شقيق ميلوشيفيتش يستذكر مآسي حرب البوسنة والهرسك

انسخ الرابطhttps://arabic.rt.com/prg/telecast/657215/

مرت عشرون عاما على حرب البوسنة والهرسك .. المأساة التي صدمت كل أوروبا. برنامج "حديث اليوم" حاور السفير اليوغسلافي السابق لدى روسيا بوريسلاف ميلوشيفيتش، واستذكر معه أحداث تلك المأساة وآثارها.

وفيما يلي نص الحوار:

 

س-  عشرون عاما مرت على حرب البوسنة والهرسك . المأساة التي صدمت كل أوروبا. برأيك هل كان يمكن منع حدوث هذه الحرب؟

ج- بالطبع كان يمكن إيقافها. كانت هناك خطة تدعو إلى عقد اتفاق بين كل من الصرب والكروات والبوسنيين الذين يعيشون في البوسنة والهرسك. ووافق الجميع على هذه الخطة آنذاك، بمن فيهم الزعيم الإسلامي علي عزت بيغوفيتش، لكن الأمريكيين حطموا هذه الخطة ولم يسمحوا بالتوصل إلى اتفاق. وحذر الجميع حينها من احتمال اندلاع حرب أهلية، بمن فيهم سلوبودان ميلوشيفيتش، ورادوفان كاراجيتش، والرئيس الفرنسي آنذاك فرنسوا متيران، وحتى وزير الخارجية البريطاني الأسبق اللورد كارينغتون. وكان موقف ميلوشيفيتش واضحا وهو أنه في حال تم اعتراف المجتمع الدولي باستقلال البوسنة والهرسك قبيل التوصل إلى اتفاق فإن حربا أهلية ستندلع لا محال. وهذا ما حدث بالفعل، فعندما اعترفوا بالبوسنة والهرسك لم يكن هناك أي اتفاق بين الصرب والكروات والبوسنيين وذلك لأن الأمريكيين والفاتيكان لم يريدوا ذلك .. ولعب الفاتيكان دورا سلبيا في تلك الأزمة ويتحمل مسؤولية ما حدث في البلاد. وفي التاسع والعشرين من شهر فبراير/ شباط، والأول من مارس/ آذار أجري استفتاء حول الاستقلال. وفقا للدستور كان لا بد من أن يصوت لصالحة 66 في المائة من المواطنين على الأقل، لكنه لم يحقق هذا الرقم في المرة الأولى وكذلك في المرة الثانية فقد قاطعه الصرب. وصوت لصالحه المسلمون فقط والكروات الذين كانوا يشكلون أقلية. ويعتبر الصرب تاريخ بدء الحرب يوم الأول من مارس/ آذار، عندما قام بوسني بقتل والد العريس في عرس صربي أمام كنيسة أرثوذكسية. ومنذ تلك اللحظة بدأ العد التنازلي لبدء الحرب الاهلية. أما ذلك الرجل الذي قتل والد العريس فقد أصبح على الفور أحد الزعماء الإسلاميين في ساراييفو.

س- الصرب والكروات والبوسنيون . عشرات السنين كانوا يعيشون جنبا إلى جنب كالإخوة. فكيف حدث ان أصبح هؤلاء الأخوة بين ليلة وضحاها أعداء في حرب أهلية؟

ج- هذا لم يأت وحده من لا شيء. أولا لم يكن هناك كره، ولم نكن نسمي المسلمين آنذاك بالبوسنيين. كنا نطلق على الجميع بمن فيهم الكروات والصرب الذين يعيشون في البوسنة والهرسك بالبوسنيين. وبعد اندلاع الحرب تحت ضغط ودعم الدول الغربية العظمى كانت يوغسلافيا تنهار. وكانت هناك حركات انفصالية قوية. وكانت البوسنة تريد أن تكون لنفسها. أما المجتمع الدولي فلم يفعل شيئا . لم يحاول إنقاذ يوغسلافيا، بل العكس كان يحفز على الانفصال. أما الصرب فكانوا يريدون الحفاظ على يوغسلافيا وهذ ليس سرا. وفي البداية انفصلت كرواتيا وسلوفينيا ومن ثم البوسنة والهرسك . وهكذا انهارت يوغسلافيا. في الحقيقة كانت هناك حرب أهلية خلال الحرب العالمية الثانية وكذلك في يوغسلافيا، في  البوسنة لأن غالبية المسلمين أنذاك اتحدوا مع هتلر. وكانت هناك كتيبة معروفة أطلق عليها خان جار كانت تحارب في الجبهة الشرقية. أما الصرب فكانوا يحاربون ضد هتلر.

س- كيف لك ان تصف دور الولايات المتحدة وحلف الناتو في حرب البوسنة؟ وهل كانت خطواتهم مبررة آنذاك؟

ج- ما كانوا يقومون به لم يكن مبررا أبدا . قليلون من يقولون ذلك، لكن هذه المجتمعات الثلاث كانت تتحارب فيما بينها. كل واحد منها كان لديه جيش. في البداية كانت القوة لصالح الصرب كانوا يسيطرون على غالبية المناطق، وكان الوضع كذلك حتى عام 1994 عندما توجه الكروات الذي كانوا يسيطرون فقط على 10 في المائة من الأراضي في البوسنة إلى الولايات المتحدة والفاتيكان  لطلب الدعم والمساعدة. فالكروات مسيحيون كاثوليك. وحينها ساعدتهم الولايات المتحدة. وكانت هناك خطة تم تنفيذها بمساعدة الفاتيكان. وتنص تلك الخطة على وقف العمليات العسكرية بين الكروات والمسلمين - أي قامت الولايات المتحدة والفاتيكان بتوحيد الكروات والمسلمين ضد الصرب. وحينها انقلب الوضع على الأرض. وشهر نوفمبر 1995 بعد محادثات جرت في الولايات المتحدة بمدينة ديتون واتفاقيات باريس تم التوصل إلى سلام في البوسنة والهرسك. أما الناتو في البوسنة فلأول مرة خرج عن إطار مسؤولياته، وذلك من خلال عمليات قصف المواقع الصربية خاصة المدفعية حول ساراييفو. تم تأسيس الناتو عام 1949، وهناك وثائق واتفاقيات تأسيسية تحدد مجال وإطار عمل هذا الحلف. وقد تمت مخالفته لأول مرة في البوسنة في الحرب ضد صرب البوسنة.

