باحث بقضايا الامن الدولي: فرنسا اكبر الخاسرين من الثورات وبريطانيا الرابح الاول

انسخ الرابطhttps://arabic.rt.com/prg/telecast/657311/

ضيف هذه الحلقة من برنامج حديث اليوم هو السيد أليكسي فينينكو الباحث في معهد قضايا الأمن الدولي التابع لأكاديمية العلوم الروسية.

هل تعتقدون أن الاتحاد الأوروبي تفاجأ بأحداث الربيع العربي؟

لنبدأ من الواقع أن أوروبا ليست جسماً واحداً، بل مجموعة من الدول ذات مصالح مختلفة، وشكل الربيع العربي ضربة لفرنسا أكثر من غيرها، فقد تصدرت فرنسا منذ العام 1995 مشروع الاتحاد من أجل المتوسط، الذي انطلق في عملية الشراكة الأورومتوسطية في برشلونة، وقام الرئيس ساركوزي بالدعوة إلى الاتحاد من أجل المتوسط في العام 2008 ليكون بمثابة مجال خاص لنفوذ الاتحاد الأوروبي من دون مشاركة الولايات المتحدة، وبريطانيا. وأثارت دعوة ساركوزي هذه غضب وحفيظة الولايات المتحدة، وتسببت بأزمة بين الطرفين على جانبي الأطلسي.. لكن الحرب الليبية منحت واشنطن  الفرصة للقضاء على هذا الاتحاد نهائياً، ولعب التوافق  بين فرنسا وبريطانيا دورا رئيسيا في انهيار منظومة الاتحاد من أجل المتوسط، وأظهرت الحرب على ليبيا أن قرارات فرنسا باتت تابعة أكثر فأكثر لرغبات بريطانيا، كما أن باريس لا تستطيع أن تلعب دور القائد في منطقة البحر المتوسط، وتعجز عن إنشاء أي مشروع أمني مستقل عن حلف الناتو في هذه المنطقة، كما أظهرت أيضا صعود دور بريطانيا مجدداً في منطقة المتوسط إلى  الحقبة التاريخة التي سبقت الحرب العالمية الثانية، وباتت دولة  عظمى في هذه المنطقة. وكالعادة فإن واشنطن تختفي خلف لندن، وأما علاقات ألمانيا مع فرنسا فقد تأثرت نتيجة تقارب المواقف بين باريس ولندن، وهذا ما لاحظناه في فتور العلاقات واختلاف نظرة البلدين من قضايا مختلفة.

 وفي هذا السياق هل تعتقدون أن ساركوزي دفع ثمن هذه المواقف في الانتخابات الفرنسية الأخيرة..؟

كما هو معروف فقد قام ساركوزي باستكمال عملية بدأت تنضج منذ عهد فاليري جيسكارديستان، وهي التخلي عن مبادئ ديغول الداعية إلى موقف فرنسي مستقل، كما تخلى عن مبدأ ريادة فرنسا في فضائها الأوروبي، وتراجع ساركوزي عن لعب دور مؤثر في منطقة  الشرق الأوسط.... يقول ساركوزي إننا نسعى إلى عظمة ومجد  فرنسا بطريقة مختلفة عما فعله ديغول، فبومبيدو،حسب رأيه، حقق ذلك عن طريق بناء اتحاد وثيق مع واشنطن ولندن وليس النزاع معهما، لكن ساركوزي قام بالتوقيع على مذكرة الشراكة السياسية والعسكرية مع بريطانيا في نوفمبر/ تشرين الثاني من  العام ألفين وعشرة، وهذه المذكرة غيرت موازين القوى في القارة  العجوز وقبل ساركوزي بلعب دور الشريك الصغير لواشنطن ولندن، وأرى أن الرئيس فرانسوا هولاند سوف يواجه مشكلة معقدة وهي تأمين استقلالية فرنسا وتخليصها من وطأة الاتفاقات والالتزامات  الجديدة،  فقد أعاد ساركوزي فرنسا إلى المنظومة العسكرية في  حلف الناتو، ووقع المذكرة التي ذكرتها مع بريطانيا، ولهذا فمن الصعب معرفة طبيعة السياسة الفرنسية المستقبلية انطلاقا من القيود التي كبلها بها ساركوزي في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا.

