دبلوماسي روسي سابق: العامل النفطي يلعب دورا مهما في القضية الليبية

أخبار العالم العربي

انسخ الرابطhttps://arabic.rt.com/prg/telecast/65569/

ضيف الحلقة الجديدة من برنامج حديث اليوم هو السيد أليكسي بادسوروب كبيرَ الباحثين في معهد الاستشراق بموسكو والسفيرَ الأسبق في الجماهيرية الليبية.

كيف تقرأ الأحداث الجارية في ليبيا الآن؟ هل هي ثورة شعبية داخلية أم أن هناك قُوى خارجية تعبِث بأمن ليبيا ؟  
سؤال صعب جدا... من ناحية لهذه التطورات طابع داخلي لكن لا يعني ذلك أن هذه الأحداث هي ثورة شعبية ضد نظام القذافي في شرق البلاد، بسبب الميول الانفصالية هناك والتي دائما تميزت بهذه الأجواء. هذه الميول كانت ناتجة عن تصور ان  السكان في طرابلس يتمتعون بأفضليات وتسهيلات خاصة. لكن من ناحية أخرى، من الواضح ان هناك تدخلا من قبل جهات اخرى. أولا، هناك تأثير الأصوليين الليبيين مثل  الجماعة الليبية الإسلامية المقاتلة التي حاولت تنظيم العمليات الإرهابية عام ألف وتسعمئة وستة وتسعين   في شرق ليبيا ضد نظام القذافي ، أمر أسفر عن دخول الجيش إلى المنطقة. والمجموعة الأخرى ذات النفوذ هي الجبهة الوطنية لإنقاذ ليبيا التي يلعب فيها دورا مهما   الإخوان المسلمون. أما التأثير الخارجي على الأحداث الجارية، فقد صرح وزير الخارجية الليبي السابق موسى كوسى منذ عدة أيام، بأن ثلاث مئة مقاتل من تنظيم القاعدة يقاتلون إلى جانب المعارضين أظن أن هناك أساسا لهذه التصريحات. لا أستثني أن يكون تنظيم القاعدة في بلاد المغرب قد أرسل جزءا من مقاتليه إلى ليبيا. إذا يمكن الحديث عن العاملين الداخلي والخارجي في الأحداث الليبية.

 ما هو دور الغرب تحديدا في الأحداث الليبية؟   
دون شك هناك دور للغرب في الأحداث الجارية. الواضح أن الغرب له موقف معين وصرحت فرنسا مثلا بأنها تعترف بالمعارضة في شرق البلاد كسلطة شرعية وأنها تقطع العلاقات مع نظام القذافي. وبريطانيا اتخذت نفس الموقف والولايات المتحدة اتخذت موقفا مشابها. ماذا وراء هذه المواقف الغربية؟ لا أصدق بأن هذه المواقف صدفة بسيطة.
أولا، رأينا أن القذافي اتخذ بعض الخطوات التنازلية تجاه الغرب مثل دفع تعويضات لضحايا اعتداءات لوكربي وملهى "لا بيل" ، التعويضات  كانت هائلة وبلغت مئة ميلون دولار عن كل قتيل. بعد استئناف العلاقات الدبلوماسية مع واشنطن وتقديم الامتيازات للشركات الأمريكية، توقعت الولايات المتحدة من القذافي إجراء خصخصة في الشركة الوطنية الليبية للنفط كونها أكبر شركة وطنية تتحكم في استخراج الجزء الأكبر من النفط في البلاد. ولو تمت خصخصة هذه الشركة لقامت بشرائها الشركات الغربية. 
وثانيا حصل نزاع بين القذافي والشركة الفرنسية النفطية توتال حيث دفعت الشركة خمسمئة مليون دولار لطرابس، ربما في ذلك يكمن سبب موقف باريس المعادي للقذافي.
وثالثا، قال القذافي إنه سيعيد النظر في اتفاقية تقاسم النفط لتخفيض نسبة الشركات الغربية إلى عشرين في المئة، بينما تحصل الآن على ما بين عشرين واثنين وخمسين في المئة.
ورابعا، صرح القذافي بأنه ينوي إعادة تأميم الشركات النفطية في حال انخفاض الأسعار للنفط ... إذًا، نرى أن حجج الموقف الغربي المعادي للقذافي واضحة، كما هو الواضع أن العامل النفطي يلعب دورا مهما في هذه القضية.

