خبير اقتصادي: الازمة المالية العالمية قادمة والعالم العربي سيشهد فصلاً جديداً من الثورات

انسخ الرابطhttps://arabic.rt.com/prg/telecast/656665/

كشف المعلق الاقتصادي  الروسي ستيبان ديمورا احتمال حدوث ازمة مالية عالمية واسباب الازمة المالية في اليونان وتداعيتها  في لقاء مع برنامج " حديث اليوم" حيث اجاب عن اسئلة مندوبنا:

س: البروفسور الأمريكي نورييل روبيني الذي تكهن باندلاع الأزمة المالية عام 2008، توقع مؤخراً اندلاع أزمة جديدة عام 2013.. هل توافقه الرأي في ذلك؟

ج: أنا اتفق مع فكرة أننا مقبلون على ما يسميه البعض موجة ثانية من الأزمة.. وأنا شخصياً أرى أننا لم نتمكن من الخروج حتى من الموجة الأولى.. فتنامي أسواق المال خلال الفترة السابقة، يفسر بضخ السيولة فيها ليس إلا.. وبالنسبة لتكرار ما حدث عام 2008، أعتقد أن الأزمة ستكرر على نحو أشد بكثير.. لماذا؟ لأن كل تلك المشكلات الاقتصادية الراهنة مثل مشكلة الديون السيادية التي تستحيل خدمتها، ومشكلة تدهور دخل الفرد، وتضخم أسعار الغذاء.. كل تلك المشكلات التي نشعر بها، ليست إلا جزءاً يسيراً من المعضلة،وما خفي أعظم بكثير!

فكما هو معلوم نشبت أزمة ألفين وثمانية من أزمة الرهون العقارية الأمريكية مرتفعة المخاطر.. وهذه المشكلة ما زالت قائمة.. وأضيفت إليها الآن مشكلة استمرار تدهور أسعار العقارات في الولايات المتحدة، ما ينذر بدوره باندلاع أزمة رهون عقارية جديدة، لم تعتبر مشكلة من قبل، وهي الرهون العقارية منخفضة المخاطر.. فهذه الشريحة من القروض العقارية التي انطوت على مخاطر أقل، كانت تعد من الديون الآمنة.. أما اليوم ومع انخفاض دخل المواطن الأمريكي وارتفاع معدلات البطالة، فإن تلك الرهون العقارية تتحول إلى رهون مرتفعة المخاطر..

علاوة على كل ذلك، فقد واجهتنا أزمة الديون السيادية التي لا يوجد سبيل لحلها إلا بإشهار الإفلاس.. كل المشكلات التي استعرضتها تقترب برأيي من نهايتها المنطقية، وهي اندلاع أزمة إفلاس على مستوى عالمي تطال دولاً كثيرة، ما يفضي إلى حدوث ركود واسع على غرار ما حدث في اليابان مطلع التسعينات من القرن الماضي.. بيد أن المشكلة الآن أسوأ بكثير، لأن المشكلة لن تقتصر على اليابان فقط، بل ستجد كل الدول المتقدمة نفسها في هذا المأزق..

س: حسناً، لنتحدث الآن عن أزمة الديون السيادية، فما الذي يجري برأيكم في اليونان حالياً، لماذا يميل المستثمرون في الوقت الراهن، إلى فكرة أن أثينا لن تستطيع الإفلات من الإفلاس هذه المرة؟

ج:بدأت مشكلة اليونان من النفقات العسكرية الكبيرة التي أثقلت كاهل أثينا خلال الثمانينيات من القرن الماضي عند توتر العلاقات مع تركيا.. كما أدى انضمام اليونان إلى منطقة اليورو إلى تضاعف الأسعار مرتين بين ليلة وضحاها، واضطرت الحكومة إلى رفع رواتب الموظفين ومعاشات الضمان الاجتماعي، ما تسبب بتشكل دين كبير عولت الحكومة على إعادة تمويله باستمرار.. وبعد اندلاع أزمة عام 2008 ،انحسرت معدلات الاستهلاك في أوروبا.. وانخفضت معها إيرادات الخزينة اليونانية بسبب انكماش شريحة دافعي الضرائب... لتجد الحكومة نفسها عاجزة عن إعادة تمويل الدين.. وقد ساعد الأوروبيون أثينا عبر منحها عدداً من حُزم الإنقاذ المشروطة، ومن تلك الشروط: خفض الإنفاق الحكومي وتقليص عجز الموازنة وفق برنامج محدد.. والآن اتضح أن اليونان لم تستطع الالتزام بهذا البرنامج.. لماذا؟ لأن الإجراءات الموجهة لتقليص الإنفاق الحكومي في بلدٍ ثلُثُ العاملين فيه من موظفي الدولة، أدت إلى انخفاض الاستهلاك، وإلى انكماش شريحة دافعي الضرائب بدرجة أكبر من ذي قبل..ومع ذلك، أعتقد أن الأوروبيين، سيقدمون لليونان مزيداً من حُزم الإنقاذ المالي.. لأن الألمان والفرنسيين، لا ينقذون من خلالها اليونان، بل ينقذون منظوماتهم المصرفية..

