يفغيني بريماكوف: ليس هناك قرار سياسي بعد في ايران لانتاج الاسلحة النووية

انسخ الرابطhttps://arabic.rt.com/prg/telecast/656855/

استضافت الحلقة الجديدة من برنامج "اصحاب القرار" الاكاديمي يفغيني بريماكوف الخبير في شؤون الشرق الاوسط . اليكم نص اللقاء:

س- يفغيني ماكسيموفيتش ، شكرا جزيلا لكم على الموافقة على إجراء هذا الحديث.. في الآونة الأخيرة هناك كثير مما يحدث في العالم.. مثلا إسرائيل وإيران قامتا مؤخرا بتبادل التهديدات الحادة للغاية.. وفي هذا الأمر ليس أي شيء جديد.. ,ونشهد مؤخرا أن إسرائيل تفرض العزلة على نفسها.. هل من الممكن أن نتوقع أي خطوات غير معقولة من جهة إسرائيل؟

- أعتقد أنكِ تطرحين السؤال بشكل صحيح.. ها هي إسرائيل تفرض على نفسها عزلة دولية بشكل ما.. ويظهر ذلك في اتجاهات متعددة.. بالطبع أحدها وهو الأخطر تصعيد التصريحات وحتى التحضيرات لتوجيه ضربة لإيران.. إن هذا الأمر خطير للغاية.. والنقطة الثانية في مسألة العزلة تكمن في أن الحكومة الإسرائيلية تقاتل من أجل الحفاظ على الوضع الراهن.. وتدفع الفلسطينيين إلى محاولات لإعلان دولتهم في المنظمات الدولية المختلفة، وكما تفهمين نجحوا بذلك في منظمة اليونيسكو.. وهذا مظهر من إدخال نفسها في عزلة أيضا.. إنه الرأي العام المضاد لأسرائيل.. وأخيرا الحادث الذي سمعناه مؤخرا بين أوباما وساركوزي خلال مباحثاتهما الخاصة من خلال تشغيل الميكرفونات.. ربما سمعتِ عنه.. فأتت حينذاك التصريحات غير المطرية من كلا الجانبين.. دون الأخذ في الاعتبار تصريحات أوباما، ما يلفت الانظار هو ما قاله ساركوزي بأن رئيس الوزراء الإسرائيلي كاذب.. ومع ذلك أجاب أوباما أنه يضطر للقاء معه كل يوم تقريبا.. هكذا ذكره أوباما دون أي إطراء أيضا.. وأعتقد أن كل ذلك انعكاس للسياسة الإسرائيلية غير الصحيحة وحتى غير الصحيحة للغاية كما أتصور..

إذا تكلمنا عن خطر توجيه الضربات الى إيران فآمل أن الولايات المتحدة لن تسمح بإجراء ذلك، واعتقد انه لا يمكن أن تحقق إسرائيل هذه العملية بنفسها بدون موافقة الولايات المتحدة. وهناك خطر كالآتي: لدى إسرائيل إمكانية مناقشة الموضوع ليس مع الإدارة فقط بل لها اتصالات مع البنتاغون وإدارة الاستخبارات المركزية والكونغرس والخ... يتواجد اللوبي الإسرائيلي في كل فروع السلطة هذه . وقد تستلم إسرائيل الإشارة الكاذبة وتبدأ العمل.

س- اي تقرون بان اسرائيل ستوجه الضربة علي ايران؟

- للأسف أقر بذلك. أود أن لا يحدث ذلك لأنه سيؤدي إلي نتائج خطيرة جدا. ويتحدث بعض المحللين في الوقت الراهن ان الولايات المتحدة تنتظر استعادة مستوى إنتاج النفط في العراق الأمر الذي يسمح بإعطاء الضوء الأخضر للضربة الإسرائيلية. ولكنني اعتقد أن هذه الفكرة غير صحيحة فإذا حدثت الضربة على إيران فانا متأكد ان إيران ستعمل كل ما في وسعها للسيطرة على الوضع في العراق ولا نعرف كيف ستسير الأمور في العراق بعد ذلك لأن إيران تتمتع بنفوذ كبير وسلطة في الطائفة الشيعية. والطائفة الشيعية تشكل أغلبية السكان في الجنوب(العراق)، حيث يبلغ عددهم 60%.

