إيليستا - لؤلؤة السهوب

أخبار روسيا

انسخ الرابطhttps://arabic.rt.com/prg/telecast/657241/

 

تقع مدينة أيليستا عاصمة جمهورية كالميكيا وسط سهوب مترامية الأطراف. اسمها مشتق من التربة التي تقوم عليها. مفردة أيليست باللغة الكلميكية تعني "الرمال". المعابد البوذية الكثيرة في المدينة تجعلها  مميزة تختلف عن غيرها من المدن  . فما من مدينة اخرى في العالم تشبه أيليستا. سكانها قرابة مائة الف نسمة.  وفي عشرين دقيقة يمكنك ان تقطع المسافة سيرا على الأقدام من أبعد طرف في المدينة حتى وسطها. في تلك الجولة يدهشك هدوء الشوارع  ونظافتها وطيبة الأهالي الذين يحدثونك بكل سرور عن مدينتهم الصغيرة الجميلة.

ذكرى الماضي السوفيتي في كالميكيا مطعمة ليس بالألوان البطولية وحدها. فالكلميك، شأن العديد من الأقوام والشعوب الصغيرة الأخرى،  وقعوا ضحية للإستبداد والتنكيل الستاليني. بعد عام على تحريرأيليستا من الإحتلال النازي تم تسفير جميع الكلميك في كنون الاول/ديسمبر 1943 الى  بقاع نائية في سيبيريا وكازاخستان وآسيا الوسطى. ومن بين المائة ألف مهجّر لقي الكثيرون مصرعهم في الطريق الطويل الى المنفى. وجرت تصفية الحكم الذاتي في كالميكيا وتم تبديل اسم أيليستا آنذاك وصارت تسمى ستيبنوي، بمعنى مدينة السهوب. ولم يسمح للكلميك بالعودة الى ديار الأجداد إلا  بعد اربعة عشر عاما. فعادوا في سنة 1957. وللتذكير بهذه الأحداث الفاجعة أقيم في أيليستا نـُصب "النزوح والعودة"، من تصميم النحات الروسي العالمي ارنست نيإزفيستني. يمكن الحديث طويلا عن طبيعة الأفكار التي جسدها النحات في هذا المجمع التذكاري. ويمكن الإكتفاء بالإعجاب  ببسالة الشعب الذي لا يقهر والذي عاد الى موطنه عبر كل المحن والويلات. هذا ما تتحدث عنه الصور والرموز الكثيرة المجسمة على كيان هذا النصب الجليل. انظروا الى زهرة اللوتس وفي وسطها ينام طفل رضيع ، والى سرب الخيل يجوب ربوع البلاد ، والى رأس بوذا رمز الخلود.

منذ زمن بعيد قبل ظهور مختلف طبقات الإشتراكيين الطوباويين، ناهيك عن كارل ماركس، ممن كانوا يحلمون بمجتمع الرفاه العام ، بنى الشعب الكالميكي شيوعية خاصة به، وإنْ في الطموحات والأمنيات فقط. الملاحم الشعبية وبطلها جانغار تتغنى ببلاد "البومبا" الزاهرة – ربوع الفتوة الدائمة وخلود الشباب، حيث الكل يعيشون في كفاف  ولا يتقاسمون الأشياء: هذا لي وهذا لك. وواضح ان بلاداً سحرية كهذه لابد ان يكون لها اعداء وحساد كثيرون يطمعون في غزوها. حامي "بومبا" الأول هو العملاق جانغار واعوانه الأوفياء الذين تصدوا لأعتى الغزاة وأشدهم غدرا. كانت الأناشيد التي تمجد البطل الأسطوري جانغار هي المحببة الى الشعب يغنيها منشدون ورواة متخصصون ، الجانغارلجية، الذين يتمتعون بتقدير عظيم واحترام بالغ لدى العامة. ومن هؤلاء الرواة والمنشدين أيليان أوفلا الذي يعتبر في كالميكيا من اعظم الشخوص التي يجسدها هذا النصب. فعلى لسانه تحديدا تم تسجيل الملاحم البطولية الشعبية التي تتغنى بمناقب جانغار.

قبل ما لا يزيد عن عشرين عاما كانت أيليستا مدينة سوفيتية مغمورة وكئيبة. اما اليوم فإن عاصمة كالميكيا  هذه تزهو وتزدهر كوردة متألقة في السهوب. إيليستا تشغل المرتبة الأولى بين مدن روسيا من حيث عدد التمائيل التي تخلق  في المدينة جوا دافئا ومهيبا في الوقت ذاته. أيليستا هي مركز البوذية في اوروبا. ولكي نفهم هذا الأمر يكفي ان نتجول في أرجاء المدينة لنتأكد وندهش لبساطة المعمار البوذي وأجوائه البهيجة. من اروع نماذج هذا المعمار ساعة "الوقت الثمين" وتسمى باللغة الكلميكية "أَردْني تساغ". وفيها تقترن رشاقة الهيكل العصري مع النقوش الكالميكية التقليدية. ونشير الى ان الأحمر والأصفر هما اللونان الإساسيان في العبادات البوذية ، بالإضافة الى عقارب الساعة في جوانبها الأربعة على الجهات الأربع. ولا أهمية لفصل السنة الذي يأتي فيه الشخص الى أيليستا،  ولا اليوم الذي يصل فيه اليها. في كل الأحوال يشاهد على ساعة "الوقت الثمين" التي هي رمز أيليستا وكالميكيا بأسرها صباحا منيرا مشمسا يعقبه نهار طويل رائع.