خبير اقتصادي :الحروب لن تنتشل العالم من حالة ركود الاقتصاد..

مال وأعمال

انسخ الرابطhttps://arabic.rt.com/prg/telecast/656737/

استضاف برنامج "حديث اليوم" الخبير الاقتصادي الروسي المعروف ميخائيل ديلياغين - مدير معهد دراسة مشاكل العولمة المستشار الاسبق لرئيس وزارء روسيا الذي اجاب عن عدة اسئلة:

س: المواطن البسيط في كل مكان، ربما سأم من سماع الحديث عن أزمة اليونان واليورو.. فما يعنيه فقط، هو كيفية تأثر حياته بذلك.. كيف ستتأثر حياة المواطن البسيط بالأزمة القادمة؟

ج :إفلاس اليونان ليس كارثياً بحد ذاته.. وهو لن يحدث الآن، بل في أمد أبعد قليلاً.. ولن يتغير في ذلك البلد شئ: ففرص العمل ستبقى غائبة، وكذلك ستطوى برامج الضمان الاجتماعي تدريجياً.. وستأتي حكومات تقف عاجزة أمام المشكلات وتذهب.. وما يهم هنا، هو أن أسعار سندات الديون اليونانية ستهوي.. أما المصارف الأوروبية التي تملك هذه السندات، فقد أصيبت بالجمود.

وتوقفت عن إقراض بعضها، لخوفها من انهيار المصارف المقترضة..وبسبب هذا الجمود، حدث نقص حاد في السيولة، مما دفع المصارف لبيع ما بيدها من أوراق مالية، فانخفضت أسواق المال على الأثر، وارتفع الطلب على السيولة أي على الدولار واليورو.. ومع كل ذلك، لا يمكنني أن أسمي ما يجري كارثة، إنه مجرد مشكلة كبيرة فحسب.. أما الكارثة فتتوقف على ما يحصل في الولايات المتحدة.. فقد رأينا مؤخراً كيف رفع الجمهوريون أصواتهم رافضين زيادة سقف الدين الأمريكي. تلك المشكلة طويت بعد شئ من النقاش والقلق، وصولاً إلى تخفيض طفيف للتصنيف الائتماني لواشنطن.. بينما تمكن أوباما من زيادة سقف الدين، ونظراً للوضع الاقتصادي المتردي في البلاد، فإن الدين العام الأمريكي يمكن أن يتعاظم ليصل إلى السقف الجديد بحلول الانتخابات الرئاسية الأميركية المقبلة.. وحينها، عندما يأتي أوباما باسطاً يده إلى الكونغرس، في شهر سبتمبر/ أيلول من العام المقبل مثلاً.. أوباما سيقابل عندئذ بأصوات رافضة داحضة، تدعو للعيش وفقاً للإمكانات المتاحة، ولتقليص الإنفاق العام، وعدم رمي مشكلاته على الآخرين، وما إلى ذلك..سنواجه عندئذ إفلاساً تقنياً للولايات المتحدة.. وهذا أعظم شأناً بكثير من اليونان وأوروبا كلها.. لأن أمريكا هي قاعدة الاقتصاد العالمي، أردنا ذلك أم أبينا .. دائنو أمريكا سيلتزمون الصمت، كماحدث سنة 1971 من القرن الماضي.. فالقوة العسكرية الأمريكية كفيلة بإسكات جميع الدائنين الممتعضين.. ومع ذلك، فالإفلاس التقني يعني انهيار أسعار السندات الأمريكية التي تمثل الأداة الرئيسية للرهون المالية اليوم.. وبالتالي، فإن الدائنين سيرجعون إلى المستقرضين لدى انهيار أسعار السندات، مطالبين بتقديم رهون إضافية، فتلك السندات المرهونة أصلاً، لم تعد تغطي قيمة مبالغ الديون الممنوحة.. ما سينتهي بنا إلى أزمة نقص سيولة شديدة على غرار أزمة انهيار مصرف "ليمان برذرز" عام 2008ولكن أشد بعشر مرات..

ومن أجل الحصول على السيولة، ستعرض الأصول في الأسواق للبيع، لتنهار أسعارها.. النفط معني بذلك بالدرجة الأولى، فما الذي سيحصل إذا ما هوى سعره إلى عشرة دولارات ، وبقي عند هذا الحد ستة أشهر مثلاً.. أعتقد عندئذ أن دولاً كثيرة مثل روسيا أو السعودية أو حتى الكويت، ستكون في وضع سئ للغاية.. بالمناسبة، إن أموال النفط تتوزع بهذا الشكل أو ذلك ضمن الاقتصاد، لتصل إلى المواطن في نهاية المطاف.. لذا فالمواطن سيشعر أن جيوبه فارغة لدى انهيار سعر النفط..

