خبير روسي : يلزمنا نظام مالي جديد لا يعتمد على الاحتياطي الامريكي

مال وأعمال

انسخ الرابطhttps://arabic.rt.com/prg/telecast/656587/

استضاف برنامج " حديث اليوم " الخبير الاقتصادي الروسي سيرغي غلازييف أكاديمي، السكرتير المسؤول في لجنة الاتحاد الجمركي الذي اجاب عن اسئلة مندوبنا حول تداعيات الوضع في مجال رفع سقف المديونية في الولايات المتحدة وتأثير ذلك على الاقتصاد العالمي.

س . نعود اليوم إلى نقطة انطلاق أزمة المال العالمية التي بدأت في الولايات المتحدة الأمريكية.حيث يواجه العالم احتمال إعلان عجز هذه الدولة عن الإيفاء بالتزاماتها تجاه الدين السيادي الفدرالي. ويحتدم الصراع بين الجمهوريين وإدارة أوباما بشأن الاتفاق على رفع سقف هذا الدين. كيف تقيمون هذا الصراع؟ وهل ان إعلان العجز واقع محتمل؟

ج -  يتفكك العالم اليوم لتشكيل نظام مالي عالمي جديد بصرف النظر عن تطور مجرى الأحداث في الولايات المتحدة وأنا على يقين من أن حصة الدولار في الحسابات الدولية ستنخفض خلال السنوات الثلاث المقبلة وسترتفع حصة اليوان بشكل ملحوظ . ومن المحتمل أن يصبح الروبل عملة موحدة في الفضاء الاقتصادي الموحد في إقليمنا أي روسيا  وبلدان رابطة الدول المستقلة. هذا نتيجة لوقوع الاقتصاد الأمريكي في فخ الديون الذي لا مخرج منه. حتى ولو لم يعلن العجز فإن دين الولايات المتحدة سيصل إلى مئة وعشرين في المئة من الناتج المحلي الاجمالي ، أي أنهم لن يستطيعوا سَداد هذه الديون أبدا.  وبما أنهم يطبعون من الدولارات على قدر المطلوب فإن العجز التقني لا يعني أنهم سيتخلفون عن سداد ديونهم بل سيدفعون النقود التي يطبعونها. ولكن بالنظر إلى أن الاقتصاد الأمريكي يحتاج إلى السيولة أكثر فأكثر فهذا يعني أن الخزانة ستطبع أكثر فأكثر لإن  حجم العرض سيفوق حجم الطلب على الدولار بكثير وبالتالي لا يمكن تفادي ضغط هذا الكم على السوق حيث تتداول الشركات الأمريكية خمسة تريليونات دولار. وهذا كم هائل حصل عليه من الإصدار الذي سبق الأزمة . ان هذه السيولة ستضخ في الأسواق أي أن المضاربين الأمريكيين سيشترون كل ما أمكن لكن الاقتصاد العالمي  لا يمكن أن يستمر في بيع الأصول بلا نهاية وستعمل الدول الأخرى على حماية أسواقها. إذاً هذا الكم سيخنق الأسواق ولن يتنازل العالم عن سيادته للحصول على هذه الدولارات. وبصرف النظر، هل سيجري الإعلان عن العجز أم لا فإن مصير الدولار أصبح معروفا أي أنه سيفقد موقعه بين العملات العالمية.

س : حسنا إذا ما هي ماهية هذا الصراع بين الجمهوريين وإدارة أوباما؟

ج - إذا تمكن أوباما من التوصل إلى اتفاقية برفع سقف الدين الأمريكي عندها ستعمل الخطة القديمة أي أن الخزانة ستصدر سندات ائتمان جديدة. والاحتياطي الأمريكي سيطبع نقودا جديدة لسدادها وإن لم يتمكن أوباما من التوصل إلى اتفاق سيجري ذلك أيضا ولكن بدون موافقة الكونغرس أي أن لدى أوباما الحق في حال الضرورة باتخاذ قرار بإصدار سندات ائتمان جديدة وسيكون مجبرا على استخدام هذا الحق وإلا فلن تحصل الدولة على السيولة اللازمة لسداد التزاماتها بالديون.

س : إذًا أنتم تعتقدون بأنه لن يتم الإعلان عن العجز؟

ج - أعتقد أنه لن يتم الإعلان عن العجز ولكن إذا لم يمنح الكونغرس الإذن برفع سقف الدين فإن عالم المال سيصاب بقلق جدي لأن أوباما سيخرج عن الشرعية المتبعة أي أنه سيستخدم حقه الاستثنائي لكن هذا إجراء مؤقت.

س : هذا يعني لأجل قصير...

