كاتب ومخرج سينمائي باكستاني : صناعة السينما الباكستانية تتجه نحو الانحدار بشكل سريع

الثقافة والفن

انسخ الرابطhttps://arabic.rt.com/prg/telecast/60917/

ضيف الحلقة الجديدة من برنامج"حديث اليوم" هو الكاتب والمخرج والمنتج السينمائي الباكستاني المعروف السيد نور  الذي تحدث عن ما وصلت اليه صناعة السينما في باكستان  ومدى عرضها لواقع المجتمع الباكستاني المحافظ الذي يعاني من مشاكل عديدة ، كما قارن بين وضع السينما في بلاده ووضعها في البلد الاسلامي المجاور ايران:

س - نريد ان نناقش معك الوضع الراهن للسينما الباكستانية ، فأين تقف هذه السينما اليوم ؟

ج - دعني أقول لك الحقيقة ، صناعة السينما الباكستانية تواجه مشاكل كبيرة جدا ، والسبب الكبير في هذه المشاكل هو وقوف باكستان في الصف الأمامي في الحرب على الإرهاب ، ناهيك عن مشاكل الطاقة التي نواجهها في المدن الكبيرة ومشاكل أخرى عديدة . وعلى ما يبدوا فأنه لا أحد مستعد بأن يذهب إلى السينما في ظل هذه الظروف ، فصناعة السينما الباكستانية تتجه نحو الانحدار بشكل سريع . يرجع ذلك لأسباب عديدة ومتنوعة ، وتأثرت السينما أيضا بسبب قلة الموارد والمعدات والمعامل الخاصة . فلذلك فالسينما الباكستانية تعاني بشكل كبير.

س - ماهي برأيك المعايير والاجراءات التي يمكن اتخاذها لتحسين وضع السينما الباكستانية؟

ج - أولا نحن نريد أن نحسن من وضع بلدنا باكستان . ففي حال عدم نجاحنا  في تحسين الظروف التي نعيش فيها ، وطالما  ظل رجل الشارع والمواطن الباكستاني يعاني من ظروف اقتصادية صعبة ،ولا يجد ما يكفيه لسد رمقه ، فلن يكون لديه الوقت الكافي للذهاب إلى السينما،  فهو مثقل  بالقلق والهموم الحياتية ،  مثل قلة مصادر الطاقة وقلة السلع الاستهلاكية ، ويضاف الى ذلك التفجيرات ، فإن لم يتم إزالة كل هذه العوائق  والمشاكل من حياة المواطن فأنا لا أرى تقدما  لصناعة السينما الباكستانية ولا حتى ازدهار جانب منها أو حتى أي محاولة لإعادة هيكلتها وإحيائها .
فنحن أولا يجب أن نفكر في إعادة إحياء وتهيئة بلدنا . نحن حقا نريد قيادة سياسية قوية . نحن نريد دعم قوى للفنون المختلفة والمتنوعة،والامر يتطلب وضع خطة محكمة وثاقبة  من قبل وزارة الثقافة لترقية وتنمية الفنون ودعم صناعة الفيلم الباكستاني وتنمية الدراما . فنحن حقا في حاجة إلى الأفلام الوثائقية ، ولكن للأسف الشديد المشاكل الجمة التي نواجها كما ذكرت آنفا إضافة الى النظرة غير الصحيحة لديننا الحنيف من قبل بعض الجهات والمنظمات وبعض فئات المجتمع ، حيث ترى  هذه الفئات  أن السينما شيء مناف للدين. فهذه الجهات تمثل العائق الأكبر  امام  ترقية السينما.
وبسبب هذه الازدواجية في المعايير المتبعة من قبل المجتمع الباكستاني ، جعل صناعة السينما في انحدار متواصل ولم تتقدم على الإطلاق ، كما حدث في البلدان الأخرى ، مثل السينما الإيرانية على سبيل المثال. فهي سينما قوية جدا  يمكن أن تنافس في المحافل الدولية والعالمية.  فالسينما الإيرانية تقدمت بشكل كبير ونجحت في تنمية الثقافة الإيرانية وبشكل مشرف.  وإذا نظرنا إلى اسباب تقدمها  وقوة هذه السينما  وأهم عامل في ترقية السينما الإيرانية  نرى  أنها مدعومة ماليا من قبل الحكومة الإيرانية. ولديهم أكاديمية جيدة جدا  وراقية ،"  أكاديمة فرابي " ،  ربما قد سمعت بها،/ فهذه المؤسسة تعمل على تأمين  الدعم المالي اللازم لصناع الأفلام.  فإنا قمت بزيارة هذه الأكاديمية وكنت قد ناقشت معهم القيام بعمل مشترك ، فيلم يحكي قصة العلامة الباكستاني الكبير محمد إقبال.  فهم حقا أعطوا صناعة السينما حقها وأهميتها واحترموا الفن بأشكاله المختلفة.  وإن لم   نقدم الاحترام اللازم للفن وإن لم يقم المجتمع الباكستاني بتقديم الاحترام اللازم للسينما الباكستانية فلن ترى هذه السينما أي نور تقدم.
 