س:يعتقد البعض أن ثمة من ينتظر اندلاع الأزمة الجديدة بفارغ الصبر.. لأنها ستتيح له تحقيق مكاسب كبيرة.. وفي لقاء على الهواء مباشرة بثته قناة "بي بي سي" مؤخراً فجر ضيف اللقاء، وهو أحد المضاربين والخبراء الاستثماريين، فجر مفاجأة من النوع الثقيل، عندما أعلن على الملأ أنه يحلم بقدوم الأزمة منذ سنوات، وأن رجال المال والمستثمرين لا يكترثون بما يحدث في اليونان وأوروبا، ولا بما تفعله الحكومات.. لأنها لا تحكم العالم.. إنما يحكمه مصرف "غولدمان ساكس" الأمريكي المعروف.. ما هو تعليقك على ذلك؟؟

ج:حسناً.. سأجيبك عبر المثال التالي: الولايات المتحدة هي عماد الاقتصاد العالمي.. وعماد الولايات المتحدة الأمريكية، هو المجلس الاحتياطي الفدرالي.. وحتى يومنا هذا، فإن كل من ترأس هذا المجلس.. كان يعمل فيما سبق في مصرف "غولدمان ساكس" الأمريكي.. وهذا دليل على أن المجلس الاحتياطي الفدرالي هو عبارة عن هيئة ذات طابع خاص تملك نفوذاً أكبر من أي هيئة أخرى على الإطلاق..

أما بالنسبة للقضية الأخرى التي طرحتها، والتي تتعلق بعدم الاكتراث المطلق من جانب رجال المال والأشخاص العاملين في الأسواق العالمية بمصير حكومة أو دولة أو حتى شعب ما.. فهذا مؤكد.. لأن هؤلاء الأشخاص لا يعيشون ضمن بلدان بالمعنى الذي نعرفه، هم يقطنون في فنادق من فئة خمس أو سبع نجوم تقع في مناطق آمنة.. ففي دول معينة، تحرسها مدرعات مجهزة بصواريخ، وفي دول أخرى، يحرسها رجال أمن لا يحملون سلاحاً.. وهؤلاء رجال المال والمضاربون لا يكترثون البتة بما يجري خارج جدران إقاماتهم تلك.. كل ما يهمهم هو كسب المال، وهو أمر يغدو صعباً في ظروف عدم اليقين وغياب الاستقرار.. فقد انتهت حقبة نمو الأسواق، ما يعني أنهم بحاجة لمرحلة جديدة، هي الهبوط، لأن انحدار أسعار الأوراق المالية يخرجهم من منطقة عدم اليقين إلى رقعة أخرى، فيها توجه واضح نحو الهبوط.. فكل ما يهم المضارب هو تبلور توجه في حركة السوق، سواء كان للأعلى أم للأسفل.. والآن مع انتهاء حقبة النمو كما ذكرت.. يبقى الاحتمال الآخر وهو الهبوط الذي ينتظره المضاربون.. وبكلمة أخرى، عندما يهوي المصعد من الطابق التاسع مثلاً.. فرجل المال والمضاربون سيفرحون، لأنهم سيجنون ربحاً من الهبوط، كما كانوا سيجنوه لو أن المصعد انطلق إلى الفضاء..

س: يعتقد البعض أن الأزمات الاقتصادية تحل بالحروب.. هل تصح هذه الرؤية برأيك فيما يتعلق بالأزمة المقبلة؟

ج: حتى حكام كوريا الشمالية اليوم، لديهم سلاح نووي.. لذا فإطلاق حرب كونية أمر مخيف بلا شك.. أعتقد أن الحروب القادمة ستكون على غرار ما نشهده الآن في ليبيا.. فالحرب لن تكون هذه المرة، حرب العالم الديمقراطي ضد الفاشية مثلاً.. بل قد تكون حرباً ضد العالم العربي مثلاً، ليتم بداية بث الفوضى فيه، ليهرب مواطنوه من المنطقة إلى كل صوب.. وليتم بعدئذ ضربه بشدة.. هذا مثال ممكن.. الحرب ستكون من نمط جديد.. فهي حرب مرعبة لأنها شاملة تقع في كل مكان، كما ويصعب الاختباء منها.. فما من خطوط جبهة هنا.. بل هي تتطلب بذل كافة الجهود والقوى.. كما إنها لا تدفع لاستخدام السلاح النووي.. الحرب ستندلع بين قوى مختلفة ضمن أراضي الدول.. فالجيش الذي يخوض الحرب في سورية ضد الأسد.. هل هو جيش دولة معينة؟ فهو ليس جيش الناتو مثلاً؟ بل هو عبارة عن قوى مختلفة.. وفي ليبيا تعاون الناتو مع القاعدة للإطاحة بالقذافي! يا له من حلف!! هذا هو نمط الحروب الجديدة.. وهي لن تنتشل العالم بالضرورة من الركود..

