الزعيم الماليزي مهاتير محمد : المسلمون لديهم شعور بانهم يتعرضون للاضطهاد

انسخ الرابطhttps://arabic.rt.com/prg/telecast/65314/


استضاف برنامج "أصحاب القرار" رئيس الوزراء الماليزي الأسبق، مهاتير محمد الذي تحدث عن تطور بلاده والعلاقة بين ابناء مختلف الاديان وعن الاحداث في الشرق الاوسط وقضايا اخرى.
نورد ادناه نص هذه المقابلة:

س- دكتور مهاتير، ما هي أهداف زيارتكم إلى العاصمة الروسية؟

ج - في الواقع تلقيت دعوة من قبل الرئيس الروسي  دميتري مدفيديف لزيارة موسكو وعقد لقاءات معه لمناقشة القضايا المشتركة. وبالاضافة الى لقائي مع الرئيس سألتقي مع رئيس الوزراء السيد فلاديمير بوتين وسأتحدث مع طلبة جامعة العلاقات الدولية عن الأحداث الجارية في الوقت الحاضر في شمال افريقيا،  وكذلك سأتحدث عن امكانية اللجوء الى الاحتجاجات والمظاهرات من اجل الاطاحة بالحكومات غير المرغوب فيها من قبل شعوبها. وبالتاكيد سيجمعني لقاء  خاص مع العديد من الطلبة الماليزيين الدارسين في موسكو. ستستغرق هذه الزيارة ثلاث ليال وأربعة أيام.

س- اليوم كل القنوات التلفزيونية تبدأ نشراتها الإخبارية من الأحداث الجارية في شمال أفريقيا. ما هي برأيكم أسباب الثورات التي تعصف اليوم بالعالم العربي؟ وهل هناك خشية من امتدادها إلى دول العالم الإسلامي الأخرى؟

ج - أعتقد ان هذه الشعوب خضعت لسيطرة  حكومات لعقود طويلة دون ان تظهر تلك الحكومات اي اهتمام ودون ان تعمل على تلبية متطلبات شعوبها، كما ان تلك الحكومات لم تعمل على تأمين العيش الكريم لشعوبها، تلك الشعوب لا تمتلك  مدخولات مادية جيدة ولا وظائف تمكنها من العيش اسوة بغيرها، هذه الاسباب جعلت الشعوب تنفر من الحكومات الجاثمة على صدورها منذ فترات طويلة، ولكنني اعتقد ان السبب المباشر يكمن في حادثة الشخص التونسي الذي صرخ صرخة احتجاجية مدوية حينما قام باحراق نفسه الامر الذي حرك الشارع التونسي بالكامل ضد الحكومة التونسية والنتيجة كانت الاطاحة بالرئيس التونسي،  تلك الاحداث التونسية كان لها تاثير مباشر على الشعب المصري الذي خرج بمسيرات احتجاجية مماثلة قادت الى الاطاحة بالرئيس المصري، وحاليا نشاهد ردود افعال مماثلة من قبل الشعب الليبي ضد الحكومة الليبية.
بكل تاكيد، المشكلة هي مشكلة اجتماعية ، هذه الشعوب لا تعيش حياة جيدة وكريمة، ولم تفعل اي تحسن او تقدم  في بلدانها من حيث توفير الوظائف والمستوى المعيشي او حتى على مستوى تقديم الخدمات او  منشآت البنى التحتية وغيرها من الامور...

س- هل هناك مخاوف من تولي الإسلاميين الراديكاليين السلطة نتيجة هذه الثورات؟

ج - حسنا ، اعتقد ان هذا احتمال وارد الا انني اظن ان الشعوب لم تعد راغبة في ان تخضع لسلطة حكومات استبدادية.. هم بالحقيقة يتطلعون لان تكون لديهم حكومات تظهر اهتماما اكبر بشعبها،  وان تكون اكثر ديمقراطية لانهم يرغبون ان تكون لديهم فرصة لتغيير الحكومة التي لا تعمل بشكل جيد ولا ترضي تطلعات ورغبات الشعوب في الحصول على عيش كريم.

