باكستان .. ومستقبل الوجود الامريكي في المنطقة

انسخ الرابطhttps://arabic.rt.com/prg/telecast/657044/

يستضيف برنامج "حديث اليوم" في هذه الحلقة الاستاذ زيد حامد مدير عام مركز براستاكس للدراسات الاستراتيجية والامنية، ليحدثنا عن اخر التطورات على الساحة الباكستانية، ولا سيما الصراع بين المؤسسات العسكرية والقضائية والمدنية.

س – هناك صراع ظاهر بين المؤسسات العسكرية والقضائية والمدنية. الى اين تتجه دفة الامور في باكستان؟

ج - تحليلا للوضع الراهن استطيع القول إن باكستان تمر بأوقات حرجة في تاريخها خاصة فيما يتعلق بقضية الأمن الوطني. حيث يظهر هذا من خلال الصراع الظاهر بين المؤسسات الوطنية الباكستانية.  فالحكومة المدنية والقائمون عليها مخترقون من الأجهزة الاستخبارتية الأمريكية التي تحاول أن تتشدق بمصطلح حماية الديمقراطية ولكن هدفها الأساسي تدمير وتفكيك الدولة الباكستانية كما فعلوا بالعراق ويفعلون اليوم بدول الشرق الأوسط. انهم يريدون إعادة رسم الحدود في العالم الإسلامي بما يسمى بالشرق الأوسط الكبير.  فالإطاحة بالحكومة وخلق الأزمات باستخدام الحرب الإعلامية وحركات التمرد والثورات المختلفة، كلها عوامل تساهم في اسقاط الحكومات دون تدخل خارجي ظاهر. هذا ما فعلوه في ليبيا والعراق واليمن وما يريدون تطبيقه في سورية وأيضا في باكستان. فالمخطط ضد باكستان بدأ بالتحديد منذ عشر سنوات وهدفهم هو الإيقاع بالمؤسسة العسكرية لأنها المؤسسة الوحيدة التي تدافع اليوم عن أمن باكستان. أما الحكومة التي يترأسها زرداري وحزب الشعب فهي التي قامت بكتابة المذكرة السرية المشهورة التي تطلب الاستعانة بتدخل الاستخبارات الأمريكية لتفكيك المؤسسة العسكرية. إن تدمير المؤسسة العسكرية سيفتح المجال للسيطرة على الترسانة النووية الباكستانية. فالمذكرة هي أكبر قضية خيانة عظمى تشهدها باكستان ضد الجيش ومؤسساته. فالجبهات متعددة أمام الجيش، فمن جانب يقوم بمواجهة الخونة المدنيين في الحكومة ومن جهة أخرى يحاول السيطرة على الجماعات الانفصالية والإرهابين الذين يتسللون عبر أفغانستان،  ناهيك عن الاختراق الكبير للمؤسسات الإعلامية المحلية التي تعمل وتسوق الأفكار الأمريكية والهندية. ويدفع جهازا الاستخبارات الأمريكي والهندي أموالا طائلة خفية لهذه المؤسسات لتنفيذ هذه المخططات، وأهمها هو تصعيد النقد للجيش بحجة حماية الديموقراطية. واصبح الجيش بين ناري حربين، حرب استخباراتية شعواء وصلت إلى أركان الحكومة، وحرب ميدانية في المناطق القبلية لدحر العناصر الإرهابية لحركة طالبان الباكستانية.  وها هي المحكمة العليا بعد أن عول الجيش واعتمد عليها في اتخاذ قرار حاسم ضد الحكومة في قضيتي المذكرة وقانون المصالحة الوطنية تتخلى عن المؤسسة العسكرية وتحاول إطالة الفصل في هذه القضايا، غير مقدرة خطورة الموقف. لذا هناك خياران أمام الجيش إما أن يتدخل ويفرض الأحكام العسكرية ويعطل العمل بكافة المؤسسات ويأخذ الأمور بيده لإحداث الاستقرار أو أن تتخذ المحكمة العليا قرارات حاسمة في هذه القضايا وتوجه تهمة الخيانة العظمى لكبار رجال الدولة في الحكومة الحالية ولكن هناك خوف كبير من أن تتخذ المحكمة العليا هذا القرار الذي قد يحدث حالة من الفوضى وقد يثير الإعلام ضد المحكمة والجيش وعندها قد تدخل البلاد في مواجهات غير مسبوقة بين المؤسسات العسكرية والمدنية والقضائية وهذا قد يجعل باكستان تنزلق إلى حالة من الفوضى العارمة وهذا ما تريده وترغب به القوى الخارجية ممثلة بالاستخبارات المركزية الأمريكية والهندية وقد تجد الحركات المسلحة ضالتها في مثل هذا السيناريو المعقد . وكل هذه المحاولات الحثيثة من قبل هذه القوى الخارجية بمساعدة مؤسسات داخلية كما ذكرت لك من قبل تهدف لإثارة الفوضى لاستهداف المؤسسة الاستخباراتية العسكرية الباكستانية بعينها والمؤسسة العسكرية ككل وعندها سيُفتح المجال كاملا للولايات المتحدة في باكستان بأن تفعل ما يحلو لها. وأود أن أؤكد بأن هناك حربا استخباراتية شعواء تدور بين الأجهزة الباكستانية من جانب و الأمريكية والهندية من جانب آخر  فالحكومة قامت بطرد المئات من عملاء السي أي إيه  وكان ذلك قرارا عسكريا في الأصل ولكن الحكومة المدنية تحاول تذليل العقبات امام عودة هؤلاء العملاء مرة أخرى. إذن الوضع خطير جدا فباكستان محاطة من جميع الجهات. الأمريكيون في الغرب من الجانب الأفغاني، والهنود في الشرق. الأمريكيون مستاءون جدا من قرار وقف الإمدادات اللوجيستية لهم في أفغانستان.