س - يعني، انتم تستبعدون أن يطبق سيناريو العراق في إيران عندما تزج أمريكا قواتها بحجة اتهامات عارية عن الصحة؟

- لا، لن تغزو. لأن ذلك سيؤدي إلى خسائر كبيرة. كما أن إيران ليست العراق. وفي نفس الوقت جرت الأمور في العراق بطريقة  خاصة. لأن صدام حسين حتى نهاية حياته كان يعتقد أن الأمريكان سيحافظون على نظامه من أجل موازنة إيران التي أصبحت دولة  إقليمية كبيرة.  وحتى الآن لا يوجد جواب على بعض الأسئلة، مثلا من أمر بوقف نيران الحرس الوطني(الجمهوري) الذي كان يحتفظ بقدرة قتالية؟ من اقترح عدم تفجير الجسورالتي مرت عليها الدبابات؟ وكانت الخسائر لدى الأمركان عند بداية الغزو قليلة جدا.  وكانت لدى العراق  أسلحة كثيرة. وعندي اعتقاد بأن تفسير ذلك هو وجود اتفاق مسبق. يجوز أن صدام لم يفهم إشارة معينة. هذا فى أحسن الأحوال. أما إيران فكل شيء فيها سيختلف تماما. إنزال القوات فيها وعمليات برية  يمكن أن تؤدي إلى خسائر فادحة.

 س- ما رأيك هل تريد إيران أن تحصل على القنبلة النووية؟

- إنني مقتنع أن إيران تريد أن تصل إلى حد تستطيع عنده أن تنتج الأسلحة النووية فنيا في حالة اتخاذ القرار السياسي عند الضرورة. وليس هناك قرار سياسي. على كل حال لا نعرف عن ذلك. اعتقد أن لا قرار سياسيا بعد. عندما كنت اعمل في خدمة المخابرات الخارجية الروسية عرفنا بالتأكيد أن القرار السياسي كان غير موجود، واعتقد الآن انه نعرف عن ذلك أيضا. راغبون بدرجة ما بالنسخة اليابانية، أي تكون ايران قادرة فنيا على إنتاج الأسلحة النووية في وقت قصير في حالة اتخاذ القرار السياسي واعتبار ذلك كوسيلة لحفاظ أمنها. وبالطبع لا احد يريد ذلك، لا تريد روسيا ولا تريد أمريكا ولا تريد أوروبا. نختلف في اساليب حل هذه المشكلة. فيعتبر شركاؤنا الغربيون انه يجب تشديد الضغط(على ايران) ، وأما نحن فنعتبر أن هذا الأسلوب هو عبارة عن الطريق إلى العدم. الأمر الإيجابي من حيث عدم إنتاج الأسلحة النووية الذي يمكن أن يكون في إيران هو التناقض في القيادة. عندما كان محمد خاتمي رئيسا للدولة جمع حوله قوى ديموقراطية وهي لا تزال موجودة. ومن الممكن أن تعمل هذه الآلية في وقت ما وتقرر إيران أن تفتح نفسها أمام الوكالة الدولية للطاقة الذرية لترفع عنها جميع الشبهات. ولكن إذا استمر الضغط عليها واستخدمنا العقوبات ضدها باستمرار فقد يؤدي ذلك إلى التضامن. اعتقد ان هذه السياسة هي سياسة غيرذكية.

 س- ما رأيك، ماذا سيحدث في إيران في المستقبل القريب؟

- اعتقد ان النهج الدبلوماسي في نهاية الأمر سيسود، وحسب رأي سيؤدي إلى نتائج إيجابية. وإيران لا تريد أيضا أن تواجه العالم كله. في الوقت الراهن تواجه ايران ليس الدول الغربية فقط بل وروسيا وكثيرا من الدول العربية بما فيها السعودية والدول التي أغلبية السكان فيها سنة. لا تريد هذه الدول ظهور مركز قوي للشيعة يملك الأسلحة الذرية. وهناك عدد كبير من المشاكل الإقليمية في منطقة الخليج العربي ولا تريد دول هذه المنطقة جارا يملك أسلحة ذرية.

