد نشاط الحركات الانفصالية، ما هي الجهود التي تبذلها المنظمات الإسلامية الروسية ومدى فعاليتها لمحاربة التطرف خاصة وسط جيل الشباب؟

ج: نرفض التطرف في الدين بكل أشكاله.. التطرف بحد ذاته يعتبر الأيديولوجية وبدون هذه الأيديولوجية لا يمكن ان ينمو التطرف والراديكالية التي تشجع على القيام بالعمليات الإرهابية، لذلك يجب علينا ان نضع أيضا أيديولوجية خاصة تقف ضد أيديولوجية التطرف وتستطيع مواجهة  الظواهر السلبية التي تنشأ عن ذلك .وبعد انهيار الاتحاد السوفيتي الذي أدى الى ظهور دول جديدة وقيام مجتمعات ديمقراطية بما فيها في الدولة الروسية بدأ المسلمون بإعادة إحياء دينهم. وقمنا ببناء مساجد جديدة وفتحنا مراكز ومدارس تعليمية إسلامية تعمل على تربية أبنائنا على التعاليم الصحيحة لديننا الحنيف لكننا واجهنا مشكلة بظهور بعض التيارات الراديكالية بتأثيرات من الخارج هذه التيارات بدأت بالترويج بأننا في روسيا لا نعرف الدين الإسلامي الحقيقي، ولذلك سيقومون بتعليمنا إياه. وأدى هذا الأمر إلى حدوث نزاعات وانقسام داخل الأمة الإسلامية في روسيا .من هنا وجدنا انفسنا أمام تحد في مواجهة مثل هذه الحركات الراديكالية المتطرفة والتي أرادت تقسيم المسلمين الروس من خلال زرع الفتنة بينهم وخلق نزاعات بين أبناء الدين الواحد، لكن مسلمي روسيا أدركوا أن الانقسام هو امر خطير ولن يكون في مصلحة المسلمين وإنما في مصلحة الغرباء الذين سيكونون سعداء اذا ما استطاعوا تفرقة أبناء الدين الواحد .. لذلك نحن رجال الدين اتخذنا قرارا لتعزيز وتنسيق الوحدة الدينية للمسلمين في روسيا، ومن اجل ذلك أعددنا كوادر دينية ومعلمين وخطباء يستطيعون توحيد المسلمين وتعليمهم مبادئ دينهم الحنيف وإبعادهم عن العداء والكراهية، لذلك قمنا بتوسيع وسائل النشر وإصدار الصحف والمجلات وتطوير الصفحات الإسلامية الإلكترونية وقريبا ستفتتح قناة تلفزيونية إسلامية للمسلمين في روسيا. وندعو الله تعالى أن يكون في عوننا لنستطيع إيصال تعاليم ديننا الكريم إلى أكبر عدد من مسلمي روسيا ليسيروا على هدى دينهم دين السلام والخير ويتبعوا مبادئه الإنسانية القائمة على احترام الأخرين. ونريد أيضا ان يصل قول الله تعالى إلى الراديكاليين ..انه لا إكراه في الدين فلا يجوز أن نجبر أحدا بل يجب ان نوعظ ونشرح للناس من اجل ان يحبوا الإسلام ويدخلوا إليه برضاهم. والإجبار محرم في الدين، ونحن نرى أنه فقط عبر التنوير والعمل المستقيم يجب أن نبني مستقبلنا - مستقبل الأمة الإسلامية الروسية.

س: كيف تتعاملون مع مسألة الإفتاء التي يقوم بها أناس غير مخولين بذلك والداعية إلى الجهاد وتغيير الأنظمة؟

ج: هناك منصب يسمى المفتي وهو الشخص الذي يحق له الإفتاء، ولدينا في روسيا مجلس مفتيّ روسيا وهو يضم رؤساء الإدارات الدينية وكذلك العلماء وأشخاصا يستطيعون أن يحللوا ويبدوا آراءهم في مواضيع مختلفة تبرز في عالمنا المعاصر. وكثير من الفتاوى كانت قد صدرت حول مواضيع مختلفة، لكن الحياة المعاصرة تضعنا أمام مشاكل عديدة وتحديات كبيرة وأسئلة أحيانا لا نجد لها ردا.  ومن هنا نرى ان الإفتاء يجب ان يستند الى تعاليم ديننا الصحيح بحيث يستطيع أبناؤنا الابتعاد عن التطرف الناتج أحيانا عن فتاوى ليس لها علاقة بالدين مثل هذه الفتاوى كانت السبب الأساسي لانحراف الكثيرين وتوجههم نحو التطرف.. لذلك نحن في مجلس مفتيّ روسيا نعتبر ان الراديكاليين ليس لديهم الحق بإصدار الفتوى والاستنتاجات البعيدة عن الدين، وأن أية عملية إفتاء يجب ان تصدر عن مفتي منتخب من قبل الأمة الإسلامية والذي يملك سلطة دينية ومعروف لدى الدولة لذلك نحن نعتبر الأخرين علماء ولكن ليس لديهم الحق في توجيه الأمة الإسلامية نحو الطريق الخاطئ ومن هنا فإن المفتي هو مسؤول أمام الأمة الإسلامية والسلطة وبشكل أساسي أمام الله وهذه تعتبر مسؤولية كبيرة.