وماهي تأثيرات الربيع العربي في مختلف البلدان الأوروبية؟

من الناحية الموضوعية انتصر الانكليز، لقد انتصرت لندن لأنها استطاعت تغيير بنية الاتحاد الأوروبي لمصلحتها من وجهة النظر العسكرية، واستطاعت فك الارتباط بين فرنسا وألمانيا، كما ثبتت لندن مواقعها في منطقة البحر المتوسط، وتسعى إلى الوصول  إلى مناطق حقول النفط الشرق أوسطية، على خلفية  نفاد احتياطات النفط في بحر الشمال... لقد تراجع دور فرنسا بالتأكيد وباتت بمثابة الشريك الصغير للولايات المتحدة وبريطانيا، وهذا أثار انزعاج إيطاليا وألمانيا من السياسة الفرنسية، وباتت ألمانيا في موقف صعب فهي لا تؤيد التوجهات الفرنسية بالتقرب من واشنطن ولندن  وعواقب ذلك مما سوف يؤدي إلى تغيير  وجه الاتحاد الأوروبي، ومن ناحية أخرى لا تريد معارضة فرنسا في شكل سافر حتى لا يتسبب ذلك ذلك  بانهيار الاتحاد، ولهذا تضطر برلين إلى إجراء مناورات سياسية مع  أطراف معارضة تقليديا لدورها مثل بولندا...  وعملياً على ألمانيا البحث عن مخرج ما من هذا الوضع، وفي هذا الاطار فإن مبادرتها المالية تعتبر محاولة متأخرة لانقاذ الاتحاد الأوروبي، وللعلم فإن الخطوة الألمانية كانت محط اعتراض لندن في أواخر العام الماضي.

هل تتوقعون تغيرات في سياسة الاتحاد الأوروبي فيما يخص الصراع العربي الإسرائيلي في ظل الظروف الحالية؟

هناك تغيرات جدية، وهي عملياً بدأت منذ فترة طويلة، ففي العام 2006 أثناء وبعد الحرب بين لبنان وإسرائيل، وكانت إسرائيل خلصت إلى استنتاجات بعد هذه الحرب مفادها وجود تغيرات نوعية في الموقف الأوروبي، وظهور لهجة عدائية نحو إسرائيل  في الخطاب الأوروبي، وتعتقد تل أبيب أن مواقف فرنسا، وإيطاليا   منعتها من تحقيق النصر، لأن موقف هذين البلدين تحديداً قيد أيدي إسرائيل عبر قرارات مؤتمر روما واقتراح آليات لعمل مجلس الأمن. وواقعيا يسود مزاج أوروبي معاد لإسرائيل لسببين الأول لامتلاكها امكانات عسكرية كبيرة ومستقلة، وهذا لا يروق  للاتحاد الأوروبي، لان هذه الامكانات ليست تحت سيطرته،  وهذا لا يتوافق مع مخططات مع مشروعات أوروبا ومخططاتها في منطقة البحر المتوسط،  كما أن إسرائيل ترغب في بناء علاقات متوازنة ومتكافئة  وهو ما لا ترغب به برلين، وباريس وإلى حد ما لندن أيضاً. فمنطلقات سياسة إسرائيل في المنطقة لا تعجب الأوروبيين، لأنها مستقلة وتتبنى نهجاً مقارباً للسياسة الأمريكية.

هناك مزاج عام أوروبي ضد إسرائيل ولكن أين هي الضغوط عليها في ملف التسوية، والصراع العربي الإسرائيلي؟

طالب الاتحاد الأوروبي في العام ألفين وستة بسحب القوات الإسرائيلية من لبنان، وفي أثناء الحرب على غزة نهاية ألفين وثمانية وبداية ألفين وتسعة ضغط الاتحاد الأوروبي على إسرائيل لوقف الحرب، والانسحاب من قطاع غزة.  وفي العام ألفين وأحد عشر لم يدعم الأوروبيون خطة نتنياهو  التي اقترح فيه قيام دولة فلسطينية بحدود مؤقتة، وكل ما سبق يشير إلى أن الاتحاد الأوروبي غير راض عن موقف إسرائيل وتصرفاتها في كل الصراعات التي نشبت في المنطقة أخيراً.

وهل يستطيع الأوروبيون كسر الهيمنة الأمريكية على ملف التسوية في الشرق الأوسط ؟

بالطبع لا يرغب الأمريكيون في زيادة دور الاتحاد الأوروبي، أو لعب دور مستقل لأن هذا يمنح الأوروبيين امكانية رسم ساسية مستقلة في مجال الطاقة، وألفت الانتباه إلى أن السياسة الأمريكية فيما يخص الاتحاد الأوروبي تولي أهمية كبيرة لملفات الطاقة،  وترتكز إلى عدم السماح للأوروبيين بلعب دور أكبر في  الشرق الأوسط، والمحافظة على حالة الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، ليبقى عقبة في طريق بناء خطوط جديدة لنقل النفط والغاز من منطقة الشرق الأوسط إلى أوروبا. ويمكن القول إن الحرب في ليبيا، والصراع المحتدم فيها يدخل في إطار تعطيل مد خطوط الطاقة من شمال إفريقيا وغربها إلى  القارة العجوز، ويجب ألا نغفل عن محاولات أمريكا خلق مشاكل  بين روسيا والاتحاد الأوروبي باستخدام بولندا ودول ترانزيت النفط والغاز، وهذه بالطبع تمارسها واشنطن دائماً بغض النظ عمن يحكمها ديمقراطيا كان أم جمهورياً.

