وزير الخارجية المغربي: لا يمكن أن نقبل الاضرار باستقلال سورية ووحدتها

أخبار العالم العربي

انسخ الرابطhttps://arabic.rt.com/prg/telecast/657247/

حل وزير الخارجية المغربي سعد الدين العثماني ضيفا على برنامج "أصحاب القرار" في إطار زيارته لموسكو وجرى حوار مع مندوبنا. وزار العثماني روسيا بناءً على دعوة من نظيره الروسي سيرغي لافروف. وتركزت مباحثاته مع الجانب الروسي على شؤون العلاقات الثنائية والملفات الساخنة في المنطقة العربية.

س- بدعوة من وزير الخارجية الروسي السيد سيرغي لافروف حللتم ضيفاً على موسكو. ما هي الملفات الساخنة التي تباحثتم فيها مع نظيركم الروسي خلال هذه الزيارة؟

ج- شكرا على إتاحة هذه الفرصة. العلاقات بين المغرب وروسيا هي علاقات متميزة، وخصوصاً منذ الشراكة الاستراتيجية التي وقعت سنة 2002 هنا في موسكو بمناسبة زيارة جلالة الملك محمد السادس آنذاك إلى موسكو. ومنذ ذلك الوقت والعلاقات تتطور تدريجياً ولكن بثبات وبقوة على المستوى السياسي والمستوى الاقتصادي والمستوى الثقافي وبالتالي نحن تباحثنا في هذه الأمور كلها. وهذه مناسبة لنستعرض في هذه الزيارة الرسمية إلى موسكو ـ أولاً ـ العلاقات الثنائية، كيف تطورت، ما هي وسائل تفعيل هذه العلاقة الثنائية أكثر، ما هي المجالات التي يمكن أن نرتادها اليوم من جديد؟. المعروف أن المغرب اليوم ثاني أكبر شريك اقتصادي لروسيا في العالم العربي وأفريقيا. واليوم ايضا، يصدر المغرب أكثر من 50% من الحوامض والبواكر إلى روسيا، هناك أكثر من 15 ألف مغربي تخرجوا من الجامعات الروسية. إذا هناك علاقات وطيدة ومهمة وواعدة أيضاً، هذا على المستوى الثنائي. وناقشنا أيضاً المشاكل والتحديات على المستوى الجهوي في السهل والصحراء، والارهاب واستقرار منطقة شمال أفريقيا، وكذلك قضية سورية وغيرها من القضايا. وحاولنا أن نتشارك فيها في وجهات النظر والرأي ونحاول أن نبلور رؤى مشتركة في بعضها ونفتح المجال للحوار في بعضها الآخر.

س- لنفسر هذا الحوار، ولنبدأ من الملف الساخن وهو الملف السوري. هناك تباين دولي وإقليمي حول سبل حل الأزمة المتفاقمة في سورية. برأيكم في أي اتجاه تسير الأوضاع هناك الآن، وقد سبق وقلتم في مؤتمر صحفي (أثناء زيارة موسكو) أنه على الحكومة السورية والمعارضة التخلي عن العنف. هل لدى المغرب رؤيا حول حل الأزمة في سورية؟

ج- نحن منذ البداية عملنا داخل الجامعة العربية، وتبنينا القرارات التي أصدرتها الجامعة العربية والحلول التي اقترحتها. مع الأسف مبادرات الجامعة العربية ـ على الرغم من جرأتها ـ لم تفلح في حل هذه الأزمة، ومن ثم اليوم القضية في يد المجتمع الدولي. هناك اليوم كوفي عنان الذي هو مبعوث مشترك بين الجامعة العربية والأمين العام للأمم المتحدة، الآن هناك خطة عنان، قبلتها الأطراف وحظيت بقبول دولي. بدأت هذه الخطة على الأرض، نحن نتمنى أن تنجح. كل جهودنا الموجودة لتصب في اتجاه دعم خطة عنان حتى تنجح. وأظن بان روسيا من جهة، قامت بجهد مهم لأن قبول النظام السوري لخطة عنان هو نتيجة الضغط الروسي المؤثر على القيادة السورية وبالتالي روسيا شريك مهم في هذه العملية، شريك ذو تأثير في هذه العملية. فنحن إذاً نثمن الدور الروسي في إنجاح - على الأقل ـ المراحل الأولى لخطة عنان، نتمنى أن تلعب دوراً مماثلاً لإنجاح المراحل التالية للخطة، وبطبيعة الحال، فان إنجاح هذه الخطة يحتاج إلى المجتمع الدولي كاملاً، فإذاً المغرب مقاربته واضحة .. إنجاح خطة عنان. صحيح أنه عندنا ثوابت عبرنا عنها منذ البداية، وهي أولاً رفض العنف، والعمل الجاد لإيقاف العنف على الشعب السوري، وهنا نقول بوضوح أن الحكومة السورية تتحمل المسؤولية الكبرى في هذا. ثانيا، الحفاظ على وحدة سورية وعلى استقرار سورية. هذا خط أحمر لا يمكن أن نقبل الاضرار باستقلال سورية وأيضاً بوحدة سورية. ثالثاً الحل السلمي، فنحن مع الحل السلمي لهذه القصية ونحن ضد أي تدخل عسكري، وهذا المبدأ الذي قلناه منذ البداية مازلنا أوفياء له. وسنتبع المبادرة الدولية الحالية ونتمنى لها النجاح.

