خبير مالي: النظام السياسي الامريكي يفتقد الى الفعالية في معالجة المشاكل الاقتصادية

انسخ الرابطhttps://arabic.rt.com/prg/telecast/656612/

إلتقى برنامج " حديث اليوم" سيرغي افونتسيف استاذ العلاقات الدولية والاقتصادية في اكاديمية الاقتصاد الدولي باكاديمية العلوم الروسية الذي ابدى رأيه بمسألة تخفيض التصنيف الائتماني في الولايات المتحدة وتبعاته:

س - نلاحظ تراجع الأسواق بعد موافقة الكونغرس على خطة خفض العجز. كيف تقرأون هذا الواقع وآفاقه المستقبلية؟

ج- في الواقع ما يحدث في الأيام الأخيرة يعكس عدم فعالية النظام السياسي للولايات المتحدة لاتخاذ الحلول الفعالة في مجالات السياسة الاقتصادية.  وما حدث يقدم مثالا غير مقبول تجسد في مواجهة بين طرفين هما حزبا الكونغرس. كل حزب يرفض تقديم التنازلات لأنه يفكر بالتحضير للانتخابات، وبالنتيجة تمت التضحية بالاقتصاد الوطني. والحل الذي تم اتخاذه في اللحظات الأخيرة لم يستقبل على أنه إشارة لتحسين الوضع وإنما حل جزئي لقسم من المشاكل ولا يضمن الحل النهائي لمشاكل الموازنة والدين السيادي. والنشاطات التي سبقت ذلك أخافت المستثمرين من أن كل حل مقبل لن تتلقاه السوق بفعالية، لأن النخبة السياسية الأمريكية ستستمر بإرسال إشارات سلبية للأسواق وهذا لا يمكن أن ينعش المستثمرين ووكالات التصنيف الائتماني.

 س - قامت وكالة ستاندرد أند بورز بتخفيض التصنيف الائتماني للولايات المتحدة من آآآ إلى آآ+. لماذا لم تقم بذلك في عام 2008 حين حدثت الأزمة؟

ج- هذا سؤال معقد يتعلق بتغيّر وضع وكالات التصنيف في السنتين الأخيرتين. يمكن القول أن هذه الوكالات استرخت في ظروف المؤشرات الاقتصادية المرتفعة وصاغت قواعدها الداخلية للعبة، والتي كانت تعتمد على تحسن الأداء وليس على انعكاس النبض السلبي. لكنهم تعلموا الكثير في السنوات الماضية وقاموا بتصحيح استراتيجياتهم، وبرأيي أن هذا القرار محق الآن.

س - هل تواجه الولايات المتحدة إحتمال تخفيض تصنيفها الائتماني مرة أخرى؟ ما هي التداعيات المحتملة أمريكيا وعالميا؟

ج- لا يمكنني الحديث الآن عن احتمال تخفيض جديد من قبل ستاندرد أند بورز ولكن يمكن أن تقوم بهذه الخطوة إحدى الوكالات الثلاث الكبرى، إن لم تتبع الحكومة الأمريكية والكونغرس خطوات جدية لتحسين وضع الموازنة. أما آثار ذلك، فستنعكس على شكل ذعر جديد في الأسواق، وخسائر حقيقية للمؤسسات المالية، في البداية الأمريكية ومن ثم في العالم. أما بشأن تفاقمها لتحدث أزمة كما في عام 2008، فالمبررات قليلة. ولكن إن استمرت الولايات المتحدة باتباع سياسة غير مسؤولة في مجال الموازنة بأن تنشغل بالخلافات السياسية وليس في حل المشاكلات الاقتصادية، فإن هذا السيناريو يصبح أكثر واقعية.