 على مدى عقود  كانت روسيا من أهم شركاء النظام الليبي في كثير من المجالات مثلَ تصديرِ الأسلحة وبناءِ سكك الحديد وغيرِها. لماذا انضمت موسكو إلى العقوبات وأعلنت ان القذافي شخصيةٌ ممنوعة من الدخول إلى روسيا؟ هل يعني ذلك أن روسيا تقف الآن الى جانب المعارضة؟ 
لا أعتقد أن روسيا تقف إلى جانب المعارضة الليبية. ولم نصرح بعد أننا نعتبر القذافي زعيما غير شرعي وأننا نعتبر المعارضة سلطة شرعية. أنا عملت 6 سنوات في مجلس الأمن في نيويورك  واعتمادا على خبرتي الشخصية، أفترض كيف جرت مناقشات مسألة فرض عقوبات دولية في مجلس الأمن وتقديم مشروع القرار. الواضح أن هذا المشروع يحمل طابعا معاديا للغاية لليبيا. عادة يجري صراع حاد حول مشاريع القرارات مثل هذه، وكل دولة تسعى كي تبقى ضمن دائرة الاصطفاف الدولي حتى لو كان بامكانها استخدام حق النقض الفيتو مثل روسيا، ومن الصعب جدا أن تعارض رأي المجتمع الدولي. كما فهمت من أنباء الإعلام، فان مشروع القرار هذا تم اتخاذه بالإجماع والصين كانت من الدول المؤيدة له.  يبدو لي أن مشروع القرار هذا كان أضعف القرارات المحتملة. أما إعلان القذافي شخصية ممنوعة من الدخول إلى روسيا، فهذا من الطبيعي وفق ميثاق الأمم المتحدة، إن قرارات مجلس الأمن يجب ان تنفذ. إذا تم اتخاذ مشروع القرار، فنحن ملتزمون   بتنفيذه. برأيي موقف روسيا أصبح أكثر وضوحا الآن. لأنها عبرت عن رأيها بحذر كبير خلال الأسبوعين الأولين من بداية الأحداث داعية الى ضرورة التسوية السياسية وعدم استخدام القوة المفرطة .  اليوم الموقف الروسي أصبح أقرب لموقف بعض أعضاء المجتمع الدولي... 
 
ما هو الاختلاف بين الأحداث التي جرت في تونس ومصر، وتلك التي تجري اليوم في ليبيا؟  
هناك فرق مبدئي بينها. أولا المظاهرات ضد بن علي وضد مبارك في تونس ومصر كانت جماهيرية؟ أما في ليبيا فلا نرى نفس الشيء، بل نرى أن القذافي يتمتع بتأييد سكان إقليم طرابلس وفزان وتأييد جزء من سكان المناطق الشرقية. ثانيا، يتمثل الفرق في موقف الجيش. في تونس مثلا، الجيش أسقط نظام بن علي حيث جاء إليه رئيس أركان الجيش وقال : فخامة الرئيس انتهى زمانك والطائرة تنتظرك في المطار. أما في مصر، فمن ميزات تلك الأحداث   أن الجيش لم يتدخل فيما جرى وبقي حياديا وفي نفس الوقت دفع مبارك إلى الاستقالة. أما في ليبيا فبقي الجيش أمينا  للقذافي.

ما هي السيناريوهات المحتملة في ليبيا؟ وهل هناك خشيةٌ من تقسيمِ البلاد واندلاعِ حربٍ أهلية؟
ج - اليوم يحدد مصير البلاد في الميدان... ونشهد الآن تفوق القوات الحكومية لأن الجزء الأكبر من الجيش يؤيد القذافي وهذا جيش منظم يجيد تكتيك إجراء المعارك ويتمتع بالضباط والطيران والمدرعات. نفترض أن القذافي سيخسر... لا أرى شيئا جيدا في هذا الاحتمال.. لماذا؟ لأن ليبيا بلاد لها خصوصيتها  ، تتكون من ثلاثة أجزاء تاريخية هي إقليم برقة وإقليم طرابلس وإقليم فزان، هذه الأجزاء كانت سابقا تشكل أقاليم الأمبراطورية العثمانية. مضت عقود طويلة لكن الذكريات عن هذه المناطق بقيت في وعي الناس، كما تبقى العقلية الانفصالية في تلك المناطق. وهناك عامل آخر هو المنافسة بين القبائل. الليبيون لهم أسلوب تفكير تقليدي وتصورات تقليدية عن نمط الحياة.   يجب أن لا ننسى أنهم أصبحوا حضارة في الستينيات من القرن العشرين عندما تم اكتشاف النفط في البلاد. أقول ذلك اعتمادا على خبرتي وعشت ثماني سنوات في تلك البلاد التي أحبها من كل قلبي، المواطن الليبي يمكن أن يكون تاجرا  أو مهندسا أو موظفا في وزارة، لكنه دائما يتذكر أنه ليس ليبيا فحسب لكنه ينتمي إلى قبيلة معينة. أما عن سر استمرار القذافي في السلطة لهذه الفترة الطويلة؟ ... فان الأسرار كثيرة لكن أحدها يكمن في أنه يمثل قبيلة صغيرة القدادفة والتي تلعب دورا رئيسا في الحياة السياسية الليبية لكنها لا تستطيع أن تسيطر على كل القبائل في البلاد وتدير كل نواحي الحياة الاجتماعية فيها.     
 