س- تأتي زيارتكم إلى روسيا بعد زيارات قمتم بها إلى عواصم اخرى، وبعض هذه الدول لها مواقف مغايرة بشأن الأزمة السورية. هل يلعب أو يساهم المغرب في تقريب وجهات النظر بين المواقف الدولية المختلفة بشأن هذا الملف؟

ج- نحن نقوم بجهدنا. ولسنا الوحيدين الذي يمكن أن نقرب بين وجهات النظر، فأنا أظن أن القرار الأخير الذي صدر عن مجلس الأمن والذي بموجبه يصل المراقبون اليوم في إطار خطة كوفي عنان إلى سورية، هذا نتيجة محمودة لأنها تعكس إجماع في المجتمع الدولي على آليات معينة لحل الأزمة السورية. هناك نقاط خلاف، لكن أظن أن نقاط الخلاف يجب ألا تغطي نقاط الاتفاق، أولاً. وثانيا، نقاط الخلاف يجب ألا تؤدي إلى إفشال خطة كوفي عنان. وثالثاً، الأهم هو الشعب السوري، معاناة الشعب السوري، هنالك اليوم حسب إحصائيات المفوضية العليا لشؤون اللاجئين مليون سوري يعانون التشرد واللجوء داخل سورية وخارج سورية، وهذا رقم كبير وضخم. هناك مدن ومناطق منكوبة تحتاج إلى مساعدات إنسانية. إذاً يجب أن يتضافر الجميع لتدخل المنظمات الدولية ذات الطابع الانساني، كالهلال الأحمر الدولي والمفوضية العليا لشؤون اللاجئين، وأن توجد على الأرض داخل سورية لتستطيع أن تنجد هؤلاء اللاجئين، هؤلاء المدنيين، وأن توصل إليهم المساعدات.

س- معالي الوزير، أين يلتقي الموقفان المغربي والروسي بشأن سورية، وما هي نقاط التباين؟

ج- تلتقي في الأمور التي ذكرتها منذ قليل. ذكرت مبادئ الرؤيا المغربية، وذكرت دعم خطة عنان، يبدو أن هذا نلتقي فيه مع الطرف الروسي كما نلتقي فيها مع كثير من الأطراف. والمجتمع الدولي صادق بالاجماع على قرار إرسال المراقبين الآن في إطار خطة عنان. وبطبيعة الحال، في بعض المستويات الأخرى قد نختلف، قد نختلف في طريقة التعامل مع المعارضة السورية، قد نختلف في النظرة إلى المعارضة السورية، قد نختلف في سبل وقف العنف، لأنا نأسف، لأن العنف كان قد هبطت وتيرته في فترة، ثم رجع مرة أخرى. وقلت منذ قليل إن النظام السوري يتحمل المسؤولية الكبرى في استمرار العنف.

