مدفيديف: الديموقراطية في روسيا مرتبطة بالوضع الاقتصادي ارتباطا شديدا

أخبار روسيا

انسخ الرابطhttps://arabic.rt.com/prg/telecast/59213/

هذه الحلقة من برنامج أصحاب القرار تفرد لحديث الرئيس الروسي دميتري مدفيديف لوسائل الاعلام البولندية عشية الزيارة التي سيقوم بها الى وارسو لبحث العلاقات الثنائية والقضايا الدولية الملحة.

نص المقابلة:

سيادة الرئيس، الدول الغربية والشرقية وصفت قمة لشبونة التي حضرتها بانها تحول تاريخي في العلاقات بين روسيا وحلف الناتو وكذلك بين روسيا والغرب عموما. هل تشعر بان هذه القمة كانت تاريخية حقا؟ ام أنه من الممكن ان يتضح في المستقبل ان هذه الصفة لم تكن صحيحة؟

كل ذلك بأيدينا. وقد يكون هذا اللقاء تاريخيا.. وقد كان تاريخيا من حيث روحُه وجوهره، خصوصا بالمقارنة مع ما كان لدينا منذ سنتين. ولكنه قد يتحول إلى لقاء لم يستجب لآمالنا. استطعنا إعادة التشغيل كما يقال رغم أن هذه العبارة تستعمل كثيرا بشأن العلاقات بين روسيا وحلف الناتو .. وقبل ذلك حققنا الشيء نفسه في علاقاتنا مع الولايات المتحدة. وبالإضافة إلى المشكلات التي نحُلها الآن بما فيها أفغانستان ومكافحة المخدرات والإرهاب والقرصنة ومكافحة نشر أسلحة الدمار الشامل.. نتعاون في جميع هذه المجالات.. ولكن هناك مواضيع توحدنا لدرجة أكبر وأحدها هو منظومة الدرع الصاروخية الأوروبية.. ويمكن أن أذكر ما جرى في عام ألفين وثمانية حين تقدمت الإدارة الأمريكية السابقة بفكرة معروفة حول نشر الصواريخ الاعتراضية والرادارات في بولندا والتشيك. وكانت هناك جدالاتٌ حادة حول هذه الفكرة واعتبرنا انها تهدف إلى إضعاف القدرة العسكرية لروسيا الاتحادية. وفي رأي خبرائنا فان المنطقة الدفاعية الثالثة أُسست من أجل اعتراض الصواريخ التي تنطلق من الأراضي الروسية وليس من أراضي الدول الأخرى التي تشكل خطرا على دول حلف الناتو. أوضحنا موقفنا لحلف الناتو.. وفي لحظة ما تفاقم الوضع لدرجة انني كنت مضطرا لاتخاذ قرار صعب حول نشر عدد إضافي من الصواريخ. وقد رفضت الإدارة الأمريكية الجديدة القرار السابق.. وكانت هذه الخطوة سليمة.. وفي نفس الوقت فكرة منظومة الدرع الصاروخية ما زالت قائمة. وقد اقترحوا علينا التفكير في موقع لروسيا الاتحادية ضمن منظومة الدرع الصاروخية التي ترتكز على إمكانيات حلف الناتو وقبل كل شيء امكانيات الولايات المتحدة. وقد قلت للرئيس أوباما: حسنا. نحن جاهزون لكننا نريد أن يكون مثل هذا المشروع متساويا في الحقوق ونريد أن نعرف أين مكانة  لروسيا الاتحادية كي نفهم ما هي التهديدات التي نحاربها بصورة مشتركة، وما هي هذه المخاطر... كي نفهم مدى مسؤوليتنا.
 بودي أن أقول لكم شيئا. آمل ألا ينزعج مني أصدقائي ونظيري الأمريكي. قلت للرئيس أوباما بوضوح: كل ما نؤسسه الآن عبارة عن مسألة ذات أهمية ليس بالنسبة لي فقط أو بالنسبة لك بصفتك شخصية سياسية. بل لان له أهمية بالنسبة للفََترة ما بعد عشر سنوات. ستنشر منظومة الدرع الصاروخية خلال أربع مراحل حتى عام ألفين وعشرين. وستكون هذه المنظومة إما مبادرة مشتركة بين روسيا وحلف الناتو تحمينا من التهديدات المحتملة، وإما -في حال لم تجد روسيا مكانا لها في هذه المنظومة- فاننا سنصل عام ألفين وعشرين إلى وضع تعتبر فيه منظومة الدرع الصاروخية عاملا يزعزع التوازن الصاروخي.. ويقلل امكانيات روسيا في الحفاظ على التوازن النووي. وقد يشكل ذلك في عام الفين وعشرين أساسا لحلقة لولبية جديدة في سباق التسلح.
إننا لا نريد ذلك إطلاقا. ولهذا السبب وضعتُ في قمة لشبونة فكرة مسؤولية كل دولة في قطاع معين في إطار منظومة الدرع الصاروخية في أوروبا. وأنا أتوقع أن شركائي بمن فيهم الولايات المتحدة والشركاءُ الآخرون من حلف الناتو سوف يبحثون باهتمام كبير فكرة روسيا الاتحادية.