س - انت تحدثت عن السينما الايرانية ، فهي في ظل النظام الايراني الحالي ذي الصبغة الدينية   تعتبر راقية ولها  انجازات على المستوى الدولي ايضا.. وباكستان ايضا دولة اسلامية ، ولكن السينما الباكستانية ليست بالقدر الذي يمكنه ان ينافس حتى على المستوى الاقليمي ، فما هو وجه المقارتة هنا؟

ج - لا،  الحكومة الإيرانية تدعم الثقافة والفن الإيراني، ويمكن أن تشهد ذلك بنفسك من خلال الأفلام والمراكز الثقافية الايرانية الفاعلة والمنتشرة في العالم. فهم يقومون بتنمية  ثقافتهم بطرق مختلفة بجميع أنحاء العالم، وهم يقومون بصرف مبالغ طائلة على عمل الأفلام والسينما.  لقد شاهدت ذلك بنفسي، فهم يقومون باستثمار مبالغ ضخمة فى صناعة السينما ، ناهيك عن الأكاديميات التي يقومون بها  بتعليم مختلف الفنون،  فالمناهج قوية وعلى مستوى عال خاصة تلك المتعلقة بصناعة الأفلام. فهم أيضا لديهم الجامعات والأكاديميات المتقدمة جدا في مجال صناعة السينما والأفلام والدراما وغيرها . فوجود هذه الأكاديميات والمعاهد التعليمية يلعب دورا كبيرا في صناعة السينما. انهم يحترمون هذه الصناعة بشكل كبير ويحترمون الفن بشكل عام ، لذا فهم لديهم سينما قوية علاوة على صناعة الفنون الأخرى،  فهم يدعمون ذلك بشكل كبير.
أما في باكستان حتى اليوم فالناس هنا لا ينظرون لصناعة السينما على أنها شيء جيد . وكما ذكرت لك مسبقا فأنهم هنا يتبعون سياسية مزدوجة . وبسبب ذلك فالأغاني والموسيقى وأنواع الفنون الأخرى لا تعتبر لدى الخاصة من الشعب الباكستاني بأنها أمر جيد .لذلك لم نقم بتغذية السينما كما فعل الإيرانيون على سبيل المثال ، فهم عملوا لنشر سينما جادة ،  وهم يعملون وصنعوا حقا سينما ترتبط بالواقع الإيراني، على عكس ما يجري في باكستان والقضايا التي تعالجها هذه السينما هنا . لذا فمثل هذه الأفلام الناجحة في الدول الأخرى وجدت لها مكانة في السوق العالمية واشتهرت بل ونافست  الأفلام العالمية.
كما انهم  قاموا أيضا بتعريف نوع جديد وفريد في السينما ، فهم لا يعتمدون كثيرا على السينما التجارية ،  وهم لا يقدمون أفلاما  تجارية استهلاكية، فالأفلام الناجحة تعتمد على الأفلام الثقافية والتاريخية والتقليدية  التي تعالج قضايا شائكة في المجتمع . فهذه القصص هي التي تقوم بجذب الجمهور وقد تصل إلى القلوب وبسرعة. لذا فالمنتج الذي يريد أن يكسب أموالا  بالتاكيد لن يستطيع أو يختار أن يُقدم هذا النوع من السينما كا يفعل الإيرانيون. ولكن مشكلتنا هنا أيضا في الانتاج ، اي  عدم حصول المنتج على دعم مالي من الحكومة ووزارة الثقافة، فهذا الدعم قد يجعله يُقدم نوعا  متميزا  من السينما ، ولكن هذا في حالة أن حصل على دعم من قبل الحكومة.  لذا لم تحظى السينما الباكستانية بالشعبية والشهرة التي تحصل عليها السينما الإيرانية او غيرها.
وهنا في باكستان المنتجون يأتون من القطاع الخاص ويقومون بتمويل فيلم معين. يقومون بكتابة السيناريو على هواهم بحيث أن يساهم هذا السيناريو في ضخ ما تم استثماره في هذا الفيلم.  فهذا نوع من السيناريو التجاري الذي يقدم أفلاما تجارية هابطة.  وخلال هذا الفيلم يقومون بتقديم الأغاني الهابطة .  وبسبب هؤلاء المنتجين  اليوم تقف السينما الباكستانية في هذا النفق المظلم الذي لا  تعرف له نهاية. فالناس يريدون أن يكسبوا أمولا فقط عبر هذه الأفلام.  فالنسبة لهذا النوع من المنتجين هذا ليس فنا بل عمل  تجاري،  ولكن لا يعرف ولا يدرك بأنه بذلك يُضر بفن رفيع المستوى له تأثيره على الشعب ، فهو فقط يريد أن يقدم مثل هذه الأعمال الساقطة لجذب الشباب عبر الأغاني الفاضحة لكسب المال ، ولم يفكر في النماذج التي قد تتأثر بعرضه لمثل هذه المصنفات الفنية . وقد يعكف مثل هؤلاء المنتجون عن تقديم شيئا قد تستفيد منه العامة من الناس أو يعالج به قضية معينة تهم الناس أو يقدم نوعا  من الفن الراق. ففي باكستان  اصبح عمل الفيلم  تجارة تضر بالسينما الباكستانية بشكل كبير .