س – دعنا نأتي الى موضوع التدخل الامريكي في الشؤون السياسية لباكستان. هذا تاريخ معروف للاستخبارات الامريكية وغيرها من الاجهزة الاستخباراتية التي تتعاون معها. وهناك ملف بلوجستان وملف القبائل. وتقول ان المركز مهدد بالاختراق، كيف ترى السيناريو الاستراتيجي الاقليمي في ضوء ما يجري في افغانستان وفي ضوء قرار باكستان بوقف الامدادات العسكرية؟

ج - إذا عدنا إلى تاريخ الحادي عشر من سبتمبر/ايلول عندما ساهمت حكومة مشرف بتنفيذ قرار الولايات المتحدة بغزو أفغانستان وفتحت لها الطرق عبر الأراضي الباكستانية لعبور الإمدادات إلى أفغانستان،  ولم يستخدم الأمريكيون هذه الامدادات فقط لمحاربة من أسموهم بالإرهابيين في أفغانستان من حركة طالبان، بل قاموا بدعم وتمويل وتسليح الحركات الانفصالية داخل باكستان وعلى رأسها  طالبان الباكستانية. المدعومة من المخابرات الأمريكية وأجندتها هي شن  حرب ضد الجيش الباكستاني لإضعافه ناهيك عن الدعم المخابراتي لما يسمى بجيش تحرير بلوجستان والمجموعات الحزبية الأخرى مثل حزب الحركة القومية للمهاجرين في إقليم السند وحزب العوام البشتوني .