س- برأيكم، ما هو احتمال تجذر الإسلام الراديكالي في العالم؟

ج - المسلمون لديهم شعور بانهم يتعرضون للاضطهاد – وأحد الامور التي أثرت في عقول وتفكير المسلمين في العالم هو ما يجري من احداث في فلسطين -  على سبيل المثال-  فالاراضي الفلسطينية تم استقطاعها لاقامة دولة اسرائيل عليها وفي الحقيقة تم ابعاد الفلسطينيين عن موطنهم الاصلي -  ومن الطبيعي جدا ان يسعى الفلسطينيون لاستعادة بلدهم -  المسألة في الجوهر مسالة سياسية -  وبما ان معظم الفلطسينيين هم من المسلمين فانه من الطبيعي ان يتبنى قضيتهم المسلمون  في مختلف ارجاء العالم -   القضية الفلسطينية وما تبعها من احتلال لافغانستان والعراق – كل هذه الاحداث  جعلت المسلمين في العالم يشعرون بالظلم وسوء المعاملة -  فبلدانهم تتعرض للاحتلال وليس لديهم اي رأي في الامر فضلا عن عدم قدرتهم على الدفاع  عن بلدانهم بالطرق التقليدية كالحروب- هذه الامور جعلت المسلمين ينصرفون للقتال بالوسائل الوحيدة التي يمتلكونها  ويلجأون الى القيام بافعال يطلق عليها اليوم افعال ارهابية.

س- أنتم مشهورون في العالم بأنكم صانعوا المعجزة الماليزية الاقتصادية، التي حولت بلدا زراعيا متخلفا إلى نَـمِـرٍ آسيَوي. انطلاقا من خبرتكم، ما هو النموذج الاقتصادي الأكثرُ فاعليةً اليوم؟ الأوروبي أو الآسيوي أو الاسكندينافي.. أو لعلنا سنرى نموذجا جديدا مغايرا في المستقبل؟

ج - يجب ان يكون هناك مزيج من الاثنين معا-  بالنسبة لنا نحن نتقبل السوق الحرة وكذلك الرأسمالية ولكن بحد معين -  كما اننا لا حظنا ان بلدان شرق اسيا مثل اليابان وكوريا الجنوبية قد اظهرت  تطورا هائلا وسريعا  الامر الذي دفع بنا الى دراسة تجربتهما وتحليلها للوقوف على الاسباب والسبل التي ساعدتهما في تحقيق التطور والنمو الهائلين  -  بعد ذلك قمنا بتطبيق التجربتين اليابانية والكورية الجنوبية على بلدنا. لذا تجربتنا في بناء وتطوير بلدنا تضم خليطا من التجربتين الاوربية والاسيوية.
الشيء المهم والجوهري هو ان يكون هناك قادة يعملون على الاعتناء بشعوبهم وبلدانهم ويحرصون على تنمية وتطوير بلدانهم – بالاضافة الى ذلك يجب ان يكون نظام الحكم ديمقراطيا ويسمح بابعاد القائد و الرئيس عن سدة الحكم اذا ما اخطأ او فشل في ادارة بلده دون ان يلجأ الى استخدام العنف للبقاء في منصبه ودون ان يجر بلده وشعبه الى نار الحرب الاهلية والاقتتال -  وبالطبع يتم هذا  عن طريق الانتخابات التي سيتعرض القائد الفاشل فيها الى خسارة اصوات ناخبيه التي تمكنه من تولي الرئاسة مرة اخرى-  وجود مثل هذا  النظام بكل تاكيد سيسهل من عملية إبعاد القائد من خلال التصويت بسبب عدم اهليته لمنصبه -  ومع مثل هذا النظام الانتخابي فان القادة سيضطرون الى الاهتمام  بشؤون ومصالح شعوبهم وبلدانهم لانهم بخلاف ذلك سيخسرون مناصبهم ويتم ابعادهم. مع وجود هذا النظام وحينما يظهر القادة رغبة واهتماما بتطوير بلدانهم من خلال استغلال موارهم وعائداتهم  فان هذا الامر سيقود الى تحقيق الاستقرار السياسي الذي سيعمل بدوره على تسهيل عمليات تطوير وتنمية البنى التحتية للبلاد ورفع المستوى المعيشي للمواطنين وتحقيق عيش كريم لهم...

