روغوزين: لو كانت ليبيا بلدا لا يوجد فيه سوى أشجار الموز لكان الاهتمام به أقل بكثير

انسخ الرابطhttps://arabic.rt.com/prg/telecast/65414/

ضيف هذه الحلقة من برنامج "حديث اليوم" دميتري روغوزين، مندوب روسيا لدى الناتو والموضوع سيتناول قلق روسيا من خطط الناتو للتدخل العسكري في ليبيا.
لقد أعربتم عن قلقكم من خطط الناتو للتدخل في ليبيا.. هل أنتم مع الدعم الأطلسي والأوروبي للثوار الليبيين؟
عادة ما يتم الإعداد للتدخل العسكري على النحو التالي: قبل أن تأتوا يجب أن تطلبوا من طرف ما أن يستدعيكم، إذ أن الدخول من دون دعوة غير لائق، ولا بد أن تكون ثمة جهة مستقبلة. ولكي يكون لهذه الجهة مظهر جدي لا بد من إعطائها صفة شرعية. وهذا ما يجري الآن بشأن المعارضة الليبية. لكن المشكلة هي أن لا أحد يعرف هؤلاء الناس. من هم؟ في الحقيقة لا نعرف منهم سوى شخص واحد كان في السابق أحد مقرَّبي القذافي، لكن بقيتهم مجهولون. كما أنه ليس لدينا معلومات حول مدى تكاتف المعارضة الليبية. إذ من الأرجح أن ثمة مراكز مختلفة لها تعمل في مختلف أقاليم الدولة الليبية. هذا ويبدو لي أن إعطاء المعارضة صفة شرعية من قبل بعض الدول الأوروبية كفرنسا أو بريطانيا قد يؤدي إلى جر أوروبا والغرب بأسره ـ رغما عنهما ـ في نزاع أهلي اندلع في بلد آخر. إنها مشكلة كبيرة. وفي المناسبة فقد أظهرت الأحداث الأخيرة أن القذافي لن يستسلم سريعا. صحيح أن هناك مشكلات داخل قواته المسلحة وأجهزة أمنه تتعلق بمدى ولائها لنظام القذافي، لكن الجيش الليبي لا يزال يحافظ على مواقعه في ليبيا ويحقق انتصارات على المعارضة الليبية، ومن الخطأ الحديث عن أن سقوط القذافي سيأتي بين ليلة وأخرى. لذلك فإنني أعتقد أنه لطالما لعب الغرب لعبته من أجل نفسه، لكن كل ذلك لا يمت بصلة لمهمة إعادة الاستقرار في هذا الجزء من شمالي إفريقيا.

هل أقلقتكم دعوة فرنسا إلى قصف الأراضي الليبية؟ 
السؤال هو كيف يمكن تحقيق هذه الفكرة؟ من الناحية العسكرية الفنية ليس في الناتو تصور واضح عن مدى كفاءة قوات الدفاع الجوي الليبية. لنتصور الوضع عندما يبدأ بلد ما تدخلا عسكريا من خلال غارات جوية ويخسر طائرات قتالية عدة. فليبيا تملك منظومات فعالة بما يكفي للدفاع الجوي بما فيها المنظومات النقالة. وفي حالة مقتل عدد من الطيارين من الذي سيتحمل مسؤولية هذه الخسائر؟ لذا فإنني أعتقد أننا نشهد حاليا إجراء عمليتين في آن واحد: من جهة ثمة خطابات نارية، ومشاورات سياسية تجرى داخل الدول الغربية وفي مجلس الأمن الدولي، والبحث عن شخصيات ذات مرجعية بين المعارضين الليبيين، ومن جهة أخرى هناك تخطيط عسكري تُبحث فيه خيارات شتى فيما يخص كيفية التعامل مع الوضع. تعمل طائرات الأواكس، ومنظومات الاستطلاع الفضائي، والاستطلاع البحري، لمعرفة الوضع الحقيقي في ليبيا وتحديد مواقع القوات المسلحة الليبية وبؤر الاشتباكات. كل هذه المعلومات ترد إلى هيئات الناتو العسكرية المعنية، لكن جهوزية الناتو للخطوات العسكرية العملية ما زالت غير موجودة.

