تقاليد بلاد ألانيا العريقة

انسخ الرابطhttps://arabic.rt.com/prg/telecast/657300/

جمهورية أوسيتيا الشمالية - ألانيا، احدى جمهوريات شمال القوقاز، تقع على السفح الشمالي لجبال القوقاز الكبير الذي تقطع سلسلته الجبلية شعاب عميقة  يعيش فيها معظم سكان الأقليم .

يمتد الفج الجبلي كورتاتينسكي الخلاب لمسافة تزيد على خمسين كيلومترا. وهذا الفج الجبلي هو أحد المواضع الرئيسية التي نشأ فيها الشـَعب الأوسيتي وحضارته الوطنية منذ فجر العصور الوسطى. فكان منذ ذلك الحين مركزا للتواصل والإتصالات الأوسيتية -الجورجية.  وقد اشتهر الفج بآثاره التاريخية والثقافية الفريدة . وظل محفوظا وسالما هنا عدد كبير من أبراج الحراسة والحصون الدفاعية التي شيدت في الأماكن الوعرة. وفي المراكز السكنية المتواجدة في الفج الجبلي  يعيش الآن حوالي الف وخمسمائة شخص في إقامة دائمية.

أهم آثار ثقافة الشعب الأوسيتي اللافتة للنظر هي بلا شك الأبراج والحصون والقلاع الحجرية، ونواويس المدافن وأسوار الحماية. وهي مبنية في جميع الفجاج والشعاب التي يقيم فيها الأوسيتيون. لقد كانت تلك المنشآت الضمانة القوية لحرية القبائل والبطون، والملجأ الأمين لأصحابها. تعود بدايات تشييد القلاع الى فجر العصر الوسيط ، في عهد آلانيا.

في داخل الفج الجبلي كورتاتينسكي، على ارتفاع مائة وسبعين مترا من سفح الجبل تتواجد تحفة معمارية فريدة من القرون الوسطى هي مجمع مباني قرية تسيميتي التي كان يمر بها طريق الحرير في غابر الزمان.

التقاليد والعادات الأوسيتية تعود بجذورها الى القرون البعيدة، الى عصر الإسقوث وآلانيا.  ومن بين شعوب القوقاز الشمالي المحافظة على النمط الأبوي التقليدي تمكن الأوسيتيون من صيانة لغتهم  وثقافتهم ودينهم  وعاداتهم بشكلها الأصلي تقريبا. ساعدت على ذلك عزلتهم الطويلة في الجبال بعد غزوات التتر والمغول المدمرة والخراب الذي خلفته جحافل تيمورلنك. ورغم التقارب وحسن الجوار مع الشعوب المتاخمة للأوسيتيين فإنهم يحرصون على تراث الأجداد الروحي والأخلاقي على قدر الإمكان.

تعتبر  الفطائر الاوسيتية الشهيرة من تحف المطبخ الاوسيتي التي  يتحدثون عن مذاقها اللذيذ  لا في روسيا فحسب بل وفي كثير من أنحاء العالم.وهي تحشى باللحم او الجبن او الخضروات، ولكن تناولها الصحيح يتطلب معرفة الاصول التقليدية للمائدة الاوسيتية .

توضع على المائدة ثلاث فطائر. عند رأس المائدة يتربع رب الدار أوشخص حكيم كبير السن. أحد الشبان القائمين على خدمة الضيوف ينبغي أن يملأ كؤوس ثلاثة من الضيوف الأكبر سنا. رئيس المائدة  يتلو الادعية للإله ولكل القديسين الذين يبجلهم الاوسيتيون، ويقوم بتقديس الفطائر الثلاث. ومع كل دعاء يردد الحاضرون " آمين هوإيتسو" الى أن ينتهي رئيس المائدة من الدعاء. بعد ذلك يقوم أحد الشبان بتمثيل حركة من يقضم قطعة من الفطيرة العليا. وبعد ان يقدس رئيس المائدة الفطائر يقوم أحد الشبان بتقطيعها الى ثماني قطع  مع عدم ادارة الصينية بالفطائر اثناء التقطيع. رئيس المائدة ( الهستار) يرفع نخبا للإله الواحد ويقرع كأسه بكأسي كبيرى السن الآخرين ، ثم يشربه.  بعد ذلك ينضم الجالسون الى المائدة الى ما قيل من كلمات ويقرعون كؤوسهم ويشربون ، بدءا بالكبار  فالشبان ، ثم يجلسون .ليس من المتبع في أوسيتيا أن يشربوا في صمت. على كل شخص ان ينقل محتوى نخبه بايجازالى الشخصين التاليين ويقرع كأسه  بكأسيهما وبعد ذلك فقط يشربه.

لم تكن المآدب بالنسبة للاوسيتيين ابدا مكانا لتناول الطعام والشراب وتبادل الحديث فقط. انها وثيقة الارتباط بمعتقداتهم ونمط حياتهم وسلوكهم الاجتماعي . هذه القواعد عند الأوسيتي جزء من وجوده ومفهومه.. جزء من تراثه الروحي والأخلاقي. وعموما كان الاوسيتيون على مر العصور  ينظرون الى الطعام نظرة تحفظ وتقشف. ولذلك يقول المثل عندهم : "الى الوليمة اذهب شبعان وعد منها جوعان ". وهذا يؤكد واقع ان الشره  كان رذيلة مشينة. فحتى لوكنت جوعان جدا ( ومن كان آنذاك شبعان؟) فقد كان عليك أن تأكل في الولائم العامة بتحفظ وبلا عجلة ، ولاتظهر شهيتك.

النخب الثاني على المائدة الأوسيتية يقال تكريما لراعي الرجال والمسافرين والمحاربين المسمى " واسطيرجي". هذه الشخصية اصبحت بعد دخول أوسيتيا في الدين المسيحي تقترن بشخصية القديس غيورغي. (واسطيرجي) هو اكبر القديسين اجلالا عند الأوسيتيين . عادة ما ترفع الكأس ويقال النخب وقوفا ، تكريما له. يرجوه الشاربون  الا يسمح بأن تخلو أوسيتيا من الرجال الحقيقيين والاصدقاء المخلصين، وأن تعيش أوسيتيا في سلام ورخاء وتتجنبها الويلات ، وأن تكون لدى الشباب القدرة والبسالة والشجاعة  على الذود عن أرضهم الغالية.

النخب الثالث يرفعه رب المائدة " الهستار"  للتنويه بالمناسبة التي اقيمت من أجلها الوليمة أوتكريما للقديس صاحب العيد أومن اجل سعادة العروسين، أواحتفاء بالمولود الجديد او صاحب عيد الميلاد الى آخره. بعد النخب الثالث - سيرا على تقاليد الديمقراطية الشعبية او من باب احترام الضيوف  - قد يعطى (الهستار) الكلمة لكبير السن الثاني الذي قد يقدم أقداحا فخرية لجميع الجالسين حول المائدة . قدح أوسيتيا هذا هو دليل على الاحترام الخاص والامتنان ، والامتناع عن قبوله فيه اهانة لمن قدمه. جميع من قدمت لهم الأقداح يلهجون بالثناء على هذا التشريف ويتمنون لأهل البيت السعادة والتوفيق والخير العميم.