كيف تقيّم احتمالَ التدخلِ العسكري الخارجي في ليبيا؟  وهل يمكن التحدث عن تكرار للسيناريو العراقي؟ 
برأيي هذا احتمال ذلك كبير جدا. تصوّروا، ماذا يعني تدخل القوات الأجنبية في أرضكم الأم... طبعا كل شعب يقوم بالمقاومة المسلحة في هذه الحال، ولا أظن أن ليبيا ستكون استثناء. الليبيون صارعوا  الاحتلال الايطالي خلال ربع قرن تقريبا وهذه كانت مقاومة مسلحة قاسية... نعم إذا تم التدخل  الخارجي باستخدام القوات البرية، فسيؤدي ذلك إلى عراق جديد.
أما اقتراح أوروبا لفرض حظر جوي على ليبيا. نفترض أن ذلك سيحصل   وانهم سيقمعون الطيران الليبي. لكن الجيش الليبي يملك مدرعات كذلك، إذا سيضطرون الى قصف المدرعات والوحدات العسكرية الليبية الأمر الذي سيعني حربا شاملة. آمل من الذين يقترحون ذلك ان يفكروا بجدية في مثل هذا القرار. ويجب الانتباه الى موقف الولايات المتحدة الذي أصبح أكثر حذرا في الآونة الأخيرة، كما نرى من تصريحات وزيرة الخارجية الأمريكية والمسؤولين الأمريكيين. ليس لديهم تصور واضح ودقيق عما يجري الآن في ليبيا وما هي القوى التي تعارض قوات القذافي. الولابات المتحدة تتذكر دروس الثورة الإسلامية في إيران، وعندما أوقفت دعمها للشاه على ماذا حصلوا ؟ حصلوا على الخميني. وباتت واشنطن تسأل نفسها هل يمكن أن تتكرر  التجربة الإيرانية في ليبيا؟ هذا افتراض مني شخصيا لا أكثر لكن الموقف الأمريكي الذي أصبح متحفظا يدفع إلى هذا التحليل...
            
موجة الاضطرابات امتدّت إلى دولٍ عربيةٍ عدة.  برأيك هل سنشهدُ تغييرا للنظام في دولة ما، وأي الدول مرشحة لذلك؟  
من الصعب أن أتنبأ ما هي الدول المرشحة لسقوط نظامها، لكن ما هو الواضح بالنسبة لي هو أن هذه الموجة من الاضطرابات والثورات ستؤدي إلى الانفتاح والليبرالية إلى درجة ما في الدول العربية. مثلا، مدة الرئاسة أصبحت في مصر أربعة أعوام بدلا من ستة ولفترتين فقط، وتم رفع قانون الطوارئ، ومن المتوقع أن تتحول المعارضة في مصر  إلى معارضة حقيقية . وفي الجزائر مثلا تم رفع قانون الطوارئ وفي المغرب قرر العاهل تقوية سلطات البرلمان وبعض الخطوات اتخذت في السعودية.. وفي البحرين جزء من المواطنين يطلب تحديد سلطة الملك والاخر  يريد نظاما جمهوريا إذا الإصلاحات الليبرالية ستجري دون شك وقد بدأت في بعض الدول.
اللافت أن ما يجري في البلدان العربية هو تشكيل المجتمع المدني وهذا جيل الشباب الجديد الذي يمتلك المعلومات ولا يريد أن يكون تابعا للملك. الشباب يريدون تقرير مصير بلادهم بأنفسهم. والبرجوازية الوطنية النامية أصبحت تتطور وتتقدم بمطالبهم.. والطبقة الوسطى  التي تلقت التعليم في الجامعات الغربية كذلك تطالب بالإصلاحات الديموقراطية في المجتمع....
 
في ظل الأحداث الليبية نشهدُ أن سعرَ برميل النفط تجاوز  مئةً وعشرة دولارات . كيف ستؤثّر الأحداث في شمال أفريقيا على الاقتصاد الاقليمي والعالمي؟
من العواقب ليس فقط ارتفاع أسعار النفط، هناك ضرر كبير من هذه الاضطرابات.. حجم هذه الأضرار بلغ في تونس ملياري يورو وفي مصر ستة مليارات دولار. القضية الأخرى هي أزمة السياحة في تلك البلاد. خمسون في المئة من الميزانية التونسية تعود من السياحة، أما في مصر فدخل السياحة يشكل أحد عشر في المئة من الدخل الوطني. مر وقت صعب لكلا البلدين.... أما ارتفاع أسعار النفط، فسيكون له عواقب سلبية جدا لأن ارتفاعها يعني ارتفاع سعر كل شيء، وسائل النقل منتجات تكرير النفط وذلك سيعني موجة جديدة من التضخم المالي  ما سيؤثر سلبيا على الاقتصاد العالمي بما فيها الروسي.

تعليمات استخدام خدمة التعليقات على صفحات موقع قناة "RT Arabic" (اضغط هنا)