ج -  نعم وبعد نصف عام سيواجهون ذات المسألة وهذا يعني أن مخاطر إعلان العجز ستزداد. أما إذا أعلن العجز ولم يستخدم أوباما هذا الحق  أي أن الأمريكيين سيتخلفون عن سداد ديونهم عندها سنواجه كارثة مالية سريعة أي فوضى في الأسواق وانهيارا في الثقة في السندات الأمريكية وتليها السندات الأوروبية المرتبطة بأمريكا بشكل وثيق  ويأخذ المستثمرون بالتخلص منها. وسيتحتم على الدولةشراء هذه الأوراق فإن لم تكن السيولة عندها ستبدأ سلسلة عجز بعد أمريكا على الأغلب في أوروبا أو إصدارات حادة لكميات النقد. وستفقد العملات الريادية مكانتها في السوق وستعاني من التضخم وصولا إلى التضخم الشامل لدى الدول التي ستضطر إلى طباعة عملة أكثر لسداد الديون وستضطر لاتباع سياسة تقشف قاسية و بتقليص النفقات الحكومية.

 س . ما مصير سندات الإقراض التي تحملها الدول الدائنة ومنها روسيا؟

ج- لا الولايات المتحدة ولا غيرها من الدول المقرضة لها معنية بإعلان العجز وما زال الدولار الأمريكي عملة عالمية احتياطية متداوَلةً في جميع أنحاء العالم ولدى الأمريكيين إمكانية عدم الإعلان عن العجز بطباعة الدولارات أكثر فأكثر وهذه الخصوصية التي ظهرت بعد عام ألف وتسعمئة وواحد وسبعين  فلو كان الدولار مدعوما بالذهب لم يستطيع الأمريكيون فعل ذلك ولكن بما أن الدول الغربية وافقت على تداول الدولار غير المدعوم بشيء فيستطيع الأمريكيون طباعة ما شاؤوا. والاحتياطي الأمريكي سيزيد كمية الطباعة الآن بشكل حاد. وآفاق هذا تقودنا إلى التضخم وفقدان الثقة بالدولار وإضاعة قيمته كأداة وقيمة السندات ستصبح أرخص ولكنهم سيوفون بها. لكن إعلان العجز هو بمثابة انتحار.

س . جميع اقتصادات العالم الكبرى منها والصاعدة والفقيرة اليوم يرتبط مصيرها بمصير الاقتصاد الأمريكي. هل هذا مقدر على العالم إلى الأبد؟ وما سبيل التخلص من هذا الارتباط؟

ج -  مضى على بحث مسألة تشكيل نظام مالي عالمي جديد ثلاثة أعوام ولم يتم التوصل إلى نتائج حتى الآن. ومازال بإمكان أمريكا إقناع العالم للعمل بالنظام القديم والحفاظ عليه ما أمكن  ولكن هذا النظام لا يتناسب ومصالح الدول مثل روسيا ولا الدول العربية ولا الصين. إنها في مصلحة أمريكا فقط. لأن الدول المقرضة هي التي تدفع الثمن والتي تشتري السندات وفي الواقع تدعم اقتصادها بالديون وأمريكا تحصل على أرباح خيالية من خلال طباعة الدولار وبفضل هذا تنمو البنوك والمؤسسات الأمريكية وهي تملك الإمكانية لشراء ما ترغب. لكن الآن عندما تجاوز إصدار الدولار حدود المعقول وهذا يتمثل ليس فقط بالأوراق المالية بل و سجلات الحسابات الإلكترونية. فإن أي دولة عليها التفكير مليا هل من مصلحتها التعامل بالدولار غير المدعوم بشيء لأن التضخم في هذه الحال واقع محتوم أي ارتفاع أسعار المنتجات المشتراة بالدولار وانخفاض أسعار السندات فمن سيستمر في هذه الأهرامات أطول سيخسر أكثر وحتى تخرج بأقل الخسائر يجب أن تخرج بسرعة وهذا ما يفعله الكثير من الدول حيث تشتري أصولا أخرى حقيقية.

س . هل تستطيع التحالفات الإقليمية احتلال مكان حقيقي في العملية الاقتصادية الدولية؟