ليبيا غنية بنفطها. هل هذا هو سبب الاهتمام الأمريكي بها؟
إنه قول يتردد على ألسنة الجميع. اعتقد أنه لو كانت ليبيا بلدا لا يوجد فيه سوى أشجار الموز لكان الاهتمام به أقل بكثير لا سيما فيما يخص القضايا الإنسانية. بالطبع تعد ليبيا مصدرا هاما للمحروقات لأوروبا. هناك بلدان تعتمد إلى حد بعيد على صادرات موارد الطاقة من ليبيا، ومنها إيطاليا. من المعروف أن قضايا أمن الطاقة تحتل مكانة خاصة في أجندة الناتو، لذلك أعتقد أن هذا الأمر يؤثر جديا في وتيرة اتخاذ القرارات الغربية بشأن ليبيا. لا أحد يريد إطالة النزاع من أجل الاطمئنان حول ضمان استمرارية صادرات النفط الليبي إلى أوروبا. إضافة إلى عامل آخر هو أن عددا من الشركات الغربية الكبيرة التي تهتم باستثمار الحقول النفطية الليبية يمكنها أن تدفع بعض الدول الأوروبية إلى اتخاذ قرارات متسرعة بشأن التدخل في ليبيا، ظنا منها أنها ستستطيع استغلال العسكريين للدخول إلى ليبيا والوصول إلى منفذ فريد إلى ثروات هذه البلاد.

هل سيعد التدخل أحادي الجانب للناتو جريمة حرب؟
بالطبع سيكون أي تدخل سواء أقام به الناتو ككل أو دول منفردة من أعضائه غير شرعي في حال عدم موافقة مجلس الأمن عليه. ما أقوله ليس تحذيرا بل هو إقرار بالحقيقة لا أكثر. وفي داخل الناتو من يقول ما تقوله موسكو. انظروا إلى موقف الولايات المتحدة. واشنطن تتصرف بأكبر حذر إزاء ليبيا إن لم نصف موقفها بالخامل. وليس صدفة أن ثمة ألسنة جارحة تؤكد أن فرنسا وبريطانيا تسبقان "العم سام" نفسه في هذا الموضوع. لا يعلم أحد لماذا يحدث ذلك، وهل يحدث ذلك وفقا لسيناريو عام. لكن في أي حال من الأحوال يبدو لي أن الإدارة الأمريكية لا تحبذ الآن أية خطوات متسرعة تجاه ليبيا. فهي تراقب، وتعد لعمليات عسكرية محتملة لكن الحرب الجديدة ستمثل خطرا كبيرا على الولايات المتحدة، لا سيما في فترة ما قبل الانتخابات الرئاسية الأمريكية. وأعتقد أن على الكثيرين إقناع الرئيس أوباما بأن هذه الخطوة ستكون خطيرة للغاية وأن الحرب السريعة في ليبيا مستحيلة. ليبيا دولة كبيرة، والليبيون مقاتلون ذوو معنويات وأنا لا أعتقد أن الليبيين سيقبلون التدخل العسكري الأجنبي. كما يجب ألا ننسى أن ثمة فرقا بين نزاع أهلي يحظى فيه أحد الطرفين بدعم من قوة ثالثة، والتدخل الفعلي من قبل هذه القوة، التي يعد المهزوم في مواجهتها شهيدا...           
        
هل سيعني دخول الناتو إلى ليبيا تكرار سيناريو أفغانستان والعراق؟
من الصعب المقارنة بين الحالات الثلاث.. ليبيا بلد يقع في شمال إفريقيا وتضاريسه تختلف كثيرا من تضاريس أفغانستان، حيث لا تستطيع أن تحارب لأنك لا تعلم أبدا من الذي يختبئ وراء هذا الحجر أو ذاك ليطلق النار عليك.. هذه الأحجار غير موجودة في ليبيا. في المقابل لا تخلو ليبيا من مخابئ محصنة تحت الأرض، وفيها مصائد أعدها القذافي في السنوات الماضية من حكمه.. لذا لن يكون أي تدخل في ليبيا نزهة ترفيهية.

ماذا عن خطط الناتو إزاء غير ليبيا من دول الشرق الأوسط وإفريقيا؟
إن هذه الخطط مرهونة بمدى جاهزية الدول العربية لاستضافة قوات أجنبية وتحول أراضيها إلى قواعد للهجوم على ليبيا.. قد يشعر الكثيرون في الشرق العربي بنفور تجاه القذافي.. قد تكون تلك مشاعر المصريين أو القادة التونسيين.. لكن لا يوجد بلد عربي يريد أن يكون جسرا لشن هجوم على ليبيا، لأن عليه أن يتعايش فيما بعد مع ليبيا.. الأوروبيون والأمريكيون سيغادرون، لكن العرب سيبقون عربا وجيرانا. لذا فإنني أعتقد أنه يمكن أن تدعم جامعة الدول العربية فرض عقوبات ضد القذافي، لكن سيكون الحصول على تعاون هذه الدول في شن العملية العسكرية أمر عسيرا للغاية.