س- أنتم منشغلون بالصيرفة الإسلامية بشكل حثيث. هذا النظام أثبت فاعليته ليس فقط في الشرق بل وفي دول أوروبية كفرنسا مثلا. وتحاول بنوك روسية مثل "في-تي-بي" تطبيق مبادئ الصيرفة الإسلامية. لماذا؟ وما هي أفضلية هذا النظام وأين عيوبه؟

ج - اولا هذا ببساطه سببه ان البلدان الاسلامية غنية جدا بسبب انتاجها للنفط الذي يعود عليها بمبالغ طائلة جدا وتلك الاموال بحاجة للاستمثار – لهذا السبب تظهر البلدان الاخرى رغبة في الحصول على تلك الاموال ولكنها لا تتمكن من ذلك عن طريق النظام المصرفي الاعتيادي الذي يعمل وفق مبدأ الفائدة – لذلك تجد تلك البلدان نفسها مضطرة للعمل وفق النظام المصرفي الاسلامي الذي لا يعمل وفق مبدأ الفائدة – والذي نال شهرة عالمية بسبب الرغبة التي تظهرها البلدان الاخرى لاستمثار الاموال الموجودة في البلدان الاسلامية -  وفي ذات الوقت لاحظنا ان النظام المصرفي التقليدي في الغرب قد تعرض للفشل بسبب احتكار نسبة  الفائدة -  في حين نجد ان النظام المصرفي الاسلامي قد نجح لعدم وجود الفائدة وكذلك بسبب نجاحه في تجنب بعض الاستغلال وسوء استخدام الاموال التي ترافق النظام المصرفي الغربي. كما ان نجاح النظام المصرفي الاسلامي في مواجهة الازمة المالية الحالية اكثر من المصرف الغربي دفع باطراف عدة الى التوجه نحو اعتماد النظام المصرفي الاسلامي في معاملاتها المصرفية.
بالتاكيد لا يوجد نظام مصرفي متكامل ولكن يمكنني القول ان النظام المصرفي الاسلامي مصمم بطريقة تمكنه من ملاءمة الظروف  دون ان يخرج عن التعليمات الشرعية الاسلامية – وهذا يعني ان المبالغ التي يقوم المصرف الاسلامي باقراضها تكون محدوده وفي الغالب لا تكون مبالغ كبيرة على عكس المصارف الغربية التي يعادل  حجم الاموال التي تقرضها ستة اضعاف.

س- اليوم نرى أن الثقل السياسي والاقتصادي انتقل من الغرب إلى الشرق، وصعدت إلى مقدمة خشبة المسرح دول مثل الصين والهند وكوريا الجنوبية وغيرها. هل هناك منطق معين في هذه العملية؟ وكيف ترى نموذج التطور الصيني الهندي؟

ج - في الحقيقة النموذج الرئيسي هنا هو اليابان  التي تتبع استراتيجية تتمثل في استيراد المواد الخام من الخارج ومن ثم تقوم بتصنيعها  لاعادة تصديرها مرة اخرى – وهذا المبدأ نفسه تستخدمه   كوريا الجنوبية والصين في الوقت الحاضر فضلا عن بلدان جنوب اسيا -  هذه البلدان تتطور وتنمو من خلال اتباع ما يعرف بالنمو عن طريق  التصدير-  فهي تعتمد بالاساس على عائدات صادراتها من المواد التي تصنعها  لتحسين وضعها المادي-  ولكي يتمكنوا من التصدير فهم بحاجة الى استيراد المواد الخام ومن ثم تصنيعها في بلدانهم وتهيئتها للتصدير -  هذا هو النموذج المتبع في اغلب بلدان شرق اسيا-  وفي الوقت الحاضر تبنت الهند ايضا هذا النظام – وفي ذات الوقت نحن تبنينا نظام السوق الحرة واشير هنا الى رؤوس الاموال الواردة الى بلدنا والاستثمار في تصنيع الاخشاب المصنعة  الامر الذي ساهم كثيرا في تطوير نمو بلدان شرق اسيا-  هذا  النموذج لا يزال  ساري المفعول ولكن ما نراه  حاليا هو ان السوق الاورو- أمريكي في تراجع  لذلك لا يمكننا ان نعتمد على التصدير لهذه السوق ويتوجب علينا ان نفكر في بدائل اخرى على رأسها تطوير وتنمية السوق المحلية وكذلك السوق الاقليمية . ماليزيا بالتاكيد هي احدى هذه الدول واخص بالتحديد الصين هنا.