س- دعنا ننتقل إلى الصراع العربي الاسرائيلي وفي ظل السياسة الاسرائيلية المتعنتة، ومحاولة تهويد القدس، وأيضاً اتساع رقعة المستوطنات، وتعثر محادثات السلام مع الفلسطينيين. هل هناك أمل بضخ دم جديد في عملية السلام؟

ج- هذا سؤال يصعب الحديث عنه، أو الاجابة عنه. الكرة في ملعب الطرف الإسرائيلي. رأينا في السنوات الأخيرة تصاعد وتيرة الاستيطان. كما رأينا وبطريقة تخالف كل المواثيق الدولية، تخالف القرارات الدولية، أن إسرائيل تحاول أن تأكل من الأرض الفلسطينية باستمرار، وهذا الشيء، الجميع يجمع على انه إن لم يتوقف فلا أمل أبداً. ثانيا، الجدار العازل. هناك قرارات دولية واضحة، هناك خرق للقانون الدولي، وخرق لحقوق الشعب الفلسطيني، وعلى الرغم من ذلك هذا الجدار مستمر ولم تصغ إسرائيل إلى القرارات الدولية. ثالثاً، هناك العمل على تغيير طبيعة القدس الشريف، عن طريق التهويد، وعن طريق بناء المستوطنات، وعن طريق الاعتداء على المقدسات الإسلامية والمسيحية في القدس الشريف، وعن طريق محاولة تغيير طابع المدينة عن طريق منع المقدسيين من الاستيطان في مدينتهم وتحويل كل فرصة لإقصائهم عن المدينة. إذاً هناك إجراءات متعددة تخالف القانون الدولي، وتحاول أن تغير طبيعة مدينة محتلة. فالقدس عربية محتلة ولا يمكن أبدأ عن طريق تغييرها، أن تنتزع أسرائيل اعترافاً دولياً بكونها إسرائيلية.

س- إلى جانب هذا الصراع، هناك خلاف متمكن بين أقوى حركتين للشعب الفلسطيني، فتح وحماس. ما هي الجهود التي تقوم بها المملكة المغربية لحل هذا الخلاف؟

ج- أظن بأن هناك تقدماً في التقارب بين فتح وحماس، وهناك مصالحة بدأت منذ فترة، حقيقة هي مصالحة تتعثر أحياناً وتعود أحياناً أخرى، نحن مستعدون للتعاون مع الطرفين لإيجاد جو مصالحة إيجابي بالنسبة للفلسطينيين...

س- لكن هذه الورقة تمسك بها إسرائيل لتظهر للعالم انه ليس أمامها من تحاوره؟

ج- لا اظن، اسرائيل تستعمل أساليب مباشرة في الاعتداء على الفلسطينيين وعلى حقوقهم، وأظن أن هناك إرادة اليوم من الطرفين للمصالحة، طرف السلطة الفلسطينية المتمثل في فتح، وأيضاً حماس. نحن مستعدون للمساعدة على إتمام هذه المصالحة.

س- كونكم تنتمون لحزب العدالة والتنمية الاسلامي، هل هناك رؤيا متقاربة مع حركة حماس، وهل قمتم بمحاولات لحل هذا الخلاف بين حماس وفتح؟

ج- نحن حديثو العهد بالحكومة لم تمر بعد حتى 3 أشهر، وإذا تهيأت الفرصة يمكن ان ندلي بدلونا في هذا الملف.

س- معالي الوزير نفتح الملف النووي الإيراني، أو أيران، برأيكم ما هي دوافع الزيارة التي قام بها مؤخراً الرئيس الإيراني إلى جزيرة أبو موسى وكيف تقيمون هذه الزيارة؟

ج- بكل صراحة، ليست لدينا فكرة عن دوافع الزيارة، ولكن بغض النظر عن الدوافع فنحن اعتبرناها خطوة استفزازية. وأعلنا عن تضامننا مع الامارات العربية المتحدة في هذا المجال، ونتمنى أن تتوقف هذه المحاولات التصعيدية والاستفزازية حتى يكون هناك جو من الاستقرار والسلم بين الأطراف في المنطقة لأن هذا الاستقرار والسلم يفتحان المجال لحوار جاد وصريح يمكن أن يجنبنا كل توترات.

س- استؤنفت مؤخراً مفاوصات النووي الإيراني في اسطنبول، كيف تقيمون هذه المباحثات؟ وما هي وجهة نظر المغرب تجاه الملف الإيراني النووي؟