س:  نعم، ولكن مواطني الدول الأوروبية القوية اقتصادياً يعارضون على ما يبدو أن تتم مساعدة اليونان وغيرها من الاقتصادات المتعثرة على حسابهم.. ولقد رأينا خسارة حزب المستشارة أنجيلا ميركل في عدد من انتخابات الأقاليم في ألمانيا.. كذلك شهدنا رغبة فنلندية في الحصول على ضمانات من اليونان مقابل القروض.. فما السبيل إلى إنقاذ اليونان في هذه الظروف إذا؟

ج: الاقتصاد الألماني يشهد نمواً متواضعاً.. وقد بدأ المواطن الألماني يدرك أن دخله لا يزيد، في حين، تزيد معدلات التضخم.. لذا، يمكنني تفهم موقف المواطن الألماني الرافض لإنقاذ الآخرين بأمواله. فتلك أموال دافعي الضرائب الألمان.. أما شعبية ميركل فبدأت تتراجع بعد حادثة معروفة.. فقد دخلت المستشارة الألمانية ترافقها طواقم الإعلام إلى أحد المطاعم.. وهناك سألت المستشارة أحد الحضور ممن كانوا يحتفون خلف موائد عامرة عن رأيه في أوضاع الاقتصاد.. فأجابها أن الأحوال ممتازة، وأن أعماله مزدهرة.. وهنا تدخل أحد الصحفيين مستفسراً عن عمل ذلك الرجل.. فأجابه: إنه محام مختص بقضايا الإفلاس.. وبعد هذه الحادثة بدأت تتراجع شعبية ميركل..

س: حسناً، هذا إذاً يشير إلى أن المواطن الألماني لا يريد إنقاذ اليونان على حسابه.. وبالمقابل، رأينا معارضةً شعبيةً واسعةً في اليونان لبنود برنامج خطة الإنقاذ الأوروبية.. فالمواطن اليوناني لا يكترث بإعلان إفلاس البلاد، لأن ما يخشاه هو اجراءات التقشف الصارمة المفروضة أوروبياً.. في هذه الحالة، لمصلحة من يجري إنقاذ اليونان، وفي سبيل ماذا؟

ج: في سبيل انقاذ المصارف الأوروبية والأمريكية الكبرى.. المصارف الألمانية والفرنسية مثلاً تملك سندات دين يونانية بقيمة ثلاثمئة مليار يورو تقريباً.. لذا فإن هذه المصارف ستضطر لشطب هذه الديون حال إعلانِ اليونان عن إفلاسها.. والمشكلة أن إفلاس اليونان سيتبعه إفلاس اسبانيا والبرتغال وإيطاليا أيضاً على ما يبدو.. في هذه الحالة فإن تلك المصارف ستنهار بالكامل..

س: حسناً، ولكن أليس من الأفضل بالنسبة الى  أوروبا، إنقاذ تلك المصارف من إنقاذ دول عدة؟

ج: أعتقد أنه من الأفضل لهم، التخلص من تلك المصارف، عبر آليات كهيئات ضمان الودائع وطباعة العملة لضمان حقوق مودعي تلك المصارف.. أما المصارف، فيجب التخلص منها لأنها غير قادرة على الحياة..

س: هل ترى أن الأمور بدأت تسير وفق هذا السيناريو، أم لا؟

ج: ليس بعد.. أعتقد أنه سيستمر تقديم الأموال لليونان حتى آخر رمَق..

س: حسناً، وفي حال أفلست اليونان في نهاية المطاف، وتبعتها دول أخرى كما تقول.. ما تبعات ذلك على المنظومة الاقتصادية العالمية؟؟

ج: أعتقد أن عدم استقرار المنظومة الاقتصادية والمالية الراهنة كبير للغاية.. بحيث يمكن لأدنى هزة أن تودي به.. لقد شهدنا آلية حدوث ذلك عام2008 وأعتقد أن انهيار هذه المنظومة بدأ منذ سنوات، في حين يجب البحث عن أسبابه الأولى مطلع السبعينيات من القرن الماضي عندما توقف الأمريكيون عن ربط الدولار بالذهب.. والانهيار آت لا محالة.. ولا سبيل إلى إصلاح المنظومة برأيي.. افلاس اليونان سيكون له أثر مشابه لانهيار مصرف "ليمان براذرز" الأمريكي عام 2008.. وستنهار المنظومة المصرفية العالمية.. إشارات عديدة تشير إلى ذلك.. فإمكانية استقراض المال الآن مثلاً غير متوفرة تقريباً.. ومصارفُ كثيرةٌ حتى الكبيرةُ منها عاجزة عن الاستقراض الآن..