س- أنتم تطرقتم إلى القضية الفلسطينية. تؤيد إيران فلسطين بكل الوسائل  الممكنة ولا تعترف بشرعية دولة إسرائيل. وقد بدأت منذ فترة قصيرة عملية تحول فلسطين إلى عضو في الأمم المتحدة. في رأيكم، هل يمكن تحقيق ذلك أم لا؟

- لا تستطيع فلسطين الآن أن تحصل على العضوية الكاملة في الأمم المتحدة، لأن الأمريكيين قالوا أنهم سوف يستخدمون حق الفيتو. وتعتبر موافقة مجلس الأمن ضرورية للإنضمام إلى الأمم المتحدة. وبإمكان فلسطين أيضا أن تطرح هذه القضية في الجمعية العامة، لكن ذلك لن يضمن لها التمتع بالحقوق الكاملة كعضو في الأمم المتحدة. وإذا صوتت أغلبية الدول لصالح فلسطين سيعزز ذلك كثيرا مواقعها على الصعيد الدولي، وهناك احتمال كبير لذلك. لكنه، في نفس الوقت، كما يبدو لي، يوجد هناك اتفاق ما بين واشنطن وفلسطين حول عدم التسرع في حل هذه القضية من قبل الفلسطينيين، وتفضل فلسطين أن تمارس التكتيك الاخر وهو الدخول في المنظمات الأممية الأخرى ومن ثم التوجه إلى الجمعية العامة.

س- لقد اشرتم إلى أن إسرائيل يتراجع نفوذها تدريجيا ، وقطعت علاقاتها مع تركيا ومصر. ويعرف الجميع ماذا قال ساركوزي وأوباما حول نتانياهو، كما تعاني إسرائيل من الأزمة الاقتصادية داخل البلاد.وحسب إعتقادكم، ما هو الدور الذي ستلعبه إسرائيل في المستقبل؟

- أتصور أنه من الأفضل بالنسبة لإسرائيل أن يصل إلى السلطة فيها مسؤولون سيجدون حلا وسطا في العلاقات مع فلسطين وسوريا، وبالمناسبة كان في إسرائيل رئيس وزراء تم إغتياله نتيجة لنداءاته إلى إحلال السلام مع فلسطين. وأركز على ضرورة الاتفاق مع السوريين لأن الاتفاق مع فلسطين فقط لن يكون كافيا للتسوية. وعلى اي حال بودي أن أبقى متفائلا. وأود  فعلا في أن يتحقق ذلك.

س- هل تعتقدون أن المشكلة الاساسية في إسرائيل اليوم تكمن في طبيعة القادة الذين يترأسون البلاد؟

- نعم، بلا شك، كما تكمن المشكلة كذلك في موقف الرأي العام. لكن الرأي العام قابل للتغيير. على سبيل المثال، الربيع العربي قد بدأ في تونس دون التأثير الخارجي، وأنا متأكد من ذلك. لا أعتبر هذه الأحداث نتاجا للدسائس الأوروبية أو الأمريكية. لقد كانت تلك الإحتجاجات أو الإنتفاضة أو، كما يقول البعض الثورة، عفوية.. لكن ما هي نتائج هذه الأحداث الآن وماذا عن نتائجها في المستقبل؟ يبدو لي أن الأمريكيين  في موقفهم من الدول العربية ينطلقون من رغبتهم في حماية مصالحهم الوطنية ونوع من الرومانتيكية. لماذا؟ لأن الإنسان الذي يتمنى نشر الديمقراطية الغربية في بلد عربي يجب أن يكون  رومانسيا..