 سيادة الرئيس اشرت الى ان الولايات المتحدة غيرت بشكل كامل موقفها من منظمومة الدرع الصاروخية وهذه حقيقة. ولكن يجب الاشارة الى ان روسيا هي ايضا غيرت موقفها من هذه المسألة، فقد اتخذت روسيا منذ عشرة اشهر قرارا  نص على ان حلف الناتو يعد خطرا رئيسا بالنسبة لها، ما هي اسباب مثل هذه التغيرات؟

اذا كنا نتحدث عن عقائدنا الدفاعية فهذا اقتباس غير سليم لهذه العقيدة. في عقيدتنا العسكرية لا يقال إن حلف الناتو يعتبر خطرا أساسيا علينا، لكن يدور الحديث عن شيء آخر. بمعنى أن التوسع اللامحدود لحلف الناتو قد يوجد أجواء تزعزع الوضع الدولي وهذان أمران مختلفان. لذلك ننطلق من أن روسيا وحلف الناتو قد تكون بينهما علاقاتٌ جيدة... علاقاتُ شراكة ومودة، وقد أقيمت بيننا علاقات جيدة في اتجاهات مختلفة.. وفي حال اتفاقنا على منظومة الدرع الصاروخية فهذا قد يكون اختراقا في علاقاتنا المستقبلية. بودي أن أقول مرة أخرى إنني آمل ذلك. أما موقف حلف الناتو نفسه فالعقيدة الاستراتيجية التي تم الاتفاق عليها في لشبونة تتحدث عن أن الحلف لا يهدد روسيا وهذا تغيير في صيغة علاقاتنا. أنت محق في أن بعض الأحداث يجري سريعا جدا لكن ذلك لا يعني أننا لا نستطيع أن نستغل التغيرات الخارجية.. وإذا كنا نشعر بأن التغيرات قد توفرت وقد تحصل قفزة في تحسين علاقاتنا.. فلا نتردد في الاستفادة من ذلك. كي لا نشعر بخيبة الأمل في عام ألفين وعشرين ازاء ما حققناه في الفترة السابقة.

تقومون في كل من روسيا وأوروبا وبولندا بسعي جدي نحو التحديث. ومن الممكن ان يصبح هذا التحديث واقعيا اذا قامت روسيا ببناء دولة حقوقية تحترم الحريات المدنية. برأيك ما هو اهم شيء في بناء المجتمع المدني في روسيا؟ وما الذي تحتاج اليه روسيا اكثر من اي شيء آخر؟