ج- وجهة نظر المغرب تنقسم إلى قسمين، أولاً وبطبيعة الحال نحن مع الحد من انتشار الأسلحة النووية، وضد استعمال الطاقة النووية في الأغراض العسكرية. وأعتقد أن هناك توجها لدى كثير من دول العالم في الاحتياط حتى في مجال استعمال الطاقة النووية في الأغراض السلمية وخصوصاً بعد كارثة فوكوشيما في اليابان. وقد شارك المغرب بفاعلية في المؤتمر الدولي، القمة الدولية للسلامة والأمن النوويين. والمغرب مستعد للانخراط في هذه الجهود لأن الحفاظ على البيئة والحفاظ على صحة الانسان، والحفاظ على مصالح الانسان أعلى بكثير من استعمال أنواع من الطاقة التي يمكن أن تدمر مستقبل الإنسان. هذا هو توجهنا العام. وبالتالي لا بد من التخوف من سعي أية دولة لامتلاك الأسلحة النووية بغض النظر عن المشكلة الإيرانية. بالنسبة للمشكلة الإيرانية، أظن بأن من حق إيران أن تستخدم الطاقة النووية للأغراض السلمية، لكن في إطار الشروط والاحتياطات المعتمدة دولياً، والتي هي احتياطات المنظمة العالمية للطاقة الذرية، ولكن نحن نتحفظ على الكيل بمكيالين، ففي الوقت الذي تسامح فيه المجتمع الدولي مع إسرائيل بامتلاك الطاقة النووية، القنبلة النووية، يحاول الآن أن يضيق على دول أخرى. نحن نقول إن الشرق الأوسط يجب أن تكون كلها خالية من الأسلحة النووية، ويجب أن نتعامل بنفس الطريقة مع إيران أو مع إسرائيل أو مع أي دولة أخرى في المنطقة.

س- هل تعتقدون أن امتلاك إيران أو سلاح إيران النووي في حال امتلاكها له، يهدد أمن المنطقة وجغرافيتها وخصوصاً منطقة الخليج وضد من سيكون موجهاً هذا السلاح؟

ج- إلى حد الساعة ايران تقول إنها لا تسعى إلى امتلاك السلاح النووي، ولكن كما قلت في البداية نحن ضد أي زيادة في السلاح النووي في المنطقة. هناك ما يكفي لتكون كارثة ـ لا قدر الله ـ لدى إسرائيل، وبالتالي بدلاً من الزيادة في الأسلحة النووية، يجب أن ننزع السلاح النووي من الدول التي تملكه.

س- معالي الوزير ننتقل إلى هموم دول شمال أفريقيا، حيث هبت رياح الربيع العربي. كيف تنظرون إلى هذا الحراك الشعبي الذي أطلح بعدة انظمة، وكيف انعكست تلك الأوضاع على المغرب؟

ج- نحن منذ البداية التي كانت فيها هذه الحركة في المنطقة رحبنا بها، وقدمنا التهاني للشعوب التي استطاعت ان تطيح بانظمة ديكتاتورية بدءا بتونس مروراً بمصر، وأعربنا عن تعاطف كبير مع هذه الحركات التي تعني أن هذه الشعوب، شعوب المنطقة تملك الحيوية. وشعوب منطقة شمال أفريقيا فيهم العرب وفيهم الامازيغ كلهم شاركوا في هذه الحركة المهمة. وأظن بأن هذا غير تاريخ المنطقة بشكل كبير. والمغرب تأثر أيضاً بهذه الحركات، هناك حركة 20 فبراير التي كان لها تأثير في المشهد السياسي ومشهد الاصلاحات في المغرب، ولكن بفضل حكمة جلالة الملك محمد السادس وبعد نظره وأيضاً جرأته، اقترح اصلاحات دستورية تتماشى و تتجاوب مع هذ التطلعات ومع هذه المطالب. وهذا الاصلاح الدستوري الذي كان بداية سلسلة اصلاحات في بلادنا منذ 9 مارس 2011، اليوم هو الذي استطاع ان يعطي المغرب وجهاص جديدياً، فبدلا من تكون هناك ثورة يجري الآن تطور عانق الاصلاحات الدستورية وعانق الاصلاحات السياسية وانتخابات شهدت لها الكثير من المنظمات الدولية بالنزاهة، وأتى بحكومة جديدة تضم ممثلين عن أحزاب كانت في المعارضة. ولم يكن أحد يعتقد أن أن تلك الأحزاب ستدخل الحكومة بهذه السرعة. وواكبتها اصلاحات أخرى على المستوى الحقوقي، على المستوى الاجتماعي، مستوى حقوق المرأة. لذلك استبق المغرب هذه الأحداث إذ قام قبل ذلك بالاصلاحات ولكن تسارعت هذه الاصلاحات بعد بدء ما يسمى بالربيع، أنا أسميه الربيع الديموقراطي العربي الأمازيغي في المنطقة. فالمغرب اليوم بسبب هذه التطورات برهن على أنه يملك القدرة على أن يتأقلم مع الجديد، قدرة على أن يستبق الجديد بدون توترات او صراعات. صحيح كان هناك اختلاف في وجهات النظر، كان هناك حيوية في النقاش، كان هناك تحرك، ولكن هذه الطبيعة، شعب حي بقوة سياسية حية بقوة شبابية حية، لا بد أن يكون فيه نقاش ساخن وأن تكون هناك اختلافات في وجهات النظر وأن يكون تنافس انتخابي، وهذا كله من المظاهر الصحية للمغرب الجديد. نتمنى أن تستمر وتيرة هذه الاصلاحات في بلادنا لما هو لمصلحة الشعب المغربي ولمصلحة مستقبل هذا الشعب المغربي. هذه التطورات أعطت للمغرب وجهاً خاصاً في المنطقة .. وجه بلد مستقر بلد قادر على ان يقوم بإصلاحاته السياسية بطريقة سلمية في إطار هذه الاستقرار، ولكن أيضاً أعطاه مكاناً إذ أصبح عامل استقرار في المنطقة، وأصبحت لديه تجربة يمكن أن يتقاسمها مع شعوب المنطقة. نحن لا ندعي أن المغرب نموذج ولكن نقول أنه يملك تجربة يمكن أن يستفيد منها كل من عارض، ويمكن أن يغتني هو أيضاً بتجارب الآخرين.