س- هل الإسلام يتعارض مع الديمقراطية؟

- كلا، لا يكمن الأمر في الإسلام فحسب بل في التقاليد والتجربة التاريخية والخصائص الدينية والعقلية كذلك. لا يمكن تصدير الثورة أو الديمقراطية إلى دولة أخرى. والأمريكيون من هذه الناحية يشبهون التروتسكيين الذين كانوا يعتقدون أنه من الممكن تصدير الثورة إلى دولة أخرى وذلك بغض النظر عن طبيعة الظروف الداخلية في هذه الدولة. هناك كثير من الأمور التي لا بد من التفكير فيها، وعلى سبيل المثال، لقد نشأ الوضع المعقد في سيناء لدرجة أن الإسرائيليين اقترحوا دخول القوات المسلحة المصرية إلى سيناء، وهذا مخالفة لاتفاقية السلام الموقعة سابقا بين مصر وإسرائيل التي تنص على ضرورة نزع السلاح في هذه المنطقة. ورغم ذلك تطالب إسرائيل بدخول القوات المسلحة(المصرية) إليها، لأن الوضع هناك غير منضبط. وفي الآونة الأخيرة شهدت هذه المنطقة خمسة تفجيرات في خطوط الأنابيب التي يورَد الغاز إلى إسرائيل عبرها. كما توجد الآن إمكانيات للتغلغل في هذه المنطقة من قطاع غزة. ويقول البعض في إسرائيل أنه لا بد من احتلال غزة من جديد. لكن إذا حصل ذلك فإنه سيؤدي إلى حرب طويلة. لذلك أريد التركيز مرة أخرى على ضرورة الإستيلاء على السلطة في إسرائيل من قبل القوى الرصينة والمتفهمة والتي تعي خطر الأعمال المتطرفة  والتي تسعى إلى إحلال السلام مع الفلسطينيين وسوريا على اساس حل وسط. والتوصل إلى حل وسط بشأن كل القضايا العالقة أمر ممكن. ومثلا، قال الرئيس أوباما أنه يجب على إسرائيل الانسحاب من الأراضي المحتلة في عام 1967 مع امكانية تبادل الاراضي عند موافقة الجانبين  الفلسطيني والاسرائيلي. هذا الموقف واضح ويتطابق مع الموقف الروسي.

ثم قضية اللاجئين... يقولون ان هذه القضية معقدة للغاية. طبعا هي معقدة من حيث عودة اللاجئين، وعلى فكرة لا يوجد في العالم مكان عاد اليه اللاجئون بعدد كامل، لم يحصل ذلك في التاريخ العالمي. ولكن سبق لجمال عبد الناصر أثناء مراسلاته السرية مع رئيس وزراء اسرائيلي اسبق آنذاك ان افترض امكانية استخدام التعويضات كآلية محتملة. فاذا حصل اللاجئ على تعويضات مالية كبيرة لبناء سكن شرط التخلص من صفة "اللاجئ" فسيوافق كثير من اللاجئين على هذا الشرط. الامر الذي قد يساهم في تقليص عدد  اللاجئين العائدين الى فلسطين. اما اللاجئون الذين نزحوا عام 1948 فلم يبق منهم الا عدد قليل للأسف. فلذلك يمكن تسوية هذه القضية أيضا.

ثم قضية تقسيم القدس .. كانت خطة كلينتون(الرئيس الامريكي الاسبق) تنص على تقسيم القدس بشرط الحفاظ على وحدة المدينة التي تتحول إلى عاصمة للدولتين، والقدس الشرقية تعتبر عاصمة للدولة الفلسطينية. وأنا تحدثت آنذاك مع أصدقائي الفلسطينيين وقلت لهم أنهم أخطأوا  عندما رفضوا تبني هذه الخطة لأنها كانت مهمة وتستحق التبني.

قضية أمن إسرائيل .. بلا شك لا بد من مناقشة هذه القضية ويجب حلها باستخدام إجراءات معينة. والآن تتعرقل تسوية هذه القضية لأسباب عدة. فمن جهة نرى إجراءات أحادية الجانب تتخذها الحكومة الإسرائيلية التي تسعى إلى تخليد الوضع الحالي، ومن جهة أخرى تنخفض المساهمة الأمريكية وهذا الأمر واضح، لأنهم يريدون أن يأخذوا مهلة للفترة الانتخابية القادمة، والمرحلة الراهنة في السياسة الداخلية الأمريكية لا تعطي فرصا للرئيس الأمريكي كي يزيد من نشاطه في الشرق الأوسط وفي مسار التسوية الفلسطينية الإسرائيلية . أما المستقبل فالغموض يكتنفه. وإذا أنتُخب أوباما(اعادة انتخابه) فمن الممكن أن يستعيد موقفه الإيجابي من التسوية. أما إذا تم إنتخاب رئيس آخر فسيحتاج الأمر إلى فترة زمنية لكي يتمكن الرئيس الأمريكي الجديد من تفهم الموضوع وتسلم زمام الأمور في البيت الأبيض والخ.