ما هي شروط دعم روسيا للتدخل الأجنبي في ليبيا؟
نريد الحقائق لا غير... إذا قدِّمت لمجلس الأمن دلائل تثبت استخدام القوات المسلحة الليبية ضد المدنيين، واستخدام الأسلحة الثقيلة واستهداف الجيش لقوافل تحمل مساعدات إنسانية... فنعم، في هذا الحال سيكون ممكنا لمجلس الأمن أن ينظر نظرة معمقة في إمكانية اتخاذ خطوات تتعدى فرض العقوبات. لكن لا توجد لدينا إثباتات. لدينا تقارير لبي-بي-سي وسي- أن- أن وقنوات تلفزيونية أخرى، نرى فيها جنديا يطلق النار من رشاشه في الهواء من دون أن نرى طائرة ما..، وبجانبه أناس يصفقون له لأنه جندي شجاع. لكن لو كانت هذه غارة جوية حقيقية لما كان هناك أحد ليصفق له.. أي أن هذه اللقطات التي يتم نقلها من خلال القنوات الدعائية العسكرية وعبر الشبكات الإعلامية الأمريكية والبريطانية، وهي تترك انطباعا أن أمامنا مسرحية تلفزيونية تقدم عمليات عسكرية وهمية!
أين هذه الطائرات العسكرية؟
أين القصف الجوي؟
أين الدمار؟
أين أكوام الجثث التي يتحدث عنها كثير من الصحفيين؟
إذا كانت هذه الجثث وآثار الدمار موجودة حاليا، يجب أن تكون صورها على طاولة مجلس الأمن، لذلك من الضروري تنفيذ قرارات مجلس الأمن السابقة، بما فيها قرار تشكيل لجان مكلفة بإثبات الوقائع. وقبل إثباتها لا يمكن لمجلس الأمن أن يأخذ على عاتقة مسؤولية مبالَغا فيها ويصدر حكما فيما لا وجود له.

ما سر صمود الثوار أمام قوات القذافي النظامية؟ هل استفادوا من الدعم الغربي؟ 
لا نستبعد أن ثمة عمليات تجرى حاليا في بعض الأماكن بالتعاون مع الثوار المعارضين، ولا نستبعد أن القوات الخاصة الغربية بقيت في ليبيا بعد استخدامها في عمليات إجلاء المواطنين الغربيين من هناك. لقد سبق للثوار أنفسهم أن احتجزوا عناصر من القوات الخاصة التابعة لبعض الدول الغربية.. لسنا ساذجين وندرك تمام الإدراك أن هناك عمليات خاصة تنفذ في أراضي ليبيا منذ أمد طويل لدعم المعارضة. ولو لم يكن الأمر كذلك لاستطاع القذافي الذي لا يزال يحظى بولاء الجزء الأكبر من الجيش وقوات الشرطة، سحق المعارضة منذ زمن طويل. وبما أنه لم يسحقها حتى الآن فإن ذلك يدل على وجود مساعدات خفية تقدمها القوات الخاصة الغربية للثوار. هذا هو رأيي. ليس لديّ إثباتات أنا الآخر. ولكن لديّ الخبرة وإمكانية تحليل الأوضاع. لا أستطيع أن أؤكد أن ما قلته حقيقة، لكني أظن ذلك.

هل يمكن بناء درع صاروخية مشتركة بين الناتو وروسيا في عالم مثالي؟
ثمة قرارات لقمة "روسيا ـ الناتو" في لشبونة تتناول مختلف جوانب العلاقات بين الطرفين. والمهمة الأولى هي التمهيد لإقامة علاقات شراكة استراتيجية بين روسيا والناتو. إذا كانت هذه الإرادة الصادقة التي تم إقرارها في وثائق قمة لشبونة لا تزال حية، فبإمكاننا حل كل المسائل اعتمادا عليها، بما فيها المسائل المعقدة جدا كبناء الدرع الصاروخية الأوروبية. وبهذا الصدد أود الإشارة إلى أن الأحداث الأخيرة في شمال إفريقيا والشرق الأوسط تخلق مجالا من الغموض في تقييم التهديدات الصاروخية. إذ أن بدعمه للقوى الموالية للغرب هناك ـ وهي قوى تقف وراء جميع الثورات في المنطقة ـ قد يمهد الغرب وإن كان ذلك بصورة غير مباشرة لإقامة أنظمة أصولية إسلامية في هذه الدول. لا يستطيع أحد أن يضمن عدم حدوث ذلك. وإذا تبين أن الاتجاه العام لتطور الأوضاع في الشرق الأوسط وشمالي إفريقيا هو تعزيز حضور الإسلاميين، ففي هذه الحالة ستصبح مسألة التصدي للتهديدات الصاروخية من المسائل الأكثر إلحاحا. لا نريد مثل هذا المستقبل لروسيا ولأصدقائنا الأوروبيين. ونحن لسنا مجانين ولسنا أنانيين ولسنا أغبياء كي نرفض بناء نظام مشترك على أساس المساواة، قادر على مواجهة التهديدات الصاروخية في العالم المضطرب الذي نعيش فيه. وإذا نجحنا في ذلك، ستكون هذه خطوة عملية في اتجاه الشراكة الاستراتيجية الحقيقية بين الجانبين. على الأقل تلك هي أمنيتنا.

تعليمات استخدام خدمة التعليقات على صفحات موقع قناة "RT Arabic" (اضغط هنا)