خبير اقتصادي دولي: النظام المالي العالمي بحاجة إلى قوانين وتنظيمات جديدة

مال وأعمال

انسخ الرابطhttps://arabic.rt.com/prg/telecast/657210/

أكد جان كلود تريشه،  رئيس "لجنة الثلاثين" التي تضم في عضويتها رؤوساء بنوك ووزراء مالية سابقين وأكاديميين اقتصاديين، على ضرورة استحداث قوانين وتنظيمات جديده  للنظام المالي على المستوى العالمي وكذلك على الصعد الوطنية. وقال تريشه في مقابلة مع برنامج "حديث اليوم": "هناك حاجه لان تتصرف جميع البلدان بطريقة مناسبة تثبت أن لها اقتصادات مستدامة على المدى البعيد كي تكون لها قدرة تنافسية". وأضاف تريشه الذي شغل منصب رئيس البنك المركزي الأوروبي في الفترة من عام 2003 ولغاية عام 2011، أنه يتعين على كل اقتصاد وطني ان يمتلك دائرة احصائية مستقلة تعمل بعيدا عن أية ضغوط على ايجاد الحلول المناسبة.

وفيما يلي نص المقابلة:

س-   ذكرت في مؤتمر الاحتياطي الفدرالي الذي عقد حديثا أن منطقة اليورو لا تزال في خضم الازمة بينما قال خليفتك في البنك المركزي الاوروبي إن اليورو اجتاز اسوأ مراحل الازمة.  هل تؤيد ذلك؟

ج- في الحقيقة كنت أشير الى حقيقة ما حصل وفقا لفهمي الخاص في الازمة التي حصلت في عام 2007، وهو أنه أصبح لدينا تكييف هيكلي مع الاقتصاد المتقدم. فعلى مدى الـ35 عاما الماضية شهد العالم أزمة أمريكية وأخرى أفريقية. كما شهدنا تحول جميع الاقتصادات الاشتراكية الى اقتصادات سوق قوية جدا، لكننا لم نكن نراقب اي جانب من جوانب الاقتصادات المتقدمة لأن تلك الاقتصادات هي التي يجب ان تكيّف قطاعاتها المالية مع الازمات والتقلبات المالية وغيرها بالاضافة الى سياساتها المالية. اعتقد أن الازمة هي ازمة مالية عالمية عصفت بالاقتصادات المتقدمة. ومما لا شك فيه أن الاقتصاد الاوروبي يعاني من صعوبات خاصة به وخاصة في ما يتعلق بادارة الاقتصاد.

س- فيما يخص الاقتصادي الاوروبي، هل اجتاز المرحلة الأسوأ؟

ج- نحن نعلم أننا نواجه عملا شاقا جدا، وهذا الأمر يتطلب من الجميع ان يظهروا ما لديهم من سياسيات مالية وسياسات اقتصادية بشكل عام، وأن تكون تلك السياسات قادرة على التنافس على المديين المتوسط والبعيد. وينطبق هذا على الاقتصاد الاوروبي وكذلك على الاقتصادات المتقدمة الاخرى.  وفي واقع الامر يطالب المستثمرون والمراقبون بأن تثبت هذه الاقتصادات كونها اقتصادات لها قدرة تنافسية مستدامة. وتتحمل منطقة اليورو بوجه الخصوص عبئا استثنائيا هنا كونها تواجه مشكلة خاصة تتعلق بادارة الاقتصاد.

س- بالحديث عن الاقتصاد المستدام في الولايات المتحدة، على سبيل المثال، يبلغ حجم الدين 15 تريليون دولار، بينما تصل الديون الكلية الى 57 تريليونا. ومن المتوقع أن يتم رفع سقف الديون مرة اخرى- ربما في نهاية هذه السنة.  هل سيتسبب هذا الامر في ازمة اقتصادية عالمية جديدة؟ وهل تعتبره مستداما؟

ج- آمل جدا بألا يصدر أي اقتصاد متقدم اشارت تدل على أنه سيتسبب في مشكلة اقتصادية. وانا واثق تماما من اننا لن نشهد  اي صراع جديد حول سقف الديون في الولايات المتحدة لأن التجربة السابقة اثبتت انها تجربه سيئة.  واكرر مرة اخرى ان على جميع البلدان ان تظهر انها تمتلك استراتيجيات اقتصادية وسياسيات مالية مستدامة على الاقل في المدى المتوسط، والا لن تكون موضع ثقة. ولذلك، وحسب فهمي للمشكلة، تعتبر مشكلة منطقة اليورو بؤرة لمشكلات أكبر تتصف بها جميع  الاقتصادات المتقدمة.