فلذلك المهلة الحالية من قبل الأمريكيين شيء مبرر من وجهة نظرهم ، غير أن هذه الرؤية خطيرة لأنها تفتح مجالا أمام إمكانيات توجيه ضربة إسرائيلية ضد إيران، ونشهد الآن تطور حراك قد يؤدي إلى المزيد من التوتر.

س- أود أن نتناول مسألة الربيع العربي.. قلتم إنكم لا تؤمنون بأنه كان هناك تدخل خارجي..

- لا، قلت شيئا آخر.. لا أؤمن بأنه وُلد في البداية من خلال التدخل الخارجي..

س- وفي النهاية؟..

- وبعد ذلك - نعم، بالطبع.. شاهدنا ذلك في ليبيا وفي الدول الأخرى.. زرت واشنطن في الفترة التي شهدت مصر فيها الأحداث.. كان هناك صخب حقيقي.. تحدثت مع مادلين أولبرايت وزملائي السابقين الآخرين.. وكان كل ذلك مفاجأة بالنسبة لهم.. لأن مبارك كان زعيما مواليا للغرب وكان ،برأيهم، نفذ الوظائف السليمة.. عارض مبارك الإرهاب والإسلاميين المتطرفين.. وفجأة استقال.. وفي هذه الحالة راهنوا في البداية على عمر سليمان الذي كان رئيس المخابرات المصرية.. إنه ذكي جدا ومتعلم.. ولكن كان وثيق الصلة مع مبارك. ولهذا السبب توجه انتباههم(الامريكان) إلى الجيش.. وكانت للبنتاغون اتصالات هاتفية ومباحثات مع القيادة العسكرية المصرية.. هكذا حاول الأمريكيون ولا يزالون يحاولون الحفاظ على تلك المواقف التي كانت لهم سابقا وتسمح بالاعتماد عليها في المستقبل.. هذا واضح..ولكن من غير الصحيح  في البداية بأنهم أطاحوا بمبارك أو الرئيس التونسي..

س - يفغيني ماكسيموفيتش، إنه حسب تعبيرنا، الأسوأ هو ما حصلنا عليه في النتيجة.. وهو وجود إسلاميين متطرفين في السلطة المصرية والليبية والتونسية..

- لا، ليس الأمر كذلك.. اولا هناك تكتل قوى.. وأعتقد أنه قبل كل شيء لا يمكن الحديث عن انتصار الإسلاميين في تونس ومصر بشكل كامل.. طبعا سيحصلون على عدد معين من المقاعد في البرلمان، وربما سيكون العدد أكبر مما يُفترض.. ولكن مع ذلك يجب إيلاء الاهتمام بأن المنظمات الإسلامية تتطور في الاتجاه الاجتماعي وتعمل في القضايا الاجتماعية.. مثلا الإخوان المسلمين في مصر.. إنهم  يختلفون عن الإخوان المسلمين الذين سعوا في السابق إلى الإطاحة بـجمال عبد الناصر أو اغتياله. إنهم الآن آخرون.. طبعا من بينهم متطرفون إلا انني أعتقد مع ذلك أن الربيع العربي يؤثر على المنظمات الإسلامية لأن المنظمات الإسلامية التقليدية في مصر وتونس تصبح اليوم أكثر اعتدالا مقارنة عما كانت عليه في الماضي.. فلذلك هذا التأثير إيجابي من هذه الجهة.. أُنظري مثلا إلى  الإخوان المسلمين في مصر..إنهم  يقومون الآن بتأسيس حزب ويعلنون أنه يمكن للمسيحيين الدخول في صفوف أعضائه.. ومع ذلك لم يطرحوا قضية  رفض الدولة العلمية وإدراج الشريعة في الحياة العامة أو السياسية..

س- يقولون في ليببا أنه سيتم بناء الدولة على مبدأ الشريعة الإسلامية ..

- من قال هذا؟

- السلطات الجديدة في البلاد.