 س - ما يحدث الآن! هل يشكل مبررا لمخاوف حقيقية من وقوع الاقتصاد الأمريكي وبالتالي العالمي في دورة ركود جديدة؟

 ج- إن مخاطر تطور الأحداث بهذا الشكل مازالت ضعيفة. وحتى تصبح واقعية يجب الأخذ بعين الاعتبار عاملين: الأول الاستمرار بسياسة أمريكية غير محددة بشأن الموازنة، فإن لم تطبق بشكل فعال تلك الحلول التي أقرت وإن لم تتبع إجراءات أخرى مناسبة لحل مشكلة عجز الموازنة، فإنَّ حالة القلق في الأسواق ستزداد. والمشكلة الثانية هي واقع الاقتصاد في الدول الأوروبية ومشكلة المقترضين الكبار في منطقة اليورو، وهنا نرى أن البنك المركزي الأوروبي يتخذ خطوات أكثر فعالية لحل المشكلة من خطوات الاحتياطي الفدرالي. وهذا يوحي بأن مشكلات هذه الدول سيتم حلها ولكن حجم هذه المشاكل كبير إلى حد لا يمكن معه التنبؤ بأن مشكلة الديون في إيطاليا مثلا لن تتفاقم. وبالتالي فإن عامل الخطر هذا باق فإن استمر مع تراجع الأسواق يمكن أن يحدث تدهور.

س- هل يدفعنا ما تقدم للاستنتاج بأن الاقتصاد الأمريكي تخلى عن دوره الريادي في الاقتصاد العالمي وبالتالي الدولار أيضا؟

ج- لم تتخل عن موقعها كاقتصاد ريادي، ولكنها وجهت لنفسها ضربة قاسية. أما فيما يتعلق بموقف المستثمرين من كينونتها كأكبر لاعب في أسواق المال فإنك يمكن أن تخطئ مرة ثم تصحح الخطأ، ولكن عندما تكرر الخطأ فالتصحيح يصبح أصعب لإعادة الثقة. فقد ارتكب خطأ جدي في عام 2008 عندما سمحوا بإفلاس بنك ليمان برذرز الذي حفز التدهور في أسواق المال. والآن ارتكب خطأ كبير أيضا يتعلق بعدم اتخاذ حل فعال لمشكلة الدين السيادي ، لأنه كان من الممكن حل هذه المشكلة منذ شهرين بالاتفاق على الالتزامات بتقليص النفقات وزيادة الدخل يأخذه الكونغرس على عاتقه. هذا لم يتم، وعوضا عن ذلك جرت هذه المسرحية بتصادم المصالح الحزبية ولم يؤد هذا إلا إلى الإساءة لسمعة الولايات المتحدة.

س- إذا لماذا تبقى سندات الخزانة ملاذا للمستثمرين إلى جانب الذهب ؟ هل استعاد المستثمرون ثقتهم في الاقتصاد الأمريكي؟

ج- المسألة هنا ليست في استعادة الثقة بل إن المستثمرين يلجأون في أوقات الأزمات إلى أصول أكثر تفاؤلا وهذا تقليد يتبع في حالات الذعر التي تعم الأسواق إذ يلجأون إلى الذهب والسندات الحكومية الأكثر أمانا فإن نظرنا إلى سوق السندات الحكومية نرى أن سندات الخزانة الأمريكية هي الأكثر أمانا وبالتالي فإن المستثمرين يشترون السندات السويسرية واليابانية ولكن لا يوجد في هذه الأسواق كميات تلبي طلب المستثمرين وبالتالي يلجأون إلى السندات الأمريكية.

س- قرر البنك المركزي الأوروبي القيام بعملية شراء سندات حكومية من الأسواق في إطار العمل على تطويق أزمة الديون في منطقة اليورو. هل ترون أن هذا الإجراء سيحقق الغرض المطلوب؟ وماذا بشأن تخفيض تصنيف البنوك الفرنسية؟

ج- إن قرار البنك المركزي كان صحيحا وفي وقته المناسب، ما انعكس ايجابا على الأسواق وقد لاحظنا ميول الأسواق الأوروبية إلى الصعود بداية الأسبوع، لكن سلبية أداء السوق الأمريكية دفعتها إلى التراجع. وأكرر أن حجم مشكلات الديون في منطقة اليورو كبير وهذا يدفعنا إلى التساؤل فيما لو وجدت المصادر الكافية لدى المركزي الأوروبي لحل هذه المشاكل. أما السوق الفرنسية فهذا شيء آخر، هذه ظاهرة جديدة تتعلق بتفعيل نشاطات المضاربين في السوق ورغم أن وكالات التصنيف أكدت التصنيف السيادي العالي لفرنسا إلا أن الهجوم استمر وهذا يتعلق بعامل زعزعة الاستقرار من قبل المضاربين في السوق وهنا نواجه خطر إمكانية ظهور مشكلات عند الاقتصادات المتعافية.