س- لو عدنا الى مسألة ادارة الاقتصاد،  يجادل بعض المراقبين في أن الخطأ يكمن في النظام الرأسمالي للسوق الحالية -  نظام السوق المالية.

ج- يمكنني القول إن اقتصاد السوق هو افضل وسيلة لجمع الثروات.  فحينما نذهب الى آسيا، مثلا، ونقارن اقتصاداتها بالاقتصادات المركزية سنرى فرقا شاسعا. وقد شاهدت هذا الامر بنفسي، وهذا يثبت ان اقتصادات السوق هي الوسيلة الاصح لجمع الثروات. كما ان اقتصادات السوق اثبتت انها اقتصادات قوية غير هشة، ولكن على مستوى الاقتصاد العالمي نحن بحاجة الى قوانين وتنظيمات جديده  للنظام المالي على المستوى العالمي وكذلك على المستوى الوطني. كما ان هناك حاجة إلى أن تتصرف جميع البلدان بطريقة مناسبة تثبت أن لها اقتصادات مستدامة على المدى البعيد كي تكون لها قدرة تنافسية. هذه هي الدروس التي يجب الاستفادة منها. اعتقد ان من فؤائد النظام العالمي المالي هو انه قابل للتكيف. ونحن ندعو جميع الاقتصادات المتقدمة إلى أن تحذو حذو الاقتصادات النامية من خلال اتباع الخطوات التي انتهجتها هذه الاقتصادات في الثمانينات والتسعينيات وفي بداية الألفية الثالثة.  الآن حان دورنا، حان دور الاقتصادات المتقدمة لتقوم بذلك.

س- تقول إننا بحاجه لتنظيمات وقوانين جديده تنظم السلوكيات الاقتصادية، ولكن كيف نضمن الالتزام بمثل هذه القوانين والتنظيمات الجديدة خاصة إذا ما نظرنا الى الازمات الاقتصادية التي تمر بها بعض البلدان مثل اليونان وازمة ديونها.  كيف نضمن أننا لن نتعرض لخروقات جديده لهذه القوانين التي تنظم عمل اقتصاد السوق؟

ج- أولا الشفافية أمر جوهري. ومرة أخرى اؤكد اننا تعلمنا الكثير من الصعوبات التي واجهناها خلال الازمة. لم يكن الامر كذلك مع الازمة الاقتصادية الاسيوية.   تبين لنا ان غياب الشفافية كان في قلب المشكلات التي واجهناها ايام الازمة. لذلك اعتقد انه يتوجب علينا العمل وفقا لهذه الانظمة والتعليمات الجديدة وباعلى مستوى من الشفافية. كما يتوجب على كل اقتصاد وطني ان يكون لديه دائرة احصائية مستقلة تعمل بعيدا عن اية ضغوط على ايجاد الحلول المناسبة. هذا الامر حيوي لجميع الاقتصادات سواء كانت متقدمة او نامية .

س- في الحديث عن اوروبا نفسها، رأينا مؤخرا توقيع الاتفاقية المالية الجديه من قبل الدول الاعضاء  وسنشهد تنظيمات جديدة اخرى. هل يمكن لأوروبا الوصول الى التكامل، الذي كنت أنت أحد الدعاة اليه اثناء تسنمك منصب رئيس البنك المركزي الاوربي،  دون تآكل العمليات الديمقراطية؟