س: حسناً، وماذا بخصوص الولايات المتحدة.. هل تعتقد أن واشنطن ستطلق حزمة التيسير الكمي الثالثة.. لقد سمعنا ما قاله أوباما عن نيته إيجادَ وظائفَ عبر توظيف مليارات الدولارات في شق الطرق.. واللافت أن ذلك يمثل تطبيقاً حرفياً لنظرية "جون كينز" الشهيرة إبان أزمة الكساد العظيم في القرن المنصرم.. يعني لا يوجد أي حلول جديدة للمشكلة؟

ج: أعتقد أن المستشارين الاقتصاديين لأوباما يعون أن الآلية التي نجحت إبان حكم الرئيس الأمريكي روزفلت، لن تنجح الآن.. لأن الصناعات هجرت الولايات المتحدة إلى أماكن أخرى.. فكل دولار أنفقه روزفلت على شق الطرق.. ولد أثراً اقتصادياً كبيراً، لأنه شغل مصانع الجرارات والاسمنت والفولاذ وغيرها.. وكل تلك الصناعات كانت موجودة في الولايات المتحدة، ووفرت فرص عمل للأمريكيين.. والآن، ستتدفق الدولارات المصروفة إلى خارج أمريكا حيث تتمركز مصانع الجرارات وآليات شق الطرق والإسمنت وما إلى ذلك.. ليستفيد الصينيون، والمكسيكيون وغيرهم.. لذلك أعتقد أن خطة أوباما لن تنجح في تقليص البطالة..

س: حسناً، في هذه الحالة، كيف ستتأثر الاقتصادات والدول بالأزمة المقبلة، وما هي تداعياتها على صعيد الإنسان البسيط؟

ج: ستتغير المسلمات التي تسيّر المجتمعات.. ستتغير أنماط استهلاك الفرد.. أعتقد أن الصين ستكون أكثر المتضررين.. لأن نوعية أغلب المنتجات الصينية ضعيفة.. أما أنماط الاستهلاك فستتغير، لأن الفرد لن يملك نقوداً كافية لشراء سلعة أو مادة بعينها عدة مرات.. لأنه سيبحث عن سلعة ذات جُودة تخدمه طويلاً.. وفي هذه الحال تضعف تنافسية المنتجات الصينية.. وبشكل عام سيكون الجميع في عداد الخاسرين.. ولكن دولاً مثل ألمانيا واليابان ستكون في وضع أفضل من غيرها لتطور صناعاتها.. أما الولايات المتحدة وبريطانيا مثلاً.. فستخسر لأنها اعتمدت على القطاع المالي على حساب قطاعات الإنتاج الحقيقي.. وضمن مجموعة الخاسرين، ستندرج دول لم تطور صناعاتها بل بنت اقتصاداتها اعتماداً على قطاعات استخراجية.. ومنها روسيا والدول العربية النفطية.. وبشأن العالم العربي بوجه خاص، أعتقد أنه سيشهد فصلاً جديداً من الثورات.. وهي ربما لن تكون هذه المرة خاضعة للغرب..  أما أسعار النفط فستهوي، نظراً لتقلص الطلب عليه، وهروب أموال المضاربين المستثمرة في النفط والتي رفعت السعر إلى مستويات كبيرة.. وبالنتيجة لن تكفي الموارد النفطية لسد احتياجات جميع شرائح مواطني تلك البلدان، ما ينذر بالفوضى وبموجة ثورات جديدة..

س: يا لهذه الصورة القاتمة التي رسمتها.. ألا ترى أي بصيص نور إيجابي فيها؟ أتقصد أننا مقبلون على مرحلة ركود عالمي كبير؟

ج:ليس لدي أي سبب للتفاؤل.. نحن نشهد الآن مرحلة انكسار منظومة مالية واقتصادية ومصرفية قديمة أفلست.. ونحن مضطرون الآن للبحث عن منظومة جديدة.. ما ينتظرنا هو ركود غير مسبوق.. يفضي إلى نزاعات وحروب من أجل الماء والغذاء.. وعلى صعيد الإنسان البسيط، أنصحه بأن يعيش على مبدأ: أبسط رجليك، على قدر بساطك.. وأن يتخلص مما عليه من قروض وأن يعتمد على نفسه في أشياء كتقديم العون الصحي بشكله البسيط.. وأن يشتري سلاحاً للدفاع عن نفسه وأسرته.. لا تستغرب!

أنظر ماذا حصل إبان الأزمة المالية في الأرجنتين عام 2001، عندما لم يتوفر لدى الحكومة مال لدفع رواتب الشرطة والأطباء ورجال الإطفاء.. النتيجة كانت الفوضى العارمة..

س: لا أود أن أنهي لقاءنا بهذه الصورة المتشائمة.. هل لديك ما تضيفه؟

ج: لا أعتقد ذلك..

تعليمات استخدام خدمة التعليقات على صفحات موقع قناة "RT Arabic" (اضغط هنا)