إن قرار وقف الامدادات للقوات الأطلسية لم يأت عفويا فهناك معلومات مؤكدة وصلت الى الجيش مفادها بأن هذه الامدادات تشمل أسلحة وذخيرة كافية لتسليح جيش بالكامل.  فهناك ما يقرب من ثلاثة آلاف وخمسمائة سيارة مدرعة ودبابات قتالية من طراز " أيه واحد  إم واحد" وقطع مدفعية وخمسة آلاف حاوية أخرى تحمل ذخيرة ومعدات عسكرية إذا حصرتها تكفي لغزو دولة قوية. هذه الشحنة أثارت مخاوف وقلق المؤسسة  العسكرية الباكستانية. لماذا تحتاج الولايات المتحدة التي تتحدث عن سحب قواتها من أفغانستان والتحدث مع طالبان سلميا  إلى كل هذه الترسانة العسكرية الضخمة؟ لقد اصبحت باكستان من أهم الدول الإسلامية على الإطلاق نظرا لامتلاكها للسلاح النووي. وأنا أرى بأن هذا السلاح وامتلاكنا لصواريخ رادعة قادرة على الوصول إلى الهند وإسرائيل هو الهدف الحقيقي لهذه القوى الخارجية/لان باكستان تُعتبر العمود الفقري لضمان أمن العالم الإسلامي ومنطقة الشرق الأوسط،  وليس بإمكان إسرائيل أن تنفذ خططها في الهيمنة والتوسع في الشرق الأوسط مع وجود سلاح ردع نووي إسلامي لدى باكستان وكذلك لا يمكن للهند أيضا أن تتوسع وأن تسيطر على منطقة آسيا قبل تدمير باكستان. فتحليلي الشخصي بأن هناك مثلثا استراتيجيا تتمثل أضلاعه في الهند وإسرائيل وأمريكا مشتركين في هدف واحد وهو تدمير باكستان آخر حصن قوي في العالم الإسلامي.  ولكن للأسف الشديد نحن محاصرون من كل جانب. فهذا المثلث حاصر ليبيا وسورية ويريدون اليوم محاصرة باكستان. وهناك حرب داخلية تدور بين المؤسسات الباكستانية، فالأمريكيون والهنود يراقبون الوضع عن كثب  وأرى بأن الحل يكمن إما بفرض الأحكام العرفية لمنع باكستان من الانزلاق الى حرب أهلية،  ففعليا باكستان اليوم دولة بلا رئيس وبلا حكومة ونحن نفتقر إلى حكومة مثالية تحكم البلاد أو مراقبة مالية أو قانونية أو دستورية فالجيش لا يرغب في التدخل فهو في هذه المرحلة يحاول الحفاظ على المؤسسات الوطنية والمدنية.

 س – ربما الملف الافغاني من اهم الملفات التي تهم القوى الاقليمية والدولية في هذه المنطقة، اضافة الى مايحدث في باكستان، ولكن ماذا تنتظر من السيناريو المستقبلي لافغانستان؟

ج -  هناك شيء مؤكد وهو ان مصير الامريكيين لن يعتمد على الاحداث التي تجري داخل افغانستان بل ان ذلك سيتقرر من قبل دول المنطقة فالامدادات تصل للامريكيين عبر باكستان، ولا توجد رغبة لدى اي دولة من دول المنطقة في ان تبقى القوات الامريكية في افغانستان واذا قررت دول المنطقة كباكستان وايران والصين وروسيا وتركيا بأن على الامريكيين المغادرة فإنه ليس لدى واشنطن خيار آخر غير الانسحاب. لقد خسروا الحرب في افغانستان فهم لم يحققوا اي تقدم عسكري هناك فلماذا يقومون بالحوار مع طالبان؟ اذا كانوا منتصرين فعلا. لقد عقدوا مؤتمر بون فقط من اجل ان يحصل الامريكيون على الشرعية الدولية في بقائهم بأفغانستان فهم يرغبون بالبقاء وقتا اطول ولكن باكستان رفضت المشاركة في المؤتمر مما عرضه للاخفاق وذلك لانه دون باكستان لا مستقبل للامريكان بأفغانستان.  فقد هزمت باكستان الاتحاد السوفييتي بأفغانستان والمجاهدون الافغان حاربوا ولكن السياسة العالمية واستراتيجية السياسة الخارجية قامت ببناء كل شيء حتى المخابرات الباكستانية وهذا الامر يخيف الامريكيين كثيرا حاليا فإذا اصبحت باكستان دولة معادية لهم فإن باكستان تمتلك من الخبرة والامكانات والاتصالات والموارد والخبرة التاريخية التي ستجعل وضع الولايات المتحدة كالاتحاد السوفييتي وهذا السبب الذي جعل باكستان توقف امدادات الناتو منذ شهرين من الوصول الى افغانستان. فباكستان أمرت الأمريكيين باخلاء قاعدة شمسي، وقاموا بذلك في غضون اسبوعين. وفي اي مكان في العالم اذا عجز الامريكيون عن المقاومة فإنهم يخلون القواعد وهم لا يستطيعون مقاومة باكستان. لدى باكستان علاقات ممتازة مع طالبان الافغانية وهي تقوم بإعادة بناء علاقاتها مع الاتحاد الشمالي والطاجيك والاوزبيك كما ان ايران تقف الى جانب باكستان. فايران وتركيا والصين سوف تدعم في اي ظرف سياسي الخارجية الباكستانية واذا تم جلب روسيا كذلك من اجل استراتيجية جماعية فإن مصير الامريكيين سيتقرر من قبلنا نحن لا من قبل الحكومة الامريكية او البنتاغون او الناتو. وهذا هو السيناريو الممكن حدوثه. ولكن اذا سُمح للامدادات الامريكية في باكستان بالعبور فإن ذلك سيبعث الامل لديهم في الاستمرار بالحرب في افغانستان لعامين آخرين على الاقل وسيعملون على بناء قواتهم من اجل سحق طالبان وشن هجوم على باكستان. لذا فمن الاهمية بمكان ان تقرر دول المنطقة وباكستان بشأن مصير ومستقبل افغانستان من خلال الاستمرار في وقف الامدادات وتهيئة بيئة سياسية من اجل إجبار واشنطن على الانسحاب فكلما زادت مدة بقاء الامريكيين في المنطقة فإن امكانية تحقيق الامن تبقى معدومة.