ج- بالعكس تماما اعتقد بان هذه الخطوات ستطور العملية الديمقراطية. علينا ان نفهم اين نحن في الاتحاد الاوروبي-  لدينا 27 ديمقراطية. واقول انها ديمقراطيات مثالية. لدينا البرلمان الاوربي المنتخب من قبل الاعضاء، ولدينا محكمة العدالة التي تضم اعضاء من الدول الـ27، فضلا عن المفوضيات التي يتم اختيارها ديمقراطيا، والحكومات التي تشكل المجلس الاوروبي وهي حكومات ديمقراطية منتخبة في بلدانها. ولذلك الديمقراطية في كل مكان على المستوى الوطني وعلى المستوى الاوروبي. ويمكننا تطوير عمل تلك المؤسسات، ويمكننا منح البرلمان صلاحيات اكبر، وبدوره يمكن ان يعمل على تطوير العملية الديمقراطية في مؤسسات الاتحاد الاوروبي. كما هناك عمل متواصل بين البرلمان الاوروبي نفسه وبين البرلمانات الوطنية. ولذلك يتم تدقيق وفحص جميع الامور المتعلقة بعمل هذه المؤسسات. وهذا يعني ايضا اننا نريد من البلدان الاعضاء ان تظهر ديمقراطية وكفاءة في عملها باكبر قدر ممكن وكذلك كامل الاتحاد الاوروبي. إن الاشارة التي وصلتنا من الازمة الاقتصادية تتضمن دعوة الى تطوير ادارة اقتصاد منطقة اليوريو كوحدة واحدة. واظن ان هذه الخطوات قد شرع العمل بها من خلال القرارت الجديدة التي تم اتخاذها، والاتفاقية المالية التي تم مناقشتها.  وانا ادعوا الى تنفيذ سريع وفعال لهذه القوانين الجديدة،  واعني الحزم التنظيمية الست. وسيكون حينها من المشروع ان نتأمل في ما ستكون عليه اوروبا على المدى البعيد. يبدوا لي ان أسبابا حقيقية تدعو للتوحد اكثر من الاسباب التي كانت قائمة بعد الحرب العالمية الثانية. وحاليا لدينا قوى اقتصادية ذات تاثير اقتصادي استثنائي مثل والهند والصين وروسيا والبرازيل والمكسيك في حين لم تكن مثل هذه الاقتصادات موجودة في ذلك الوقت. ولم يكن هناك اقتصاد غير اقتصاد الولايات المتحدة. إن هذه الامور تحتم على الاوروبين التوحد اقتصاديا بقوة .

س- ذكرت ان هناك حاجة الى التوحد، وانه لا أحد يريد تحمل المسؤولية والعودة الى الوراء، ولكن هل عدم الرغبة بتحمل مسؤولية العودة الى الوراء يعد سببا كافيا للمضي قدما حتى وإن كانت هناك بدائل اخرى؟

ج- أعتقد ان  العامل التاريخي يقفز هنا مرة اخرى. إن الوحدة الاوروبية هي بعد لعملية تاريخية ذات معنى عميق، بالاضافة الى الاسباب الايجابية الكثيرة. انا واثق من انه لا يوجد اي قائد اوربي يريد تخيل مسالة العودة الى الوراء. انا على ثقة كاملة في ذلك، ولمسته من خلال لقاءاتي بهم. ولكن على رأس ذلك كله لدينا اسباب قوية حقيقية، وهي أن العالم قد تغير بكشل جوهري خلال الثلاثين سنة أو العشرين سنة الماضية.

س- ولكن، ومنذ اندلاع الأزمة هل يمكن لأوروبا الاستمرار في المضي قدما متوحدة، خاصة مع الازمة اليونانية والدعم المالي الذي تحصل عليه لانقاذها والتغلب على مشكلاتها؟

ج- لمواجهة اية مشكلة اعتقد بأنه يتعين على كل بلد اجراء تعديلات من شانها حل هذه المشكلة. إن الحل الذي توصل اليه الاتحاد الاوروبي بخصوص اليونان هو أفضل حل يمكن التوصل إليه .

س- هل تعتقد بأن هذه آخر معونات قد تحتاجها اليونان؟

ج- علينا أن ننتظر لنرى ما سيحدث. ولكن الالتزامات التي قطعتها حكومة اليونان والاجماع الاوروبي على اتخاذ هذه الخطوات بالاضافة الى مساعدة المجتمع الدولي، اعتقد أن هذه هي افضل وسيلة للتعامل مع الازمة اليونانية. وهذا ينطبق على جميع الاقتصادات المتقدمة والنامية. علينا جميعا القيام بعملنا.. ليس أمامنا وقت للمجاملات.