- هناك من يقول ذلك في ليبيا .. لكنني لا اعتقد أن يحدث ذلك في نهاية المطاف ..  بالطبع ليبيا ليست مصر .. بداية.. لا الأمريكيون ولا الدول الغربية قامت بدراسة وتحليل القوى المعارضة للقذافي وممن تتألف .. وهذا باعتقادي يدل ولو نسبيا على غياب المهنية .. لأنه بالفعل كانت هناك مجموعة ديمقراطية لم تكن راضية .. ولكن هناك أيضا القبائل .. كيرباتريك رئيس مكتب شؤون الشرق الاوسط في مجلة /وول سترييت/ الامريكية  بعد زيارته لليبيا في بداية اندلاع الأزمة قال إن هناك دولا وهناك قبائل لديها  أعلامها .. ملمحا بذلك إلى ليبيا ..

س - أي أنتم تعتقدون أن نظام الحكم في ليبيا لن يكون إسلاميا متشددا؟

- لا .. الاحتمال وارد .. فلا أحد يعرف كيف ستتطور الأوضاع هناك .. إنظروا إلى العراق .. أكثر من ثمانية أعوام ولا يستطيعون تحقيق الاستقرار في البلاد .. إنظروا .. نحن لم نعد حتى نتفاجأ بذلك .. فكل يوم نشاهد في التلفاز أن هناك عشرة .. عشرون .. ثلاثون شخصا قتلوا جراء التفجيرات في البلاد وما إلى ذلك .. فنحن قد تعودنا على ذلك وكأنه شيئ طبيعي ..  لكن ذلك في الحقيقة فوضى .. هذا بعد أكثر من ثمانية أعوام من الاحتلال .. ولا يستطيعون فعل شيء .. وماذا عن ليبيا ! في ليبيا سيكون الوضع أصعب .. لذلك لا اعتقد انهم حققوا في ليبيا أي نجاح كبير ..

س - إنطلاقا من نتائج إستطلاع الرأي الذي أجراه مركز ليفادا .. فإن خمسة وعشرين بالمئة من المواطنين الروس يعتقدون أن قتل القذافي تم لأنه كان يعرف الكثير ..

- على أي حال .. وسائل الإعلام الأمريكية نشرت أنه تم في واشنطن بحث مستقبل القذافي .. ومن بين الخيارات المطروحة كانت مسألة عدم بقائه حيا ..

س - نحن نراقب ما يحدث في سورية .. وكأن الاضطرابات قد خفت شيئا ما .. ستكون هناك انتخابات .. هل تعتقدون أن يتمكن بشار الأسد من البقاء في سدة الحكم؟

- أعتقد انه إذا تم إجراء انتخابات نزيهة فباستطاعته البقاء في سدة الحكم .. يمكن ان يبقى .. فقليلون هم من يفكر بمثل هذه التطورات .. إنظروا .. الربيع العربي في كل من ليبيا وسورية بدأ من خلال المقاومة المسلحة ضد النظام .. أريد أن أركز على كلمة مسلحة .. ولكن من أعطاهم السلاح! لا أعتقد أن كل شيئ كان نظيفا من هذه الناحية فيما يتعلق بهذين البلدين .. عدم التدخل أي عدم التحضير للأحداث يعود أكثر إلى مصر وتونس وكذلك البحرين التي كانت أحداثها تقف كالسكين في حلق الولايات المتحدة التي تمتلك هناك قاعدة لاسطولها الخامس..

س- هل يمكننا القول أن سورية اليوم تمكنت من تخطي عتبة التدخل الخارجي من قبل الناتو أم لا ؟

- أعتقد نعم .. فأنا لا أظن أن الغرب مستعد الآن أن يقوم بذلك دون موافقة مجلس الامن الدولي .. وأعتقد أننا سنكون أكثر حكمة مما كنا عليه خلال التصويت الأول في مجلس الامن.. ولن نوافق على أي مشروع تعطي بنود نصه الشرعية للتدخل في سورية .. كما انني لا أعتقد أن تسمح جامعة الدول العربية بذلك ..

