خانية القرم

متفرقات

انسخ الرابطhttps://arabic.rt.com/prg/telecast/656523/

"عندما ينظر الرحالة الي بختشي سراي يضع اصبعه على فمه وتغيب أفكاره" ... هذا ما كتبه رحالة تركي من القرن السابع عشر. والي اليوم مازالت عاصمة خانية القرم القديمة تذهل العقل. يخيل اليك أن هذه الأسوار والمآذن والأروقة والأفنية قد خرجت الي الحياة الواقعية من الحكايات الشرقية مباشرة. ان قصر الخان في بختشي سراي هو الأثر الأكثر محافظة على معالمه من بين الآثار التي وصلت إلينا من عهد خانات القرم. ولكن الآثار الأخرى لذلك العهد تعطي مادة غنية للتفكير والمشاعر. المساجد العظيمة والمآذن، والمقابر الجليلة في القرم القديمة وإسكي يورت وسالانتشيك وبختشي سراي شواهد حية على تاريخ دولة التتار في القرم. خانية القرم، أوكما كان التتار أنفسهم يسمونها "يورت القرم" لم تعمر طويلا في حسابات التاريخ، اذ عاشت ثلاثة قرون فقط. لكن تاريخها الحافل بالانتصارات والهزائم. بالعظمة والانحطاط ، بالمجد والعار، قد خُطّ بأسطر لا تمحى في تاريخ تافريدا القديمة.

ظلت خانية القرم فترة طويلة دولة غير مستقلة تماماً بل خاضعة للأورطة الذهبية. وكانت عاصمة خانية القرم آنذاك مدينة تسمى (صُلحات) التي سميت فيما بعد (كيريم) أو ببساطة: القرم. وشيئا فشيئا انتشر الاسم ليشمل شبه الجزيرة كله الذي كان يسمى قبل ذلك (تافريكا). اليوم أصبحت عاصمة خانية القرم السابقة تسمى (ستاري كريم). واذ تنظر اليها يصعب أن تتخيل انها كانت منذ ست أو ثمانية قرون مضت مدينة ضخمة مكتظة بالسكان، بل أكبر مدينة في القرم. لم يكن خانات الأورطة الذهبية يزورون القرم الا نادراً، ما عدا الخان أوزبك الذي كان يميل الي القرم وعاش فيه زمناً طويلاً.

في نهاية القرن الخامس عشر تحررت خانية القرم من سلطان الأورطة الذهبية. وانتقل مركز الدولة من ستاري كريم الي الوادي المتاخم لمدينة تشوفوت – كالي وبختشي سراي. وكانت اسكي – يورت أول محلّة للتتار هنا حيث توجد قبور الكثيرين من خانات القرم وولاتهم. اسكي – يورت معناها (المحلة القديمة). واطلق عليها أيضا اسم كيرك عزيز أي القديسون الأربعون أو ببساطة: عزيز وتعني القديس. هناك دلائل على ان بها قبر الشيخ منصور من المدينة المنورة الذي يقال انه كان من الصحابة.  لا نعرف مدى صحة هذا القول، فلم يسلم القبر. ولكن اسكي – يورت تضم الكثير من الآثار التاريخية الأخرى وفي مقدمتها قبور خانات القرم. لقد شيدت في أزمنة مختلفة ولذلك تمايزت عمارتها. وليس من المستبعد ان يكون المعماريون العرب من سوريا ومصر شاركوا في تشييدها. وغير بعيد عن اسكي – يورت يوجد معقل آخر لخانية القرم وهي سالاتشيك (ستاروسيلييه حالياً). هنا أيضاً بقيت آثار كبيرة لذلك العهد وأهمها قبر خان القرم منغلي. حيث دفن أيضاً والده الحاج قراي. وبجوار القبر توجد مدرسة زندجيرالي الشهيرة (مدرسة السلاسل) حيث نجد بابها بالفعل مغلقاً بالسلاسل حتى ينحني الداخل احتراماً للعلم.

في القرن السادس عشر، بعد أن تخلصت خانية القرم من تبعيتها للأورطة الذهبية وصارت تابعة لتركيا، أصبحت العاصمة هي بختشي سراي وتعني: القصر البستان. وتقول شهادات المعاصرين آنذاك ان فلاحي البساتين التتار بذلوا قصارى جهدهم فأصبحت المدينة بالفعل حديقة غنّاء. في عهد ازدهار خانية القرم كان في بختشي سراي حوالي أربعة آلاف وخمسمائة قصر لكبار رجال الدولة وأفراد العائلة المالكة، أما بيوت المواطنين البسطاء فلم يحصها أحد. كان قصر الخان بالطبع زينة  بختشي سراي الرئيسية.

