مصر التي في خاطري

الثقافة والفن

انسخ الرابطhttps://arabic.rt.com/prg/telecast/61847/

" من شرب من مياه النيل مرة سيحن دائما للعودة إليه . من ولد ذات يوم فى طيبة سيسعى به الشوق للعودة إليها ، لأنه لا يوجد على ظهر الأرض مدينة تضاهيها. من ولد فى زقاق صغير سيدفعه الحنين للعودة إليه ... "
هذا ما كتبه منذ قرون عديدة سنوحى الطريد ، الأفقر من كل فقراء بلاد ( كيميت ) . عندما تحل الشيخوخة تعود الذاكرة ، كالطائر المهاجر، إلى أيام الطفولة . فى أواخر العمر تشع الطفولة فى ذكرياتى بنور السماء الصافية ، كما لو كان كل شيئ آنذاك أفضل وأجمل مما هو فى الوقت  الحاضر. ولا يبدو أن هناك فرقا ببن فقير وغنى ، لأنه لا يوجد فى الدنيا ذلك الفقير الذى لم ير فى طفولته اشعة الضياء والفرح عندما يتذكر ذلك فى شيخوخته. كان بيتنا كبيرا وواسعاً بالمقارنة مع البيوت الطينية التى يسكنها الفقراء والتى تلاصقت جدرانها صفوفا كئيبة على امتداد الحارات الضيقة. وسط الحى الفقير المضطرب، الذى راح يكتظ بالغرباء الذين لم يتبد انحلالهم لعينى إلا عندما أصبحت شاباً ، حافظ أبى وكل جيراننا على التقاليد والعادات القديمة الأصيلة. وبينما كان الناس حتى فى المدينة ذاتها ينظرون باستخفاف إلى العادات، بقينا نحن كالصخرة الصامدة نمثل مصر القديمة، مصر الورعة، الصادقة، المنزهة عن الأغراض. كأنما كنا نضع أنفسنا فى مواجهة حينا وأهله، الذين كان علينا أن نتعامل معهم ، ونؤكد بمجمل سلوكنا وأسلوب حياتنا إنعزالنا عنهم .
ولكن لماذا أتحدث عما لم أدركه إلا متأخراً ؟ أليس من الأفضل أن أتذكر جذع الجميزة الخشن وحفيف أوراقها عنما كنت أرقد تحتها محتميا بظلها من الشمس اللاهبة ؟ لماذا لا أتذكر أفضل لعبى، ذلك التمساح الخشبى الذى كنت أجره بحبل فى الشارع المبلط بالأحجار. كان يسير خلفى فاغرا فاه الأحمر ومصفقا بفكيه، وأولاد الجيران يتجمعون حولى ويحدقون فيه بذهول .
كانت أمى تأخذنى إلى السوق مساءً. ولم تكن فى الحقيقة بحاجة إلى شراء سلع كثيرة، لكنها كانت تقضى وقتاً طويلا فى اختيار حزمة بصل اخضر أو حذاء صيفى . كلامها كان يعطى إنطباعا بأنها سيدة ثرية تريد شراء أفضل سلعة ، وإذا لم تشتر كل ما يروق لى فإنها تفعل ذلك فقط من باب تعويدى على أن أكون مقتصداً . هكذا كانت تقول . كانت توصينى قائلة : " ليس الغني مَن يكنز الذهب والفضة بل من يرضى بالقليل " ولكن عينيها الفقيرتين الهرمتين تتطلعان بانبهار إلى الأقمشة الصوفية المتعددة الألوان ، والخفيفة كالزغب . كانت يداها السمراوان المخشوشنتان من العمل تتحسس الحلي المصنوعة من العاج وريش النعام وكأنها تداعبها . كانت تؤكد لى ، وربما لنفسها أيضا ، أن كل ذلك مجرد بهرجة وأشياء تافهة . ولكن روح الطفل في ثارت ضد هذه المواعظ ، وكنت أتوق إلى شراء ذلك القرد الذى كان يعانق صاحبه ، أو ذلك الطائر المزركش الذى كان يردد كلمات سورية ومصرية . ولم أكن لأمانع لو اشتروا لي سلسلة ذهبية أو صندلاً ذهبيا .
كثيرا ما كانت أمى تروى لى قبل النوم بصوت هامس كل الحكايات التى تعرفها عن البحارة والبلدان العجيبة . وكان أبى كثيرا ما يتذمر ويقول انها تحشو رأسى بالحماقات والهراء ، ولكن ما إن يخلد أبى إلى النوم حتى تواصل أمى رواية قصصها وهى لا تقل عنى تلذذا بسماعها . أذكر كما لو كان ذلك اليوم تلك الأمسيات الصيفية الحارة عندما كان الفراش يلسع جسدى العارى ولا يراودنى النوم . وكأنما الآناسمع صوتها الهادئ  المهدهد ، ومن جديد اشعر بالسكينة.  الشمس الحارة والبحر الدافئ هما ملكى ولن أتخلى عنهما لأحد . سيبقيان معى إلى الأبد .

تعليمات استخدام خدمة التعليقات على صفحات موقع قناة "RT Arabic" (اضغط هنا)