ج - نرى الآن وجوابا عن الأزمة أن التحالفات والاندماجات الإقليمية تتعزز فالدول تتوحد وتوحد اقتصاداتها فكلما كبر الاقتصاد كلما كان أكثر مناعة. ويزداد بذلك تنوعها وتنخفض مخاطرها  وكلما كبر حجم السوق الداخلية تقلص تأثره بعوامل السوق الخارجية وبالتالي فالعمل على توسيع السوق الداخلية تدفع إليها الأزمة بشكل موضوعي. إن الاتحاد الجمركي بين روسيا وبيلاروس وكازاخستان تشكل قبل الأزمة ولكن الأزمة أثبتت أننا ماضون في الطريق الصحيح فنحن نشكل سوقا داخلية واسعة نضمن من خلالها مناعتنا بأنفسنا وسنوسعها أكثر بالوصول إلى الفضاء الاقتصادي الموحد ودعوة دول أخرى إلى هذا الاتحاد وبالتالي تخفيض مخاطر التأثر بالخارج. وبالتالي سنصل إلى العملة الموحدة. لقد سبق أن اجتاز الأوروبيون هذا وأنا متأكد بأن أوروبا لو لم تستطع تحقيق هذه الوحدة. لوجدنا اليوم أكثر من نصف الدول الأوروبية منبطحة بين حطام الاقتصاد ولأنهم حققوا هذه الوحدة تمكنوا من الحفاظ على الاستقرار لديهم.

س . هل تعتقدون أن أوروبا عاجزة عن تشكيل مركز اقتصادي عالمي مواز في قوته للمركز الأمريكي؟

جواب - إن الأوروبيين بعد إطلاق اليورو وصياغة الاتحاد الاقتصادي وإقرار اتفاقية جديدة في الواقع مستقلة يديرون اقتصادهم ويحلون مشاكلهم بأنفسهم.  ونرى أن المركزية الأمريكية التقليدية تحت تأثير الأزمة تحل محلها بدائل على سبيل المثال. فألمانيا حولت توجهها إلى الصين وتتاجر أوروبا مع الشرق أكثر منه مع الغرب من ناحية الخامات فهي مرتبطة مع  روسيا والعالم العربي ومن ناحية تسويق منتجاتها وتقنياتها. يزداد اعتماد أوروبا على الشرق حيث السوق الضخمة سوقنا وسوق الصين والهند ومن الواضح أن أوروبا ستولي وجهها في هذا الاتجاه ولكن الدافع السياسي لدى النخبة الأوروبية بالطبع بعيدة عن ذلك جدا وهي بحكم الدافع الذاتي تصغي إلى ما تقوله واشنطن وهذا ما زرعته عقلية الحرب الباردة.

س . وكأن العالم مشغول بالأوراق المالية وحل مشكلاتها خارج فضاء الاقتصاد الحقيقي. ما الآلية التي يمكن من خلالها تطوير وتوسيع قطاع الاقتصاد الحقيقي عالميا؟ ألا يمكن أن ينقذ هذا الدول الغنية والفقيرة معا؟

ج -  ولهذا يلزمنا نظام مالي جديد لأن النظام الحالي يعمل على مبدأ الهرمية وضخ الأموال عن طريق الأوراق المالية لأن المصدر الأساسي للنقد هو الإحتياطي الامريكي ، يطبع النقود لكل العالم لكنه يطبع حسب التزامات الخزانة  وتبعا لالتزامات المديونية وبالتالي السوق الرئيسةهي سوق الأوراق المالية الأمريكية وعن طريقها تصل الدولة إلى هذه الأموال وتنفقها فيما بعد  في الاقتصاد الحقيقي ، وتحصل البنوك على هذه الأوراق كرهن وتعطي مقابلها قروض .

 وسوق الأوراق المالية اليوم يمر في مرحلة التقلب  وهو ينمو كالغدة السرطانية وسيؤدي إلى انهيار هذه السوق. إلا أننا نلاحظ أن انهيار أكبر ثلاثة بنوك في وول ستريت لم يؤثر مباشرة على حياة أغلب مشاهدينا أي أن هذه الفقاعات المالية  التي تثار حولها هذه الضجة في الواقع ليس لها تأثير مباشر على حياتنا اليومية .

س: إذا نعد مشاهدينا بحياة بعيدة عن التأثر بالأزمات؟

ج - بالطبع .... تتأثر من خلال الأسعار لأن إعلان العجز يعني انخفاض أسعار السندات وفقدان القروض قيمتها ويصبح الحصول على قرض صعباً ،والبنوك سترفض الاقراض وستجبر الدولة على تقليص النفقات  وهذا سيؤدي إلى تراجع المستوى المعيشي، وتراجع الأعمال في واقع التضخم وانخفاض أسعار الخامات وإعلان العجز يفرض سلسلة تفترض تراجع الاستثمارات وتراجع الطلب وانخفاض الأسعار ،،، هذه نبوءة واقعية  . وفي حال عدم إعلان العجز والاستمرار في زيادة إصدار الدولارات سوف نواجه هذه المشكلات أيضا ولكن بعد حين ، والدول التي تتخلص قبل غيرها من الاعتماد على الدولار، ستجتاز هذه المحنة بأقل الخسائر ....

تعليمات استخدام خدمة التعليقات على صفحات موقع قناة "RT Arabic" (اضغط هنا)