أكثر شيء يذهلك عند النظرة الأولى الي قصر الخان هو خفته. معظم مبانيه من الخشب. حتى يخيل اليك أنك لو نفختها ستتبعثر شظايا! هذا لا يرجع الي فقر الخانات ولكن لحبهم لأنفسهم. ففي جو القرم كانت الحياة في البيوت الخشبية أطيب. يقال ان القصر استعار الكثير من قصر السلطان في اسطمبول. اليوم يبذل المرممون قصارى جهدهم لأن الخشب يفسد أسرع من الأحجار.

على البوابة الرئيسية لوحات جدارية يبدو أن الرسامين الروس هم الذين أنجزوها في القرن الثامن عشر وشعار آل قراي. هذا الشعار يصور تنينين يعض أحدهما الآخر. إنه رمز قديم جدا جيئ به من منغوليا، وربما كان المقصود من وضعه هنا التأكيد على قرابة آل قراي من جنكيز خان العظيم. يتصل بالبوابة ما يسمى "جناح الحاشية". هذه التسمية أطلقت في العصر الروسي، لأن حاشية الامبراطورة يكاترينا الثانية نزلت به، عندما حلت الامبراطورة بقصر بختشي سراي لبعض الوقت. "جناح الحاشية" نموذج بديع للعمارة التترية في القرم التي لم يتبق منها أثر في العالم كله الا هذا.

لم تكن سلطة خانات القرم سلطة مستبدة مطلقة رغم كل جبروتهم، ولكن كان الديوان  يحد منها، وكان يمثل العائلات التترية العريقة. كان أعضاء هذا البرلمان المتميز يجتمعون في قاعة المجلس بقصر الخان، فيصدرون الأحكام ويبحثون قضايا الدولة الهامة. في وقت ما قامت نافورة بحوض وسط الأرضية الرخامية، وفي السقف، كما الآن، زجاج معشق مدهش. في وسط الصالة وضع كرسي الخان المغطى بالمخمل، وبجواره عرشان أصغر: واحد لولي العهد والثاني لكبير القضاة. وكانت هناك مقاعد مخصصة لرجال الدين، وكانوا كثيرين ومرجعيتهم في الديوان كانت هائلة.

يقال أن خانات القرم لم يتساهلوا مع المناؤئين والمشكوك في ولائهم، فكانوا يسجنونهم ويعدمونهم، لكنهم كافأوا المخلصين للخان، مثلاً كانوا يقيمون في ذكرى الشخص الجدير نافورة، وهذا شرف كبير. نافورات بختشي سراي لا تشبه النافورات الأوربية التي تقذف الماء الى ارتفاع كبير. المياه في القرم شحيحة. تحظى بالاحترام والحرص، ومن هنا تعلم بناة النوافير في القرم "اظهار" كل خيط رقيق من الماء وابرازه. وأروع مثال على ذلك نافورتان في فناء النافورت بقصر بختشي سراي. النافورة الذهبية غاية في الجمال رغم بساطتها. على النافورة نقشان: واحد يمجد أحد خانات القرم، والآخر آية من القرآن "وسقاهم ربهم شراباً طهورا" ( ملحوظة من المترجم- ارجو مراجعة النقش على النافورة للتثبت من الآية). كانت النافورة الثانية تسمى (سلسبيل)، عين من عيون الجنة. أما الآن فتسمى نافورة الدموع. يقال إن أحد خانات القرم شيدها في ذكرى زوجته الحبيبة. وهذه النافورة هي التي ألهمت الشاعر الروسي الكبير ألكسندر بوشكين كتابة قصيدة "نافورة بختشي سراي" عن قصة حب الخان قراي لأسيرته الحسناء السلافية.

قصر الخان أكبر لؤلؤة في بختشي سراي بل وفي خانية القرم كلها. لكن تاج آل قراي كان يضم فرائد أخرى. مسجد طهطلا الخشبي يبدو ظاهرا من أي زاوية تقريباً من زوايا المدينة القديمة. يسمى بالخشبي لأن قطع الاحجار التي شيد بها المسجد غطيت بألواح خشبية. ويدهش خبراء المعمار من امكانية بناء المسجد على هذا المنحدر الحاد بل ودقة تحديد موقعه حسب الجهات الأصلية. أما أكبر مساجد القرم، جامع الجمعة، فشيد في أواسط القرن السادس عشر في غيوزليوف، يفباتوريا حالياً. كلف حاكم القرم آنذاك ببناء المسجد أحد اشهر المعماريين والمهندسين الاتراك في الدولة العثمانية خوجه سنان الذي شيد مسجد سليمان ومسجد شاه زاد في اسطمبول. وربما كانت كاتدرائية أيا صوفيا الشهيرة في القسطنطينية هي النموذج الذي استوحى منه جامع الجمعة. ومهما كان الأمر فقد استطاع سنان أن يشيد إعجازاً فنياً ما زال بعد خمسة قرون يخلب اللب بكماله.