 س – هناك مخاوف من عودة الحرب الاهلية في افغانستان، فور رحيل القوات الامريكية من افغانستان، نظرا للتعددية العرقية والاثنية؟

ج -  هذا السؤال مثير للاهتمام فكما ترى أن انصار الوجود الامريكي يرفعون صوتهم دائما بأن هناك حربا مستمرة وانه اذا انسحبت القوات الامريكية من افغانستان فإن الحرب الاهلية ستتجدد، ولكن النقطة الاساسية، هي ان الحرب ما زالت مستعرة ولكن هذه المرة مع قوات خارجية محتلة، وحتى لو كانت هناك حرب اهلية في افغانستان فإنها لم تؤثر ابدا على اوضاع الدول المجاورة مثل باكستان وايران والصين وغيرها ولكن الوجود الامريكي زعزع الاوضاع في المنطقة بأسرها، واول عمل يجب القيام به هو التخلص من هذه الحرب التي فُرضت على افغانستان وانهاء وجود القوات الاجنبية وبعد ذلك سيكون هناك احتمال بأن تبدأ حرب اهلية جديدة. فالواقع يقول بأن هناك حربا مستعرة وهذا يعني بأن علينا استبدال هذه الحرب الحقيقية بحرب محتملة وقد يتحقق هذا السيناريو. واما السيناريو الاخر فهو اذا اتحدت ايران وباكستان معا والاوزبك القريبين من تركيا والطاجيك القريبين من ايران والبشتون القريبين من باكستان فلماذا نقول ان هناك امكانية لحصول حرب اهلية في ظل اتحاد تلك الدول مع بعضها؟ وحتى لو حصلت حرب بين مجموعات البشتون والطاجيك او الهزارة فإن هذه الحرب ستبقى حربا اهلية داخلية فعندما كانت الحرب الاهلية مستعرة في افغانستان بالتسعينات لم يكن هناك اي تدخل فيها ولم يكن هناك اي تهديد على باكستان او ايران ولم تكن هناك عمليات تفجير انتحارية في باكستان او حركة تمرد فيها فالافغان لديهم عادة القتال فيما بينهم ولا يمكن توحيدهم ولكن ليست لديهم رغبات توسعية ولا يُعتبرون تهديدا لدول الجوار. اما الامريكان فلهم اهداف توسعية وتاريخ في تدمير الدول واحتلالها وهذا يعني أن الامريكيين هم اكبر تهديد للمنطقة وليست الحرب الاهلية بأفغانستان.