س - اين تقف الدراما الباكستانية اليوم؟

ج -  الدراما الباكستانية من بدايتها  اثبتت أنها صناعة قوية ومازالت تثبت بأنها قادرة على تثبيت هذه الصناعة في مجالات عدة. فالتلفزيون الباكستاني يعرض نوعا  خليطا  من الدراما التي تجذب الناس وهم في البيوت ، بل قدم نوعا من الدراما التي هزت منطقة شبه القارة الهندية بأثرها ونجحت بشكل كبير. فيمكنني القول ان لدينا دراما جيدة وناجحة.  فلدينا كتاب دراما جيدون جدا مثل اشتياق صاحب وامتياز حسين وأمجد إسلام وغيرهم كثيرون ، فهم أيضا يقومون بالتعاقد مع مخرجين جيدين مثل نصرت تاكر، وهم قدموا الكثير من الدراما الناجحة ، فهم وضعوا إصولا ومبادئ صناعة الدراما في باكستان.  فنحن شهدنا معا على إحدى الجوانب هناك سينما تجارية ساقطة وعلى الجانب الأخر هناك دراما كلاسيكية جيدة وناجحة التي يمكن أن تنجح  إلى حد كبير في تقليص الفجوة بين هذين الاتجاهين. وهذا يعود إلى غياب السينما الواقعية ، ونجاح الدراما على الطرف الآخر. ان  شعبية الدراما الباكستانية أصبحت من الهدايا المفضلة لدى الهنود، حيث إذا طلب أي هندي بأن يقدم له هدية فقد يطلب نسخة من الدراما الباكستانية، ففي نظره هي هدية قيمة . وهذا جعل ممثلينا وممثلاتنا في الدراما يقارعون ممثلي  وممثلات الأفلام الهندية.  ففي الوقت الذي ازدهرت القنوات الفضائية عبر الطفرة الإعلامية التي حدثت في السنوات الأخيرة ،  انتشرت الدراما الباكستانية في شبه القارة مما جعل الهنود يولون اهتماما إلى صناعة الدراما وأصبحوا اليوم يحاولون منافسة الباكستانيين في هذا المجال، اذ قاموا بضخ استثمارات كبيرة للنهوض بالدراما الهندية ، فقاموا بنسخ القصص من الدراما الباكستانية وأصبحو يقدموها بشكل مختلف.  ولكن نحن رواد هذا المجال حيث أن الدراما الباكستانية تبدأ بداية قوية والحبكة الدرامية  لدينا أقوى مما لدى  الهنود . ولكن في الفترة الأخيرة بدأت الدراما الهندية تأخذ في الصعود والنهوض بهذا الفن.