س- كيف رتبتم علاقاتكم بالسلطات الجديدة في مصر وتونس وليبيا؟

ج- علاقاتنا بالسلطة الجديدة في الدول الثلاث ممتازة وجيدة وعلى عكس مما يظن البعض. ودائماً بعد الثورات لا يمكن أن ننتظر الأمور إلى أن تصل إلى نهايتها وأن تبنى الديموقراطية بسرعة. فوقوع ثورة في بلد هو زلزال بغض النظر عن مستوى السقوط .. لأن هناك دولة كانت فيها مؤسسات، كانت فيها إدارة، سقط النظام بمفهوم أنه الجهات التي تسّير، ولكن بقيت الادارة والمؤسسات كما في تونس. وهذا يؤكد على أن الانتقال فيها أسهل. أما في ليبيا التي كان فيها نظام ديكتاتوري لم يكن يعترف لا بمؤسسات ولا بأحزاب سياسية، لا بد أن ياخذ الأمر وقتاً معيناً لبناء هذه المؤسسات ولتلمس البلاد طريق بناء أحزاب، لتنظيم انتخابات في مرحلة تالية. لذلك كل بلد سيسر بالسرعة التي تتناسب مع وضعيته، لكن المغرب يتمتع بعلاقات جيدة مع الدول الثلاث كلها، ويعمل على تطوير هذه العلاقات، ومستعد لتقاسم تجربته مع تلك الدول.

س- بادرت تونس إلى إعادة رفع شعار إحياء الاتحاد المغاربي. كيف تنظرون إلى هذه المبادرة التونسية؟ وبرأيكم ما هي إمكانية نجاحها؟

ج- في الحقيقة إحياء الاتحاد المغاربي يمثل اليوم رغبة مشتركة بين دول المغرب كلها. وهناك زيارات متبادلة بين الدول المغاربية الخمس، وهناك محاولة لإعطاء دفعة جديدة لمؤسسات الاتحاد المغاربي نظرا لإدراك حقيقة أن جميع الدول تخسر بسبب انعزال وانكفاء كل دولة داخل نفسها وحدودها. وقد عقد في أواخر شهر يناير اجتماع لوزراء الخارجية المغاربيين في الرباط. وهناك اساعداد الآن لعقد القمة المغاربية في تونس. نتمنى أن تعطي هذه الخطوات دفعة للاتحاد المغاربي.

س- المغرب لم يعترف بما يسمى بدولة الطوارق آزواد التي أعلنت انفصالها عن مالي، ما هي دوافع هذا الموقف؟

ج- نحن اعتبرنا ان إعلان الانفصال من طرف واحد في أي دولة غير معقول. فهذه دولة لها حدود ولها سيادة مسجلة في الأمم المتحدة ويعترف بها الجميع، بما في ذلك الاتحاد الأفريقي والأمم المتحدة ومنظمة التعاون الاسلامي. كيف يمكن أن نغير هذه الأمور؟ ليس هنا من يعترف بهذه الدولة الجديدة، مع احترامنا للآزواد والطوارق والحقوق الثقافية والحقوق اللغوية التي يدافعون عنها. ومع احترامنا لخصوصيتهم لا بد أن نجد حلاً وسطاً لهذه المشكلة، والمغرب مستعد للمساعدة فيها بخبرته.