س- وبرأيكم، هل تستطيع الصين أن تصبح دولة عظمى جديدة في ظل مشكلة الموارد الطبيعية في تلك البلاد؟

ج - ما حصل في الواقع هو ان الصين تمكنت من تصنيع بضائع رخيصة جدا وبيعها  الى باقي بلدان العالم وبسبب ذلك اصبحت الصين دولة ثرية جدا – فاحتياطات الصين الان هي الاكبر في العالم -  ومع وفرة الاموال لدى الصين اصبحت قادرة ليس فقط على شراء المواد الخام بل تصنيعها ايضا بنفسها من خلال شراء اراض تضم مناجم واراض زراعية واستغلالها للانتاج والتصنيع لتلبية احتياجات الشعب الصيني -  وسيستمر اقتصاد الصين بالنمو بناء على استثماراتها في الخارج.

      
 س- كيف تقيمون التعاون بين روسيا وماليزيا في إطار منظمة المؤتمر الإسلامي؟

ج - هناك إمكانيات لتطوير التعاون الثنائي بين روسيا وماليزيا في مجالات كثيرة، لكن للأسف روسيا لم تنظر حتى الآن إلى منطقة شرق جنوب آسيا مثل دول الغرب أو اليابان التي تنظر إلى منطقتنا كمنطقة محتملة لنمو كبير.  لكن روسيا لا تركز سياستها على ماليزيا أو جنوب شرق آسيا والتجارة بين الدولتين لا تزال قليلة جدا في الوقت الذي يبلغ فيه مستوى  التبادل التجاري مع الولايات المتحدة عشرين مليار دولار سنويا.
روسيا لديها عدد كبير من المسلمين وهؤلاء المواطنون يحتاجون إلى فرصة لسماع أصواتهم،  يحتاجون إلى تمثيل في منظمة المؤتمر الإسلامي الأمر الذي يمكن ان تنفذه الحكومة الروسية . يجب على هذه الحكومة أن تنتبه الى وضع المسلمين لديها لكي تستطيع تمثيل مصالحهم في المنظمة الدولية. طبعا هذا التعاون يعد لصالح المسلمين الروس من ناحية، ومن ناحية أخرى سيساهم في تحسين صورة روسيا الاتحادية أمام الدول الإسلامية التي تنظر الى روسيا أحيانا كبلد غير إسلامي تماما وحتى معاد للديانة الإسلامية.

س- استقالتكم من رئاسة الحكومة كانت مصحوبةً بعدد من الفضائح، وأثارت مناقشات حادة في العالم. أحد تصريحاتكم الأخيرة عام ألفين وثلاثة تناول سيطرة اليهود على القطاع المصرِفي، والذين كما قلتم: "يحكمون العالمَ كلَّه". هل تغيرت وجهة نظركم بشأن هذه المسألة اليوم؟

ج - لا، لم أغير وجهة نظري بهذا الشأن. حتى ان الامر أصبح  أكثر وضوحا في الوقت الراهن. لليهود نفوذ هائل على اقتصاد العالم والنظام المالي العالمي. نلاحظ أن أغلبية البنوك في الولايات المتحدة يمتلكها أو يترأسها يهود، وهي نفس البنوك التي كانت السبب في الأزمة المالية العالمية. علاة على ذلك، فانهم يسيطرون على وسائل الإعلام، في أمريكا مثلا نشاهد التحكم اليهودي الشامل في الإعلام وكذلك على الأموال. وكل شخص يريد أن يترشح للرئاسة أو لعضوية   الكونغرس  عليه أن يعطي ضمانا بأنه سيؤيد إسرائيل. والا، فانه سيخسر الانتخابات.