س: المواطن العربي، في الواقع، مشغول عن هموم اليونان واليورو بما تشهده المنطقة العربية من أحداث.. كيف يبدو لك مستقبل البلدان العربية على ضوء أزمة اليونان وكيف سيتأثر المواطن البسيط في تلك الدول جراء الأزمة المقبلة المتزامنة مع الاضطرابات؟

ج: المواطن العربي سيكون في وضع سئ للغاية.. سيواجه قنابل منهمرة.. أو أسعار النفط المتردية.. ولن تستطيع حكوماته حمايته بسبب انخفاض اداء الإدارة الحكومية في معظم الدول العربية.. وعندما يصبح المواطن العربي على حافة الفقر، قد يتدخل الإخوان المسلمون لمساعدته..

وقد لا يتدخلون.. في جميع الأحوال، سيكون المواطن العربي وحيداً أمام تلك المشكلات.. لذا لا يمكنني للأسف أن أبعث الأمل في المواطن العربي لأن الأوضاع ستسوء تدريجياً.. وباستثناء الدول العربية المضحى بها الآن، مثل تونس وليبيا ومصر وسورية واليمن ربما.. في الدول الأخرى الأوضاع ستكون مقبولة حتى انهيار أسعار النفط، ولكن ذلك لن يحدث في غضون عام من الآن.. لذا أعتقد بوجوب استغلال هذه الفترة كآخر عام من الاستقرار من أجل الحصول على تخصص مهني جديد بطريقة ما، وربما شراء بعض الذهب الذي ما زال رخيصاً الآن، يجب التحضير لتردي الوضع الذي سيبقى على تلك الحال السيئة ليس لعام أو عامين، بل لجيل أو جيلين.. يجب على المواطن العربي أن يحيا في هذه الظروف، دون الانحدار إلى البربرية، ودون أن يتحول أطفاله إلى ما هو على غرار قراصنة الصومال.. كل بلد عربي له خصوصياته.. هناك دول أمامها آفاق واضحة.. أنا أومن بأن سورية ستتمكن من الحفاظ على الاستقرار بغض النظر عن كل شئ.. وأنا آمل أن يحافظ اليمن على استقراره الشائك.. ومع ذلك سيحافظ عليه.. ولكني لا أتصور كيف ستكسب تونس المال.. لا أعلم ذلك.. أما كيف ستخرج ليبيا من الفوضى؟ أنا لا أومن أنها ستخرج منه.. ثم ما هو مورد مصر المالي، بعد عودة العمالة المهاجرة إليها وبعد انتكاس قطاعها السياحي؟ لا أجد جواباً لهذا السؤال.. أخشى أن تتحول مصر تدريجياً إلى سودان من غير نفط..

س:هل ترى ثمة مخرج من هذا الواقع المخيف الذي رسمته؟ ألا يوجد حتى بصيص أمل للخلاص؟

ج:الخلاص يكمن في الانتقال من اقتصاد المضاربة إلى اقتصاد الإنتاج.. فالشركات الاحتكارية العالمية، تهلك إما بسبب المنافسة، أو التطور التقني.. وهي الآن تكبح هذا التطور بنجاح وذلك عبر آليات كحقوق الملكية الفكرية وبراءات الاختراع وغيرها.. ولكنه من المستحيل إيقاف التطور العلمي إلى الأبد.. لأنه سيخترق الحصار المفروض عليه.. وعندما تظهر تقنية جديدة تكون في متناول يد الجميع، الملايين عبر العالم سيتمكنون من تأسيس مؤسسات إنتاجية في أماكن لا يمكن فيها فعل ذلك اليوم بسبب المنافسة، وسيحصل المليارات من البشر حول العالم ممن اصيبوا اليوم بالقنوط والبطالة، سيحصلون على إمكانية العمل في تلك المؤسسات.. الطريق إلى هذه المرحلة ستكون شاقة.. وللأسف.. فإن الغرب الذي تسيطر عليه الشركات العالمية الاحتكارية، والخاضع لاستعبادها الفكري.. ليس حليفاً لنا في قطع تلك الطريق..

 على أية حال.. الجميع سيخسرون من الأزمة.. والمصعد الذي ضربته لك مثلاً، قد هوى فعلاً من أعلى البناء.. ولا فرق إذا ما كنت فوق أم تحت، فالجميع داخل ذلك المصعد.. وحتى المضارب الدولي الذي لا يكترث بشئ، سيربح لبرهة فقط، لتطيح به بعد ذلك موجة غياب الاستقرار أو البطالة.. بوسعك إذا ما كنت مضارباً مالياً أن تبني يختاً تمخر به عباب المحيطات من غير أن تكترث بما يجري على شواطئها.. وستبقى كذلك إلى أن تضطر للتزود بالوقود.. وعندها ستصطدم بحقيقة ما يجري في كل مكان من العالم..

تعليمات استخدام خدمة التعليقات على صفحات موقع قناة "RT Arabic" (اضغط هنا)