س- غالبية الضحايا كانوا من بين البوسنيين إذ دارت الحرب على أراضيهم، ولكن الضحايا كانوا من قبل الطرفين الصرب والبوسنيين. ولكن ما كنا نراه وحتى إلى يومنا هذا هو أن وسائل الإعلام الغربية دائما تتحدث عن الضحايا البوسنيين، ولا تتكلم أو قليلا ما تتكلم عن الضحايا من بين الصرب.ألا تعتقدون بأن هناك حربا إعلامية موجهة ضد صربيا؟

ج- جعلت وسائل الإعلام من مدينة سريبرينيتسا غربي البوسنة مرادفة لمصطلح الإبادة الجماعية الذي اقترفه الصرب بحق المسلمين حسب تعبيرهمو .وفقا لإحصاءات يومنا هذا،  فقد قتل آنذاك 8 آلاف مسلم في هذه المدينة. لكن هناك بالفعل حربا إعلامية، فهذه الأرقام لم يتم التحقق والتأكد منها. والأهم من ذلك أن الضحايا لم يكونوا فقط  من المسلمين. وهناك عشرات من القرى الصربية التي تمت إبادتها بالكامل. ومن بين أولئك الـ8 آلاف الذين يتحدثون عنهم كان هناك مقاتلون.، ورجال يحملون السلاح. أما في تلك القرى الصربية فكان يقطنها مدنيون عاديون. وتم القضاء بالكامل على قرى بأيدي مسلمين. ولا يذكر ذلك في الغرب. أريد أن أشدد على أن الشعب الصربي أكثر من غيره يريد أن  يعرف الحقيقة عن مدينة سريبرينيتسا وما حدث فيها.

س- هل يمكن اعتبار الإعلان عن استقلال إقليم كوسوفو من جانب واحد إستمرارا لتلك الحرب وتقسيم يوغوسلافيا؟

ج- نعم بالطبع. يمكن اعتبار ذلك استمرارا لتدمير يوغسلافيا. أريد ان أقول وقد قلت ذلك مرارا إن تدمير يوغسلافيا لم ينته بعد. وقد يستمر هذا التدمير. فها هو إقليم كوسوفو قد أعلن استقلاله بداية عام 2008. وقد يتم بعد تفتيت أراضي يوغسلافيا السابقة.

س- لو نظرنا إلى ما يحدث الآن في العالم العربي، والربيع الذي عاشته دول عربية، ولو أخذنا سورية، الدولة متعددة القوميات والأديان، هل يمكن المقارنة بين ما حدث في يوغوسلافيا وما يحدث الآن في سورية؟ 

ج- دون أدنى شك. هذا أحد سيناريوهات ما حدث في يوغسلافيا. إنه أسلوب لتغيير العالم. في البداية يوغسلافيا ومن ثم جاءت ليبيا. وقد شاهدنا ما حدث هناك إذ بدأت عملية التفتيت. ويقولون إن هناك قوى إنفصالية تريد الاستقلال. وسورية كذلك أحد السيناريوهات. وتقول وسائل إعلام إن هناك عددا كبيرا من الضحايا، ولكن لا بد من التأكد من ذلك. وإيران أيضا هي الاخرى بمثابة هدف يريدون تدميره. كل ذلك يتم بواسطة الهيمنة العالمية التي تسعى الولايات المتحدة لنيلها بالاعتماد على حلف الناتو الذي تحول من منظمة إقليمية كما كان يراد له عند تأسيسه إلى منظمة عالمية  تسعى للسيطرة على الأحداث والموارد العالمية. وان الشرق الأوسط مليىء بهذه الموارد .

س- عشرون عاما مضت. الحرب انتهت والبلاد قسمت. برأيك، ما هي اكبر خسارة تسببت بها الحرب؟ ما هو شعورك كصربي إزاء تلك الأحداث؟

ج- إن الأراضي التي كان يقطنها الصرب قلت حتى الثلث. فقد  تم طردهم من كرواتيا حيث قل عددهم هناك من 17 في المائة آنذاك إلى 4 في المائة اليوم. وتم الحفاظ في البوسنة على جمهورية صيربسكا، لكن هناك مشكلات في إقليم بِرتشكو وفي حال تأزم الوضع هناك قد يؤدي ذلك إلى تقسيم صيربسكا إلى جزئين. وهاجر من إقليم كوسوفو نحو 250 ألف شخص أغلبهم من الصرب. في إحدى السنوات كان هناك أكثر من مليون لاجىء صربي. إنه أكبر عدد لللاجئين في أوروبا. وهناك دعم الآن لدولة ألبانية ثانية على 15 في المائة من الأراضي الصربية. وتدعم الدول الغربية ذلك. وحاولت صربيا وسلوبودان ميلوشيفيتش مقاومة ذلك آنذاك، ولذلك قادوا (الناتو) حربا وعدوانا على يوغسلافيا في عام 1999.