س- ما هو حجم السوق الروسية عالميا؟ وما مدى جدية هذه المخاطر عليها بشكل خاص وعلى الاقتصاد الروسي بشكل عام؟

ج- إن حجم سوقنا بالنسبة للأسواق العالمية غير كبير بل يمثل إحدى الأسواق الملحوظة بين دول الاقتصادات الصاعدة وهي لا تقرر قواعد اللعبة وليست مركز اهتمام اللاعبين الأساسيين وبالتالي تتأثر بالعوامل الخارجية ولا يحددها الاقتصاد المحلي. الاقتصاد الروسي لم يتضمن مبررات الأزمة في عام 2008 أو الآن. والإشارات الخارجية تسبب خسائر جدية وهذا ينعكس الآن في سوق المال ويحتمل أن يتأثر الاقتصاد الحقيقي فيما بعد. ما يجب فعله هو عدم السماح بتغلغل الذعر في المؤسسات المالية. وما أعلنه رئيس الوزراء عن استعداد الحكومة لتقديم الدعم بضخ السيولة إلى المؤسسات المالية الروسية هو إعلان صحيح وقد استقبلته السوق بشكل إيجابي وهذه مشكلة قصيرة الأجل أما المصاعب الأطول أمدا فتتلخص في أن التهديد لا يمس السيولة فهي كافية الآن وقد جرى سحبها من السوق ويمكن إعادتها في أي وقت عند إقرار الهدوء وإعادة الثقة. لكن الأمر يتعلق بتغيير التصنيف الائتماني، إذ تتفاقم المشكلة بشأن الوضع المالي للدولة وبالتالي رغم أن الدين الحكومي الروسي ليس كبيرا إلا أنه يترتب عليها أن تعير اهتماما ملحوظا لإدارة نفقات ودخل الموازنة وأن لا تسمح بنفقات غير مبررة.

 س- نعلم أن الاقتصاد الروسي يعتمد أساسا على تصدير النفط والخامات الأخرى ما توقعاتكم بشأن أسعار النفط؟ وما مصير العملات العالمية وبالنتيجة الروبل؟

ج-. لا أرى في الوقت الحالي أسبابا تدعو للاعتقاد بأن أسعار النفط ستنخفض عن مستوى تسعين دولارا للبرميل. وبالتالي فإن السعر المعتمد في الموازنة الروسية بنحو خمسة وتسعين دولارا للبرميل واقعي جدا. وأتوقع أن يكون معدل الأسعار السنوي سيكون أعلى من ذلك. أما بشأن الروبل فإن سعر صرفه يتقلب ولا أرى في ذلك حرجا لأننا سمعنا في الفترة الأخيرة أن سعر صرف الروبل مرتفع اصطناعيا بسبب تدفق الدولارات النفطية. الآن تجري عملية تصحيح في السوق وما يهمنا أن يجري ذلك بشكل انسيابي وبدون حركات حادة في السوق. وقد تراكمت الخبرة الكافية لدى البنك المركزي لمواجهة هذه المشكلة. أما على المدى البعيد فهذا يتعلق بالسياسة النقدية والإقراضية التي سيتم اتباعها والأهم سياسة الموازنة. فإذا تمكنا من محاربة التضخم بشكل فعال ولم تتجاوز النفقات الدخل في الموازنة فإن الروبل سيتعزز وسيكون جذابا للتعاملات في الحسابات الدولية وبالطبع هذا السيناريو متفائل.

تعليمات استخدام خدمة التعليقات على صفحات موقع قناة "RT Arabic" (اضغط هنا)