س: كيف تجري عملية تطوير العلاقات مع العالم العربي والإسلامي في ظل التغيرات التي يشهدها العالم؟

ج: علاقتنا بالعالم الإسلامي في تطور مستمر. ويُعتبر المسلمون الروس جزءا من العالم الإسلامي، ولذلك نحن نريد أن نعيش ضمن علاقات تعاون وصداقة وتفاعل مع العالمين العربي والإسلامي. ولدينا اتفاقيات ومذكرات تفاهم كثيرة مع الدول العربية والإسلامية وكذلك الأمر مع المنظمات الإسلامية التي ينضوي تحت لوائها ملايين المسلمين في العالم. ومجلس الإفتاء في روسيا كان المبادر الأول لانضمام روسيا الى منظمة التعاون الإسلامي ومن ثم قام الرئيس فلاديمير بوتين بالإعلان الرسمي عن ذلك ومن خلال مشاركته في إحدى قمم زعماء هذه المنظمة التي أسفرت عن قبول روسيا بصفة مراقب فيها، وهي اليوم جسر للتواصل بين روسيا والعالم الإسلامي بشكل عام. ونعمل على تطوير علاقاتنا سواء كانت الثقافية أو الاقتصادية أو حتى الحوار السياسي مع هذه المنظمة، فالقيادة السياسية في روسيا تدرك أن عشرين مليون مسلم يعيشون على أراضيها يعتبر أمرا ذا أهمية وعليها ان ترتبط بالعالم الإسلامي بعلاقات وطيدة من خلال مشاركتها بكل المشاريع والبرامج التي تجري في العالم الإسلامي.. ومن هنا أريد التأكيد على سعينا المستمر إلى إقامة افضل العلاقات مع جميع المنظمات الإسلامية في أنحاء العالم..

س: كيف تنظرون الى ما بات يعرف بثورات الربيع العربي؟

ج: نحن ننظر بقلق الى ما يجري في المنطقة، خاصة بعد ان استخدم الغرب فرضية عدم وجود الديمقراطية في الكثير من الدول وقام بعدها بتدمير ليبيا عبر التدخل العسكري هناك وعملية قتل رئيس هذه الدولة معمر القذافي. واليوم نرى أن السلام في العالم أصبح هشا، وأن أية دولة قوية يمكنها ان تبتكر أية حجة من اجل التدخل العسكري وتغيير الأنظمة. ومن قبل شاهدنا كيف قضوا على صدام حسين تحت ذريعة امتلاكه أسلحة دمار شامل. وتعلمون انه بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر/أيلول، عندما أعلنت الولايات المتحدة أن العالم قد تغيير، وأن العلاقات مع العالم الإسلامي يجب ان تتغير. ونحن اليوم شاهدنا ما جرى للعراق وما الذي حصل في ليبيا ودول أخرى وكيف أصبحت اقتصادات هذه الدول. لذلك أعتبر أن كل ذلك أمر غير مقبول وأن على العالم الإسلامي أن يدافع عن مصالحة وثقافته وتاريخه وتقاليده العريقة، ولا يحق لاحد ان يلزمه بأية ديمقراطية لإن الإسلام نفسة هو الديمقراطية. لذلك نعتبر ان العالم الإسلامي له الحق باختيار طريق  تطوره بعيدا عن التدخل الخارجي وفرض  الدساتير الجديدة على الشعوب وتوزيع الثروات كما يريدون.. هذا أمر غير مقبول. ويجب ان تعيش الشعوب كما تشاء وتقرر مصيرها بنفسها وهنا أتذكر أحد أسماء الله الحسنى وهو العادل .. فهو يدعونا للتعامل بالعدل.

س: وأخيرا كيف ينظر المسلمون في روسيا الى ما يحدث في سورية؟

ج: نحن نراقب بألم كبير ما يحدث  في سورية ونشاهد كيف يقتل الأخوة بعضهم بعضا، وكيف تهدم المدن. والعالم يشاهد كل ذلك دون ان يتخذ أية إجراءات لإيقاف نزيف الدم والعنف والفتة وإعادة الاستقرار الى سورية .لذلك فان الاستنتاج الذي توصلت إليه إحدى لجان الأمم المتحدة حول سورية يشير الى أن المسؤولية عما يجري في هذا البلد تتحملها ليس الحكومة وحسب بل والمعارضة أيضا، وهنا أتساءل كم هو ثمن شلال الدم الذي يسيل مقابل الحصول على السلطة؟ لماذا هذا التهويل؟ الله سبحانه وتعالى يرشدنا إلى ان التهويل كفر. ونحن نلتقي باستمرار مع طرفي النزاع في سورية.. وقريبا سيزورنا وفد رفيع المستوى برئاسة مفتي سورية الشيخ احمد بدر الدين حسون، وسنطلع منه على آخر الأخبار. وأود أن أوكد على ضرورة وقف العنف مهما كان مصدره.. ما يجري في سورية يخجلنا لأن ذلك يحصل داخل الإسلام. وليس لدى العالم اليوم خبر ينقل إلا عما يجري في العالم الإسلامي من سلبيات، وان لا وجود لذلك لا في  العالم المسيحي أو اليهودي .. ما نريده هو أن ينظر إلينا العالم ليس على أننا عالم نفط وغاز وحسب بل عالم السلام والمحبة. واننا نحترم جميع الثقافات والأديان، ونخشى الله وننشر السلام بكل بقاع الأرض. هذا ما نريد أن نسمعه اليوم.