س- ما هو دور المصارف العالمية الكبرى في الأزمة الاقتصادية المالية؟ وهل تعدّ هذه الأزمة في حقيقتها أزمة بنيوية عميقة وشاملة أم أزمةً دورية؟

ج - طبعا، هذه أزمة بنيوية يعني أزمة النظام المالي العالمي كله. القضية تتمثل في أنه لا يجب على البنوك إقراض أكثر من أصولها بعشر مرات من حجمها. لكن البنوك أقرضت الأموال التي تجاوزت أصولها بثلاثين مرة للذين لا يستطيعون أن يلتزموا بصكوك القروض.  من الأسباب الرئيسية للأزمة الكبرى أن البنوك تعمد إلى  إقراض الناس العاطلين عن العمل وليس لديهم آفاق للمستقبل ولا يملكون شيئا بهدف مساعدتهم على شراء عقارات على أمل أن يرتفع سعر العقار في المستقبل ما يمكن هؤلاء من إعادة القروص إلى المصارف. ولكن مع بقاء أوتراجع أسعار العقارات فإن عدم تمكن المقترضين من إعادة ما بذمتهم من قروض يؤدي إلى إفلاس المصارف.

س- هل يمكن القول إن الأزمة المالية العالمية انتهت؟

ج - لا أظن أن الأزمة انتهت. كثير من الصحف تنشر مقالات تقول إن الأزمة انخفضت أو انتهت بدرجة كبيرة، لكن في حقيقة الأمر الأزمة لم تنته بعد. ذلك لأنهم لم يغيروا النظام المالي العالمي، النظام الذي أدى إلى الأزمة الحالية. النظام المالي والنظام النقدي والنظام المصرفي تبقى كما كانت وتتعرض للاستهتار . وطالما لم يتغير هذا النظام المالي ولا توجد رقابة حكومية عليه، فإن هذه الأزمة لن تعالج وهناك احتمال لنشوب أزمات مالية أخرى.

س - وما هي الدروس، التي يجب استخلاصها من الازمة؟

ج -  طبعا، يجب علينا أن نستخلص الدروس، لكننا لم ننجح في استخلاصها. عرفنا أن الأزمة ستحدث ولم ندرس الوضع ولم نحلل بجدية أسباب ما حدث. على سبيل المثال، عام ألف وتسعممئة وسبعة وتسعين حدثت الأزمة الآسوية التي كانت اصطناعية إلى نوع ما، لأن من خلقها هم تجار العملات. كان يجب عليهم وضع حد لبيع العملات لأن هذه العملية مدمرة جدا. لكن بدلا من ذلك نشاهد أن بيع العملات أصبح أكبر مما كان عليه . خلال يوم واحد بلغت تجارة العملات أربعة مليارات دولار ما يعادل حجم الإنتاج العام لألمانيا خلال سنة يعني أربعة مليارات دولار من تجارة العملات لا تخلق أي فرصة عمل ولا تؤدي إلى توليد أي أنشطة الأعمال. ولو كانت هذه التجارة تجارة عادية فتسببت في إنتاج البضائع الكثيرة والخدمات ...

