باحث روسي: قيادة مصر لم تتمكن من الأخذ بعين الإعتبار كل تداعيات السياسة الإقتصادية الليبيرالية

انسخ الرابطhttps://arabic.rt.com/prg/telecast/62679/

نسلط الضوء في هذه الحلقة الجديدة من برنامج "حديث اليوم" على تطوراتِ الأوضاع في مصر والقراءةِ الروسية لتلك الأحداث.. ونُرَحِّب في هذه الحلقة بالسيد فلاديمير بيلياكوف كبير الباحثين في معهد الاستشراق الروسي.

من برأيكم يقف وراء هذه الأحداث وكيف تقيمون تناسب القوى في البلاد؟

أظن أن المشكلة تكمن في أن قيادة البلد لم تتمكن من الأخذ بعين الإعتبار كل تداعيات السياسة الإقتصادية الليبيرالية. وهناك مجموعتان أساسيتان من التداعيات. فمن ناحية نشأت الطبقة الوسطى المصرية. ومن المعروف أنه للاقتصاد الليبيرالي فلسفة ليبيرالية خاصة به. وكانت الطبقة الوسطى الجديدة تنمو بوتائر سريعة جدا بسبب التنمية الاقتصادية السريعة. ولم تعد هذه الطبقة راضية عن النظام السياسي المتجمد. وحسب ما فهمت كان ممثلو الطبقة الوسطى الجديدة بالذات بمطالبهم الديموقراطية المبادرين الى الحركة الاحتجاجية. ومن ناحية أخرى أدى نمو الطبقة الوسطى الجديدة إلى زيادة الإستهلاك ورفع الأسعار. وتضرر الفقراء من ذلك. ولو استطاعت السلطات أن تلاحظ ذلك في الوقت المناسب وتأخذه بعين الإعتبار لما جرت الأحداث على هذا النطاق الواسع. وبشكل عام في السنوات الأخيرة سبق لمصر أن شهدت عدة مظاهرات إحتجاجية نظمتها المعارضة الليبيرالية. ولكنها لم تنتقل الى هذه الأبعاد الواسعة أبدا ولم يشارك فيها أبدا ممثلو طبقات الفئات المظلومة الأخرى.
أعتقد أن الاحداث الحالية لا تعتمد على مرجعية تنظيمية واحدة، بل تتطور بشكل فوضوي. ولا يوجد زعيم وطني حقيقي لهذه الاحداث ايضا. حيث لا يمكن اعتبار محمد البرادعي زعيما وطنيا مصريا لأنه شخصية تكاد تكون غير معروفة في مصر وكان يعيش خارج وطنه على مدى أكثر من ثلاثين عاما.
وبالطبع بالنسبة للمثقفين الليبيراليين والديموقراطيين وللدوائر الخارجية يعتبر البرادعي شخصية. ولكن بالنسبة للمتظاهرين الذين خرجوا الى الشوارع  واقدموا على تدمير المتاجر لا يعني اسم البرادعي شيئا.

التظاهراتُ شَمِلَت مصر بأكملِها.. الناسُ كانوا يذهبون الى الشوارع بالرغم من حَظْرِ التَجَوُّل وتحليقِ الطائراتِ العسكرية والمروحيات فوق رُؤُوسِ المتظاهرين.. كيف نفهم من صاحب الأمر؟

الامر يكمن في ان زمام السلطة توجد حاليا في أيدي الجيش.. والشعب لا يخاف من الجيش، حيث كان المواطنون المصريون وخاصة الفقراء منهم يخافون من الشرطة نظرا لحالة الطوارئ التي تشهدها البلاد منذ ثلاثين عاما عندما كانت الشرطة وقوات الامن لا تخضع للمراقبة المدنية وكانت تستخدم القوة المفرطة لاحتواء احداث الشغب والقاء القبض على المحتجين. اما الجيش فيتمتع باحترام شعبي كامل ولا يهاب الناس الجيش، وعلى الرغم من تواجده في الشارع تستمر التظاهرات.

 كيف ترون تدعيات المشهد المصري على المنطقة عموما وكيف سيؤثر على الوضع الاستراتيجي في المنطقة وميزان القوى هناك؟

كل شيئ يتوقف على التطورات القادمة، ولدي شعور بان النظام الحالي سيبقى في السلطة في المستقبل المنظور ولذلك لن تؤثر الاحداث الحالية على دول المنطقة بشكل ملحوظ، لا سيما وأن في كل بلد اوضاع ومشاكل محلية خاصة. واذا تطرقنا على سبيل المثال الى احداث الشغب التي شهدها اليمن مؤخرا فهناك اسباب مختلفة تماما عما نشهده حاليا في مصر. اما الاردن فهو بلد فقير ويشكل الفلسطينيون فيه اكثر من نصف سكانه تقريبا وكل التطورات الجارية في الاراضي الفلسطينية تنعكس على الفلسطينيين في الاردن ما يسفر عن وقوع تظاهرات بين الفينة والاخرى ولكن ليس بالحجم الذي نراه في مصر حاليا.