ولكننا الأن نحن هنا في باكستان أدركنا حساسية القضية، فأقدمت بعض القنوات على دعم الدراما الباكستانية مثل قناة " هم " وقناة "جيو" والتلفزيون الباكستاني أيضا،  فقدموا ألوانا جديدة من الدراما وانتجوا مسلسلات درامية رائعة نافست الجانب الهندي ، ولم يتبعوا خطوات بعض الكتاب الباكستانيين الذين أصبحوا ينسخون الدراما الهندية أيضا.  وقدموا قصصا  جديدة ومختلفة. فالمسلسلات الهندية تعكس ثقافتهم ودينهم ، ولكننا نحن ننفرد بتقديم قصص متوازنة ومعقولة تهم الشارع الباكستاني وتعالج  قضايا اجتماعية حساسة ، مما جعل مسلسلاتنا أقوى وأكثر نجاحا. ودعني أطلعك على الأسباب التي دعمتنا في هذا المجال هو تأمين الاستثمارات التي يتم صرفها على هذا النوع من الفن . فالمنتج الذي يقدم على تقديم استثمارات لانتاج مسلسل تلفزيوني يدرك تماما بأنه سيقوم باستعادة مبالغه وربما بربح كبير، وهذا ما دفع المنتجين  الباكستانيين الى تعزيز هذا المجال بانتاج مسلسلات تلفزيونية عديدة ، الأمر الذي ساهم في تعزيز صناعة فن الدراما في باكستان وميزه عن صناعة السينما .. فلا أحد حقيقة يريد أن يخاطر باستثمارته في مجال الفيلم ، لذا فالدراما قوية هنا مقارنة بانتاج الأفلام،  ولكن هناك اختلاف كبير بين هاتين الصناعتين أي بين السينما والتلفزيون. فالناس في قد يمتنعون  عن الخروج والتوجه إلى السينما في ظل الظروف الأمنية الراهنة،  ولكن يختلف الوضع فيما يتعلق بصناعة التمثيليات ، فالناس يفضلون مشاهدة التفلزيون والمسلسلات  وهم جالسون في غرفة المعيشة دون أي عوائق،  وهذا ما جعل الباكستانيين يفضلون مشاهدة التلفزيون على الذهاب إلى دور السينما .  والحال لا يختلف كثير أيضا بالنسية للمسرح. فالشخص يجب عليه ترك منزله والتوجه إلى دور السينما أو المسرح وأن يشترى تذكرة وينتظر العرض وهذا أمر صعب حاليا  في ظل المناخ الراهن.  فأولا يجب توفير المناخ العام خاصة بالنسبة للنساء يجب أن يوفر المناخ الذي يجعلهن يخرجن ويشعرن  بالارتياح عندما يذهبن إلى السينما أو المسرح،  وهذا  غير متوفر هنا حاليا.  ونحن أيضا نفتقر إلى دور سينما متطورة ، نحن مازلنا نحتفظ بدور سينما قديمة جدا، وإن أردنا تغيير ذلك فهذا يحتاج أولا  الى الوقت والجهد ومن ثم الدعم .  ويجب إن  يتم إصلاح هذه الدور  وتهيئة  المناخ اللازم  لذلك، الذي قد يُشعر المواطن فيه  بأنه يجب عليه أن يترك منزله أو مكتبه ويتوجه مع الأصدقاء لمشاهدة فيلم.  يجب أن تشعر بالمناخ اللازم والمريح لمشاهدة السينما ليجعلك أن تتمتع بالمناخ والفيلم على حد سواء.

تعليمات استخدام خدمة التعليقات على صفحات موقع قناة "RT Arabic" (اضغط هنا)