س- دولةً بعد أخرى، تعلن الدول الأوروبية اليوم عن فشل سياسة تعدد الثقافات وانهيار التسامح الديني. وتستمر أوروبا في التشدّد ازاء سياسة الهجرة. هل يواجه العالم خطرَ صدامٍ شامل بين الديانات الرئيسية؟

ج - في البداية يمكن القول اننا شهدنا صداما في فلسطين، لكنه لم يكن نزاع ديانات بل نزاع على الأرض، حيث   أن الأراضي التي كانت ملكا لبعض الناس انتقلت إلى ملكية أناس آخرين. بطبيعة الحال، كل أصحاب الارض الأصليين سيكافحون لاستعادة أرضهم الأم، ولذلك لم نشاهد تحقيق السلام في الشرق الأوسط خلال الستين عاما الماضية منذ تأسيس الدولة العبرية. يعني، القصة بدأت بالنزاع من أجل الأرض، من خسارة الأرض. طبعا المسلمون الذين يتعاطفون مع الفلسطينيين الذين خسروا أراضيهم يدعمون الصراع من أجل هذه الأرضي. وكثير من الناس يغضبون لأن هذه الوضع غير عادل تماما، لا يستطيعون فعل شيء رسمي مثل شن حرب لكنهم يقومون بعمليات إرهابية كما تسميها بعض الدول. ولسبب ما يسمى بالإرهاب هناك شعور بأن التعايش بين الثقافات والديانات والقوميات مستحيل لكن الأمر لم يكن كذلك سابقا ولم تكن أي مشاكل بين الناس. أنا متأكد بأن الثقافات المختلفة تستطيع التعايش جنبا إلى جنب لأنني ماليزي، وتتعايش في دولتنا ثلاث ثقافات مختلفة تماما لا تتصارع مع بعضها البعض رغم كل الخلافات. لدينا في ماليزيا السكان الماليزيون الأصليون، الذين ينتمون إلى الإسلام والصينيون الذين يعتنقون البوذية وتاو والهنود الذين يعتنقون الهندوسية. أعراق مختلفة لا تشبه بعضها البعض بتاتا لكنها تتعايش في انسجام. شهدنا نزاعات صغيرة لكننا لم نشهد أبدا صداما شاملا.
وفي ما يخص الهجرة إلى أوروبا، فمن المستحيل توقف هذه العملية. وبات من السهل تجاوز الحدود  ؟ اليوم لا نستطيع  ممارسة سياسة الانعزال. اليوم السفر أصبح سهلا والناس بحاجة إلى الهجرة للحصول على عمل افضل والحدود لا يمكن عزلها ولذلك  سيتواصل تدفق الناس الذين سيتجاوزون الحدود وسيهاجرون للاستقرار في بلد ثان، أتوقع أن معظم بلدان العالم سيعيش فيها مواطنون متعددو الأعراق وربما الصين ستكون استثناء.
س- أودّ التذكير بأحد الشعارات التي كانت رائجة في ماليزيا. "طفلٌ من دونِ كومبيوتر - طفل بلا مستقبل". برأيكم، ما هو دور الحاسوب والانترنت في حياة الناس والمسارات السياسية اليوم؟  بما فيها الأحداث الأخيرة في شمال أفريقيا؟