ما لنا لا نقول الحقيقة ... فبالاضافة الي تشييد المباني الرائعة وفلاحة البساتين التي كان أهل القرم يجيدونها، فان ذلك لم يكن عملهم الوحيد، أو حتى عملهم الأساسي. لم يكن خانات القرم ورعاياهم يحبون البقاء طويلا في مكان واحد، فقد كانت دماء أسلافهم الرحل تجري في عروقهم. عرفت سجلات التاريخ والأساطير غاراتهم العديدة المدمرة على روسيا وبولندا. وفرضوا الحصار على موسكو غير مرة، بل واستولوا عليها. وفي احدى الغارات أحرقوا موسكو عن آخرها ولم يسلم من الحريق سوى الكريملين. كيف استطاعت عشيرة صغيرة أن تلقي بالرعب في قلوب سكان نصف أوربا الشرقي؟ كان ذلك يرجع الي قدرتهم العالية على الحركة. كان التتار قادرين حتى على النوم فوق ظهور الخيل. وكان التتري يأخذ معه في الغارة ثلاثة جياد. في الطريق كان المقاتل قادرا على امتطاء جواد آخر أثناء ركضه، وعلى جعل الحصان يسير بخطوات خافتة الوقع ودون حتى أن يهز أذنيه. كان ينادي الحصان ليأتي اليه كالكلب، وينام عليه، وعند الضرورة يأكل لحمه.

ليس صدفة ان تزداد قطعان الخيول في عهد خانية القرم زيادة هائلة. كان عدد سكان شبه جزيرة القرم بيونانيهم، وقرائيهم، ويهودهم والأسرى المسيحيين لا يزيد عن خمسمائة ألف نسمة، أما عدد الجياد فلم يقل عن ثلاثمائة ألف حصان.

كانت الغارات تتطلب الي جانب الخيل السلاح. وقد بلغ تتار القرم في صناعته شأواً بعيداً. تميزت خناجر القرم بجودتها الفريدة وحدة شفرتها وطول صلاحيتها. في اسطمبول كانوا يقلدونها ويضعون أختام القرم على السيوف العادية. في أيام السلام كانت خناجر القرم تصدر الي موسكو بل وحتى الي غرب أوربا. وكان صناع السلاح في بختشي سراي ينتجون بنادق ممتازة، طويلة وذات قوة نارية دقيقة. واذا كان الحصان في القرم يساوي ثلاثين قرشاً فقد بلغ ثمن البندقية مائتي قرش. وكانوا يصدرون حوالي ألفي بندقية في السنة. واشتهرت ايضا الجلود المصنوعة في القرم بماركاتها المشهورة: السافيان والشغرين.

"جزيرة القرم" تعبير يبدو شاعرياً مثل "جزيرة الأحلام" ولولا أن خانية القرم انهارت تحت ضربات الدول الأخرى المنافسة والأقوى لأصبح القرم جزيرة حقا لا شعراً ... بكل معنى الكلمة.

كان لدى خانات القرم مشروع طموح بحفر قناة في أضيق مكان في شبه جزيرة القرم ... في بيريكوب، ووصل البحرين الأسود وآزوف. الاكثر من ذلك أنهم نفذوا المشروع قبل ثلاثة قرون من مد قناة بنما وقرنين من شق قناة السويس. لكن القناة لم تعمر طويلا. فقد كان خانات القرم آنذاك خاضعين للدولة العثمانية، فأمر السلطان التركي بردم القناة خشية هجوم الأعداء من القارة على ممتلكات الأتراك في البحر الأسود. وهكذا ظل القرم شبه جزيرة بسبب حذر السلطان العثماني.

خانية القرم لم تكن في يوم ما مستقلة تماماً. في البداية ارتبطت كلية بالأورطة الذهبية وكان يدير شؤونها ولاة حكام الأورطة، ثم أصبحت دولة تابعة للامبراطورية العثمانية. ومع ذلك فقد أصبح عصر خانية القرم واحدة من الصفحات الناصعة في سجل تاريخ القرم.  وحلت النهاية عام 1774 عندما انتصرت روسيا على تركيا في الحرب ففقد حكام القرم حاميهم القوي. لقد أصدر القدر حكمه على خانية القرم بعد أن أصبحت أداة في الصراع بين عملاقي ذلك العهد: الامبراطورية الروسية والامبراطورية العثمانية. ففي 8 أبريل 1783 أصدرت الامبراطورة الروسية يكاترينا الثانية فرماناً تحولت بمقتضاه مقاطعات القرم وتامان وكوبان الي مقاطعات روسية. وحفظت للسكان المحليين حقوقهم السابقة وأصبحوا مشمولين بالحماية وأحكام القضاء. بالنسبة للقرم بدأ عصر جديد "تحت ظلال النسر ذي الرأسين".

تعليمات استخدام خدمة التعليقات على صفحات موقع قناة "RT Arabic" (اضغط هنا)