س- أول زيارة قمتم بها بعد تسلمكم حقيبة الخارجية كانت إلى الجزائر، إضافة إلى ذلك قام رئيس الحكومة الجديد السيد عبد الإله بنكيران بزيارة إلى الجزائر لتقديم التعزية بوفاة الفقيد أحمد بن بلّه، مما اعتبر في نظر مراقبين بأنه مؤشر على التحسن المطرد في العلاقات المغربية الجزائرية. إلى أي حد تعتبر هذه التقديرات صحيحة؟

ج- نحن نعطي أهمية كبيرة للعلاقات مع الجزائر لأنها دولة شقيقة وجارة. وهناك علاقات تاريخية عميقة بين الجانبين. ولهذا فان تطوير العلاقات بينهما أمر طبيعي. غير الطبيعي هو العكس تماماً. ولهذا كان أول إجراء اعتزمت اتخاذه بعد تعيين وزيراً للخارجية من قبل جلالة الملك، زيارة الجزائر للتأكيد على أن الحكومة الجديدة هي حكومة تمد يدها وتحاول تطبيع العلاقات في المستقبل. ووجدت تجاوباً ـ والحمد لله ـ من الأخوان المسؤولين في الجزائر بدءا من السيد الرئيس بو تفليقة مروراً بالسيد وزير الخارجية مراد مدلسي. وبالتالي فهناك الآن زيارات متبادلة من الطرفين. ولا بد أن تكون عندنا إرادة لنمضي إلى الأمام وألا  نتوقف عند بعض العقبات التي يمكن أن تكون في الطريق. قدرنا الاستراتيجي هو أن تكون علاقاتنا جيدة في المستقبل. بطبيعة الحال نحن أردنا من الزيارة إعطاء دفعة للاتحاد المغاربي.

س- عدا الزيارات ما هي الخطوات الفعلية والعملية التي اتخذت في هذا الاتجاه، وهل نستطيع أن نتوقع ـ قريباً ـ فتح البوابات بين البلدين؟

ج- وقعت اتفاقيات كثيرة بين وزارات متعددة كانت قد بدأت سنة 2011، بين وزارات الفلاحة وزاراة الطاقة، في مجال الشبيبة والرياضة، الآن في مجالي الاتصال والتعليم وغيرهما. وهناك اتفاقيات ومحاولات لتطوير مجالات التعاون على مستويات متعددة. وقد يشمل هذا جميع القطاعات في المستقبل القريب، فالمغرب والجزائر بلدان جاران، ويمكن أن يتعاونان على جميع المستويات. إذاً وقعنا اتفاقية أنا وزميلي السيد مراد مدلسي وزير خارجية الجزائر للمشاورات السياسية لتكون منتظمة في المستقبل، وليكون لديها منهجية، ليكون هناك محاولة لتبادل وجهات النظر في مختلف القضايا السياسية التي تهم البلدين. إذا هناك عمل وستتلوه أعمال أخرى في المستقبل.

س- عندما نتحدث عن العلاقة مع الجزائر لا نستطيع ألا نتطرق إلى موضوع الصحراء الغربية، أين وصلت المفاوضات وأين يظهر التباين في وجهات النظر، وبين من ومن؟