ج - بفضل الكومبيوتر حصلنا على شيء مهم وهو الوصول إلى المعلومات. لا توجد حكومة في العالم تستطيع ايقاف سيل المعلومات من بلد إلى آخر عبر الحدود. الوصول إلى المعلومات ونيلها يعني المعرفة، حيث يصبح الناس أكثر ذكاء وأكثر قدرة للتفكير وفهم خصائصهم واختلافاتهم مقارنة  بالبلدان الأخرى ومن هنا تظهر رغبتهم في التمتع  بنفس الوسائل والامكانيات. والتواصل على مستوى الأفراد كذلك أصبح سهلا جدا عبر الرسائل القصيرة اس-ام-اس والبرامج المتعددة الموجودة في الكومبيوتر. ما يجري هو أن الناس الفقراء يمكنهم أن يروا كيف يعيش الناس في البلدان الغنية  مثلا، مواطنو الدول الديكتاتورية يتابعون الحياة في الدول الديموقراطية وهم يريدون نفس الشيء. لا احد يستطيع  منع  الناس من الحلم بهذه الأشياء. في ظل الانترنيت اليوم تستطيع أن تتعامل مع شخص آخر دون التكلم معه  تستطيع التكلم مع الملايين عبر أجهزة مختلفة. يمكن أن تتعرف على أسلوب تفكير الناس الآخرين. الحصول على المعلومات أصبح سهلا جدا. في السابق لم يكن أحد يجرأ في البحث عن معلومات عن الحكومة مثلا، لأنه لو تحدث مع أحد عن الحكومة،  فالاحتمال كان أن هذا الشخص أو ذاك هو مخبر. لكن اليوم الناس بإمكانهم معرفة نفس الشيء ببساطة عبر شاشة الهاتف النقال. كل هذه الأشياء، مثل الانترنيت، أثرت على أسلوب تفكير الناس والحكومات يجب أخذ  هذه الحقائق بعين الاعتبار وبدون ذلك فان الشعوب ستتمرد ضد الحكومات الاستبدادية.
من الطبيعي انه ليس هناك شيء ايجابي وآخر سلبي مئة بالمئة بما فيها الانترنيت. وعندما اتخذنا قرارا خاص بإنشاء منطقة الوسائط المتعددة في ماليزيا، وعدنا بعدم وضع مراقبة على الانترنيت والتعهد بذلك في ذلك الوقت كان سهلا لأننا لم نستطع التنبؤ بالعواقب. واليوم نرى في الانترنيت الكثير من العنف والدعاية السلبية والإباحية  الجنسية التي تؤثر على تفكير أطفالنا. على العالم أن يفهم أنه  يجب  فرض بعض القيود على ما ينشره الإنسان في الانترنيت.

س - هل يصلح نموذج الإسلام الماليزي لإخراج العالم الإسلامي من تأخره، والتغلب على مشكلاته؟

ج - لا أسمي الإسلام في ماليزيا نموذجا معينا. نحن نتابع العقائد الإسلامية الأساسية فقط الواردة في القرآن الكريم والسنة. خلال أكثر من ألف وأربعمئة سنة من تواجد الإسلام كانت هناك تفسيرات مختلفة لهذه العقائد، وبعضها تناقض الأخرى والتابعون لإمام واحد يمكن أن يواجهوا التابعين لإمام آخر بسبب الاختلافات في هذه التفسيرات. إذا لتفادي هذه الصدامات والنزاعات، يجب علينا الرجوع إلى العقيدة الأساسية التي نجدها في القرآن وها هو النموذج الماليزي. نحن أصليون، نريد أن نتمسك بالعقيدة الأصلية للقرآن الكريم. وهذا النموذج يناسبنا تماما، وهو يدعونا الى طلب العلم  والمهارات  ونسعى إلى المعرفة العلمية لكي نستطيع حماية أنفسنا وهذا هو الإسلام الذي نمارسه في ماليزيا. وفي الوقت نفسه نؤمن بأن الناس الآخرين لهم الحق في ممارسة ديانتهم. "لكم دينكم ولي ديني" كما يقال في القرآن الكريم. إذا كانوا يريدون ممارسة ديانتهم فهذا حقهم.

س- وعودة إلى زيارتكم إلى موسكو إلى روسيا.. في هذا العام تحل الذكرى العشرون لانهيار الاتحاد السوفيتي. كيف تنظرون إلى التحولات التي جرت في روسيا بعد هذا الانهيار؟

ج - دون شك ما يتبع كل انهيار يختلف جذريا عما كان سابقا، وروسيا المعاصرة تختلف عن النظام السوفيتي السابق.طبعا الروس يحاولون أن يتكيفوا الآن مع النظام الجديد. ربما ستواجه روسيا فترة من عدم الاستقرار والمشاكل الإدارية لكن روسيا تحل هذه القضايا في الوقت الحالي والأوضاع في روسيا الآن أفضل بكثير مما كانت سابقا ، الناس أصبحوا أغنى بكثير ويتمتعون بمستوى معيشة أحسن .

السيد مهاتير! شكرا جزيلا على هذه المقابلة. 
  
  

تعليمات استخدام خدمة التعليقات على صفحات موقع قناة "RT Arabic" (اضغط هنا)