 صعدت الحركات الإسلامية بنتيجة الانتخابات التي تلت الثورات العربية في شمال إفريقيا، كيف يمكن أن يؤثر ذلك في العلاقات الأوروبية العربية، وملفات الهجرة غير الشرعية ومحاربة القاعدة؟

أؤكد مرة أخرى أن أوروبا ليست جسماً موحداً، وبالنسبة لفرنسا فإن صعود الإسلاميين يعتبر ضربة قاسية، وكانت توجهات الرئيس التونسي السابق واضحة وتنطلق من التعاون والتنسيق مع باريس، كما اتجه القذافي في السنوات الأخيرة من حكمه إلى تمتين العلاقات مع باريس وروما، وبالطبع فإن ما حصل يعد ضربة  لهذين البلدين لأنه تمت الاطاحة بقادة كانوا يدعمون عملية التقارب مع أوروبا في إطار الاتحاد من أجل المتوسط. والواضح أن الإسلاميين الذين نجحوا في الوصول إلى سدة الحكم في شمال إفريقيا يتوجهون إلى التعاون أكثر مع الولايات المتحدة وبريطانيا... أما فيما يخص موضوع  الهجرة فإن البلدان الأوروبية المطلة على شاطئ المتوسط  سوف تواجه مشكلات كبيرة، فمن ناحية من غير المعروف هل سيتمكن الإسلاميون المعتدلون من ضبط الأموار والاستمرار في الحكم، وما هي التطورات التي يمكن أن تحصل في حال عدم قدرتهم على ضبط الأمور، وهل يمكن أن تشهد  المنطقة حربا متواصلة، وأجواء  غير مستقرة كما يجري في ليبيا، وأفغانستان، وهل يمكن أن تتحول هذه البلدان على شاكلة أفغانستان، وفي حال تطور الأمور وفق هذا السيناريو فإن على بلدان الاتحاد الأوروبي ترك البحث عن السبل الأنجع لحل الأزمة الاقتصادية التي تعصف به، والالتفات إلى البحث عن تسوية الأوضاع في جنوب البحر المتوسط، وهو ما سوف يساهم في إضعاف الاتحاد الأوروبي مستقبلاً، ويصب في مصلحة الولايات المتحدة.

 أظهرت الانتخابات الفرنسية الأخيرة صعود اليمين المتطرف، وفي السنوات الأخيرة يلاحظ تصاعد ظاهرة الإسلامفوبيا، وفي الجنوب أوصلت الانتخابات حركات الإسلام السياسي إلى الحكم، كيف تتوقعون شكل العلاقة المستقبلية بين أوروبا وبلدان الربيع العربي؟

المؤكد أن أوروبا في وضع صعب، ويجب على الأوروبيين التعامل مع قضية صعبة وليست سهلة بالمطلق، فأوروبا تحتاج إلى المهاجرين من البلدان العربية، نظرا لنقص اليد العاملة فيها وخصوصا في بعض القطاعات والمهن التي لا يرغب الأوروبيون بالعمل فيها، ويزيد من حجم المشكلة  الوضع الديمغرافي الصعب، وانخفاض أعداد  المواليد الجدد في أوروبا، وهم مضطرون إلى التعامل مع شمال إفريقيا والبلدان العربية من أجل تغطية حاجة الاقتصادات إلى الأيدي العاملة أعجبهم هذا الأمر أم لم يعجبهم. ونتذكر في ذات الوقت تصريحات ميركيل وكاميرون حول التغيرات في الثقافة الأوروبية  بسبب المهاجرين.  والأوروبيون لم يستطيعوا حتى الآن من تنفيذ مخطط  واضح لدمج المهاجرين الذين لم يتحولوا إلى فرنسيين أوألمان أو إنجليز كما كان مخططا في الستينات من القرن الماضي، ومعظم المهاجرين يعيشون في تجمعات خاصة بهم، وهناك أحياء في مدن أمستردام ولندن وبروكسل، وفي جوار باريس أصبحت عربية بالكامل،  وفيها تسود قوانين محلية خاصة بهذا التجمع أوذاك،  وأذكر من تجربة شخصية كيف تلقيت تحذيراً من أصدقائي بعدم الذهاب إلى بعض المناطق بعد الساعة السابعة مساء.وعمليا فإن هذه المناطق تعيش واقعا يشبه حقبة القرون الوسطى، حيث تسكنها أغلبية لا تعرف الثقافة السائدة ولا تتقن لغة البلاد التي تعيش فيها، ويتعامل هؤلاء  مع السلطات المحلية عن طريق ممثل خاص، ويجب  على الاتحاد اوروبي تبني سياسات واضحة لدمج هؤلاء المهاجرين في المجتمعات الجديدة، وأعتقد أن عدم اندماج المهاجرين، وعيشهم وفق قواعد بلدانهم ومجتمعاتهم الصلية يتسبب في تصاعد ظاهرة الإسلاموفوبيا