ج- بين المغرب وجبهة البوليساريو. والمغرب متشبث بوحدته الترابية، ونحن قلنا باستمرار إن ميثاق المم المتحدة الذي ينص على حق تقرير المصير ينص أيضاً على أنه يجب ألا يستغل لتشتيت الدول والاضرار بسلامة أراضيها. ولا يمكن أن نقبل بالانفصال. وليس هناك دولة في الجوار ولا في العالم يمكن أن تقبل بهذا. وقد تحدثنا عن الموقف من مالي، والجميع اتخذ موقفاً صارماً ضد تهديد سلامة أراضي مالي ووحدتها وبالتالي فالمغرب أيضاً عنده الحق في أن يدافع عن وحدته وسلامة أراضيه. وأقدم المغرب إظهاراً لإرادته لتجاوز هذا النزاع المفتعل منذ فترة طويلة، وبحسن نية على التفاعل مع مبادرات الأمين العام للأمم المتحدة والمشاركة في هذه المحادثات غير المباشرة وغير الرسمية. وفعلاً كانت هناك مناقشات في هذه المحادثات، ولكن مع الأسف الشديد مازال في الطرف الآخر جمود على خيار الانفصال. وقام المغرب بجهد كبير بطلب من مجلس الأمن في قرارات واضحة لمقترح الحكم الذاتي في الأقاليم الصحراوية الجنوبية. هذا مقترح الحكم الذاتي والذي أعلن علناً وسلم للأمين العام للأمم المتحدة، بعد ذلك ومنذ ثلاث سنوات على الأقل تعتبر قرارات مجلس الأمن هذا المقترح جديا وذا مصداقية. واليوم يعتبره العديد من الدول الكبرى حلا مرضيا لأنه بنفس الوقت الذي يعطي لسكان الأقاليم الصحراوية في الجنوب، صلاحيات لإدارة شؤونهم بأنفسهم في إطار منظومة قانونية معينة، فهو يحافظ على سلامة أراضي المغرب وسيادته على كامل ترابه. هذا المقترح الذي قدمه المغرب بشجاعة. كنا نتمنى أن يكون هناك تجاوب في الطرف الآخر، ويكون النقاش عليه لتطويره. ونحن لم نقدم مقترحاً مغلقاً، وإنما قدمنا مقترحا مفتوحا، بمعنى أنه يمكن أن يزاد فيه وأن ينقص، بناءً على مفاوضات، لأن قرار مجلس الامن يدعو إلى فتح مفاوضات بين الطرفين للحصول على حل سياسي. وتنص جميع قرارات مجلس الامن ومنذ سنوات، على أن نزاع الصحراء يحل بحل سياسي متفاوض عليه. ونحن قدمنا مقترحاً ليكون أرضية للتطوير ونبدع هذا الحل السياسي ونخرجه لكن الطرف الآخر لا يريد حلاً سياسياً وإنما يريد فقط أن يبقى في خيار الانفصال والاستفتاء. وخيار الانفصال في إطار الاستفتاء شيء اعتبره مجلس الامن نفسه في قرارات سابقة غير ممكن. وسجلت تقارير للأمين العام قبل ذلك أنه غير ممكن بسبب أمور عديدة وليس فقط بسبب أنه يهدد سلامة أراضي دولة عضو في مجلس الأمن ولكن لأنه من سيستفتي وهناك 180 الف عضو في مسألة تحديد الهوية، من سيصوت في الاستفتاء ولم تتوصل الأمم المتحدة إلى حل هذا الإشكال وبالتالي قالت أنه غير ممكن تطبيق هذا الحل، فلابد من حل آخر سياسي متفاوض عليه. واليوم ان ثلثي أبناء الصحراء الغربية هم في بلدهم مندمجون في المؤسسات عندنا رئيس الغرفة الثانية لمجلس المستشارين من المؤسسين لجبهة البوليساريو، صحراوي، وهناك داخل البرلمان المغربي العديد من الأقاليم الصحراوية، من الرجال والنساء، هناك مؤسسات منتخبة محلية على مستوى البلديات، وجهوية على مستوى المجالس الجهوية كلهم من أبناء الصحراء والاقاليم الجنوبية، وهناك العديد من السفراء، هناك 10% من سفراء المغرب من أبناء الصحراء في دول مهمة بالنسبة للمغرب، مثل مدريد مثلاً يدافعون عن الوحدة الترابية للمغرب مع أن الكثير منهم كانوا أيضاً في جبهة البوليساريو أظن أنه بالنسبة للمغرب هو في أرضه، هناك ثلثان على الأقل من أبناء الصحراء مندمجون، وصحيح هناك أبناء آخرون للصحراء في اسبانيا وهناك مستقلون آخرون في موريتانيا وهناك جزء محدود في مخيمات تندوف، ولكن هذا لا يغير من خريطة الواقع البشري في الأقاليم الصحراوية.

س- برأيكم متى ستتحول هذه المفاوضات غير الرسمية إلى مفاوضات رسمية؟

ج- هذا يتوقف على سير المفاوضات في المستقبل.