 ما الدور الذي يلعبه الغرب والمجتمع الدولي وتحديدا واشنطن في أحداث مصر وكيف تقرأون الموقف الروسي ازاءاها؟

من الواضح تماما حاليا واستنادا الى مواد موقع ويكيليكس التي تم نشرها منذ أيام أن الحكومة الأمريكية كانت تشجع هذه المعارضة الليبرالية الديمقراطية ولو بشكل سري.. وذلك على الرغم من أن الرئيس مبارك يعد حليفا للولايات المتحدة.. ولكن في الوقت الذي يصرخ فيه المتظاهرون أن مبارك وعمر سليمان عميلين للولايات المتحدة،، تولد في نفسي شعور بالرفض وعدم الموافقة مع هذا.. لأن السياسة التي يمارسها مبارك تحمل طابعا وطنيا بحتا.. بل وثمة سلسلة من القضايا التي ليس هناك اتفاق ازاءها بين الولايات المتحدة ومصر التي يقودها مبارك حاليا.. ومن بين هذه القضايا قبل كل شيء القضية الفلسطينية والعراق حيث لم تدعم مصر الاحتلال الأمريكي للعراق.. وكذلك مسألة مكافحة الإرهاب وعدم انتشار الأسلحة النووية.. بالطبع لا تستطيع الحكومة المصرية تجاهل الأمريكيين الذين يقدمون مساعدات مالية وعسكرية ضخمة لمصر.. بل ونعرف أن لا أحد يمكن أن يتجاهل الأمريكيين.. ومع ذلك فأنا على يقين أن مبارك لم يكن أبدا عميلا لواشنطن بل كان يحاول دائما أن يمارس السياسة الوطنية..
أما فيما يتعلق بتعيين عمر سليمان نائبا لمبارك فأعتقد أن ذلك يتعلق بأن مبارك وابنه جمال لن يترشحا   لمنصب الرئيس في الانتخابات الرئاسية في سبتمبر/أيلول المقبل، بل ان الحزبُ الحاكم سيرشح عمر سليمان لهذا المنصب.. أعتقد أن هذا السيناريو محتمل..
أود أن أشير الى أن المطالبة بان يكون النظام ديمقراطيا وإلغاء حالة الطوارئ وتحديد مواعيد الرئاسة هذا شيء.. والشيء الآخر هو المطالب الاجتماعية والاقتصادية البحتة.. فتلبية المتطلبات الديموقراطية أمر غير شاق.. ومن الممكن مثلا إلغاء اليوم وحتى جزئيا نتائج الانتخابات البرلمانية الأخيرة التي أثارت حالة الغضب عند المعارضة.. فلم تدخل المعارضة العلمانية ولا الاسلامية الى مجلس الشعب.. أما المسائل الاجتماعية فهذا الأمر أصعب كثيرا.. إذ ليس هناك احد يستطيع أن يحل هذه المشاكل خلال أشهر عدة.. بل وأعتقد أن النظام الحالي كان يحاول أن يفعل ذلك.. وأعطت وتائر نمو الاقتصاد المصري آمالا في أن المشاكل الاجتماعية ستحل في وقت سريع.. لكن القضية الرئيسة المصرية هي البطالة.. ليس الفقر بل البطالة.. ولكي يتم القضاء على البطالة يجب إنشاء حوالي مليون فرصة عمل سنويا أخذا بعين الاعتبار أن سكان مصر يزداد كل عام أكثر من مليون ونصف المليون شخص.. ولذلك يجب جذب الاستثمارات الأجنبية لأن الموارد المالية المحلية محدودة.. ويتطلب كل ذلك بالطبع الاستقرار في البلد.. إذا كل هذه المشكلات من الممكن حلها لكن تدريجيا خلال فترة طويلة وشريطة تحقيق الاستقرار والنتمية الاقتصادية السريعة في البلد.

 كيف ستؤثر تطورات الأحداث في مصر على العلاقات بين موسكو والقاهرة من الناحيتين السياسية والاقتصادية؟

أعتقد أنه مهما يكن من الأمر فالعلاقات بين موسكو والقاهرة لها أساس قوي وبما في ذلك الأساس التاريخي.. بالطبع اذا أوقف الاسلاميون موجة الاحتجاجات هذه فقد تكون هناك بعض المشكلات وهي ليست سياسية يل سياحية إذ سيجب على السياح الروس التحفظ خلال وجودهم في مصر.. بشكل عام تقوم العلاقات الروسية المصرية على اتفاقية الشراكة الاستراتيجية التي تم توقيعها منذ عام ونصف اثر زيارة الرئيس مدفيديف الى مصر.. وتتطور هذه العلاقات بشكل ديناميكي في جميع الاتجاهات.. لم تكن لدى المصريين أية ادعاءات ضد الاتحاد السوفييتي او روسيا أو الروس لأي سبب وأعتقد أن العلاقات بين دولتينا وشعبينا ستبقى متينة في المستقبل.

تعليمات استخدام خدمة التعليقات على صفحات موقع قناة "RT Arabic" (اضغط هنا)