س- من المعلوم أن الأسباب الاقتصادية كانت الدوافع الأساسية التي أدت إلى انهيار الاتحاد السوفياتي. يعني إذا نظرنا الآن إلى الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة والأزمة الاقتصادية التي تسودهما، هل تعتقد أن يؤدي ذلك إلى تفسخ هناك؟

- لا، لا أعتقد. من المؤكد أن الأزمة في أوروبا ستؤدي إلى عواقب خطيرة. أتذكر حديثا ممتعا جرى في العام الماضي بيني وبين شخص أحترمه جدا هو المستشار الألماني الأسبق هلموت شميت. إنه في الثاني والتسعين من عمره وهو في كامل قواه العقلية. لقد حكى لي أن ما يجري الآن في منطقة اليورو سيؤثر على الدول الأعضاء. يرى أنه قد يؤدي من ناحية إلى تكامل أكبر بين بعض منها في المجالات السياسية والاقتصادية وإلخ، ومن ناحية أخرى قد يسبب في أن يكون هناك تعامل مختلف مع الدول التي انضمت إلى صفوف العائلة الأوروبية مؤخرا والأعضاء القدماء الذين يتوافقون مع جميع متطلبات الاتحاد.

س - اسمح لي بهذا السؤال النظري.. بعد تفكك الاتحاد السوفياتي قام الناتو بقصف يوغوسلافيا. برأيك، لو لم ينهار الاتحاد السوفيتي، هل كان حصل العدوان الغربي ضد يوغوسلافيا وأفغانستان والعراق وليبيا؟

- فيما يخص عدوان الناتو ضد يوغوسلافيا، فهذا الأمر كان ممكنا حتى في زمن الاتحاد السوفييتي . لأنها خطوة اتخذتها أمريكا دون طلب موافقة مجلس الأمن. بل وأكثر من ذلك.. بعد أن انهار الاتحاد السوفيتي مباشرة يعني في النصف الأول من التسعينيات كانت سياسة روسيا الخارجية تميل إلى السير في أعقاب الولايات المتحدة وأن تكون روسيا مقادة من قبل أمريكا. عندئذ قالت الخارجية(الروسية) على لسان رئيسها: "يجب أن ندخل العالم الحضاري بكل الطرق الممكنة، والباقي أمور تافهة". يعني أمريكا كانت تتفهم أن هناك مثل هذه الآراء وأنها قد تكون مسيطرة على دوائر معينة. لذلك كانوا يعززون رغبتهم في التصرف بشكل مستقل عن روسيا أو الاتحاد السوفيتي.

س - وما هو الثمن الذي دفعته روسيا الحديثة على ذلك التغير في سياستها الخارجية، أقصد متابعة الولايات المتحدة بما في ذلك الاستماع إلى نصائح أمريكية خاصة في المجال الاقتصادي؟ كم كلف روسيا ذلك عدم الاستقلالية؟

- دفعنا ثمنا غاليا جدا. اقتصاديا خسرنا أكثر مما خسرناه أثناء الحرب العالمية الثانية. إذا تحدثنا بكل صراحة وجدية، دعينا ننظر إلى المداولات التي تجري في محكمة لندن بين أبراموفيتش وبيريزوفسكي والتي تفضح وقائع رهيبة، مثل السبل التي كانت تقام بها الأعمال على كافة المستويات وصولا إلى الكرملين، والطرق التي أجريت بها الخصخصة. برأي، لا يمكن أن نتحدث عن مزايا التسعينات في ضوء كل هذا.

س - سؤالي الآخير. كانت للاتحاد السوفيتي أيديولوجيا معينة. مثل هذه الأيديولوجيا ضرورية لكل دولة عظمى. برأيك، هل وجدت روسيا اليوم ايديولوجيا جديدة  لنفسها؟

- في الحقيقة إذا تحدثنا عن الفكرة الوطنية فهي لم تتشكل بشكل نهائي في روسيا إلى هذا الحين. لكن الجميع يعيشون من أجل جعل الحياة أفضل ومن أجل أن تصبح بلادنا أكثر أمنا. أيضا يجب تحسين الحالة الديموغرافية وتغيير النموذج الاقتصادي، لأن النموذج الذي كنا نعتمد عليه قبل وقوع الأزمة في عام ألفين وثمانية غير مقبول في المستقبل. إنه أمر واضح. كل هذه المهمات تشكل الفكرة الوطنة لروسيا الحديثة.

- شكرا لكم على هذا اللقاء ..

تعليمات استخدام خدمة التعليقات على صفحات موقع قناة "RT Arabic" (اضغط هنا)