س- من شمال أفريقيا ننتقل معكم إلى علاقات المغرب مع شركائه الأوروبيين، علاقات تشهد تراجعاً وتقدماً بين حين وآخر. كيف هي حال هذه العلاقات اليوم؟

ج- علاقة المغرب مع شركائه الأوروبيين ومع الاتحاد الأوروبي ـ بصراحة ـ جيدة وتسير في خط صاعد، مثل علاقتنا مع روسيا التي منذ توقيع الشراكة الاستراتيجية وهي في خط صاعد، وربما أسرع. المغرب الآن عنده وضع متقدم لدى الاتحاد الأوروبي، وهو وضع مهم يعطيه مكانة اعتبارية لأنه الجار الأقرب إلى أوروبا في شمال أفريقيا، الذي عنده جالية كبيرة جداً، عندنا أكثر من 3 ملايين مغربي في أوروبا، جالية مهمة عدد كبير من المغاربة في أوروبا، هناك المصالح المتبادلة، الشريك التجاري الاول في العالم هو الاتحاد الأوروبي. إذا هناك مصالح متبادلة وبالتالي فنحن حريصون على تطوير هذه العلاقة بشكل إيجابي، صحيح أن البرلمان الأوروبي صوت منذ فترة ضد تمديد اتفاقية الصيد البحري، ولكن بعد ذلك صوت البرلمان الأوروبي على اتفاقية الفلاحة بين البلدين تخفف من قيود تصدير واستيراد المواد الفلاحية والمواد الفلاحية المصنعة بين الجانبين، والآن سيبدأ ربما قريباً الحديث في مجال اتفاقية جديدة للصيد البحري، وبعدها ستكون هناك اتفاقية في مجال الخدمات، فهناك محاولة تطوير العلاقات.

س- وهل هناك خطط وتنسيق من اجل مكافحة الهجرة السرية والمخدرات؟

ج- طبيعي أن تكون هناك لكن هذا حديث قديم لأن المغرب اليوم  قام بمجهود كبير في مجال الهجرة السرية، وجميع الاحصائيات تشهد بأن المهاجريين السريين الذين يمرون اليوم من المغرب إلى اسبانيا قد نقص ما يقرب 90% في ظرف 7 سنوات او 8 سنوات تقريباً، وبسبب جهود المغرب، وجهود مشتركة أيضاً مع الجيران، مع اسبانيا ومع الاتحاد الأوروبي، وهذه الجهود ستستمر لكن حل ظاهرة الهجرة السرية لا يمكن أن يتم بمنع المهاجرين من السفر فقط، يجب أن يتم عن طريق مقاربة شمولية تدمج ما هو اجتماعي بما هو اقتصادي بما هو ثقافي بما هو سياسي وبما هو أمني، وهذه المقاربة التي يجب أن تكون فيها برامج تعاون بيننا وبين أوروبا.

س- معالي الوزير مجلس التعاون الخليجي وجه دعوة للمملكة المغربية للالتحاق به إلا أن المغرب تحفظ عن هذه الدعوة، ما هي برأيكم الخلفية الفعلية للدعوة، وما هي أسباب تحفظ المغرب؟

ج- أولاً لم يتحفظ المغرب لكن هناك مفاوضات لتطوير نوع الشراكة التي ستكون بين المغرب ومجلس التعاون الخليجي، لا شك أن هناك إرادة من الطرفين لتكون هذه العلاقة أقوى مايمكن وهذه الشراكة أعلى ما يمكن ولكن يحتاج إلى اجراءات، أي مجالات للشراكة أي أنواع ومستوى للتعاون في هذه الشراكة وإلا فعلاقة المغرب بمجلس التعاون الخليجي دائماً كانت ممتازة، ونحن شكرنا مجلس التعاون الخليجي على هذه المبادرة وهي تعكس أهمية المغرب في المنطقة، تعكس التقدير الذي يحظى به المغرب لدى مجلس التعاون الخليجي، تعكس مستوى الأخوة والتقارب بين الطرفين. ليس هناك أي تحفظ لا من هنا ولا من هناك، ولكن الأمر يتعلق بالشراكة الاستراتيجية والأمر يحتاج إلى تدقيق وإلى تفعيل، الآن هناك 9 لجان تشتغل في مجالات مختلفة سياسية اقتصادية اجتماعية ... إلخ. تشتغل لتضع اسس هذه الشراكة الاستراتيجية وسنقدم عليها من الغد.