لدي قناعة كاملة بأن الديموقراطية مرتبطة بالوضع الاقتصادي ارتباطا شديدا، ومن أجل أن تكون في روسيا ديموقراطيةٌ حديثة -مع اننا ما زلنا نرسي أسس النظام الديموقراطي في بلدنا وهو ما سبق أن تحدثت عنه أكثر من مرة.. فإنه يجب أن يكون في روسيا اقتصاد حديث وقوي قائم ليس فقط على النفط والغاز رغم أنهما عاملان مهمان لرفاهنا الاقتصادي بل قائم أيضا على تكنولوجيات حديثة ..ولدينا كل ما هو لازم لتحقيق ذلك: هناك قدرات ذهنية. وهناك رغبة في القيام بهذا العمل. وفي الآن ذاته -من أجل بناء الاقتصاد الحديث- ينبغي أن يكون في بلدنا نظام سياسي حديث يضمن الحقوقَ والحريات الأساسية. إذن فعملية بناء الاقتصاد الحديث او كما نحب أن نسميه الاقتصاد الفعال.. وعملية تأسيس دولة فعالة قائمة على سيادة القانون عمليتان مترابطتان. وقد قلت الآن إن الديموقراطية تعتبر أمرا مستحيلا في دولة فقيرة. أنا مقتنع تماما بذلك. ولكن بناء الاقتصاد الحديث والمتطور أمر مستحيل في ظل الديكتاتورية.. مهما قيل بهذا الشأن. في بعض الأحيان هناك من يقول لنا إنه من الأحسن الا نغير والا نفعل شيئا بل نكتفي بتغيير الوضع الاقتصادي على نحو جذري.. وبعدها نطور المؤسسات السياسيةَ ونضمن الحريات ..لكن هذا غير صحيح. لا يمكن استباق الزمن في هذا الاتجاه..أجل.. غير أننا لا نستطيع تغيير الاقتصاد من دون تطوير النظام السياسي. قد يكون ذلك ممكنا بالنسبة إلى آخرين ولكن ليس بالنسبة إلى روسيا. لماذا؟ لأن الجزء الاكبر من المواطنين الروس يعتبرون أنفسهم أوروبيين.. ويؤمنون بالقيم التي وصلت إلينا من أوروبا بما فيها القيم الدينية والأخلاقية والسياسية. لذلك فكلا الاتجاهين -أي- تأسيس النظام الاقتصادي الحديث والمتطور وتأسيس النظام السياسي المتطور.. يجب تحقيقهما معا في آن واحد.. كيف نحقق ذلك؟ هذه مهمة صعبة جدا. لكننا حاليا بصدد القيام بها.

سيادة الرئيس، لدي سؤال صعب يجب ان اطرحه. أين روسيا من دولة القانون؟ هذا السؤال يثير افكارا كثيرة. ولا يجوز فقط التحدث عن الجرائم الاقتصادية . برأيكم هل من الممكن التركيز على الجرائم الجنائية فقط ام يجب التركز ايضا على الجريمة الاقتصادية. وهل من الممكن تطوير الاقتصاد ومكافحة الجريمة الاقتصادية في آن واحد؟

اين نحن من بناء دولة القانون.. ليس لدي اي اوهام في هذا الشأن. نحن في احدى المراحل الاولى من عملية البناء. لكن يجب الاعتراف بأننا لسنا الوحيدين الذين يشيدون دولة عصرية.. دولة قانون.. بصعوباتها المعروفة. شرحت مرات عدة وجهة نظري بشأن اهم الصعوبات التي تواجه اقامة دولة قانون في بلادنا. الأمر لا يكمن فقط في الواقع الاقتصادي او السياسي الراهن، بل وفي تاريخنا، فيما  يسمى بحالة إهمال القانون التي كانت متأصلة بشكل كبير في دولتنا خلال المئة أو المائتي عام الماضية. الديمقراطية  لا تتأسس في عشرة اعوام.. في بلادنا هي لم تكن موجودةً البتة.. حتى عام الف وتسعمئة وتسعة وتسعين حين ظهرت الدولة الروسية العصرية. أؤكد، "كانت غائبة تماما" سواء اثناء حكم القياصرة او في الحقبة السوفيتية او في اي حقبة اخرى. العملية صعبة..  أريد أن أقول بوضوح إن ذلك ممكن في  الدول صغيرة الحجم والمساحة..لأسباب عديدة. لكن في دولة كروسيا فهذه العملية  اكثر تعقيدا .
لذلك ليس لدي اوهام .. سيتعين علينا قطع طريق طويل.. إلا أن هذا لا يعني اننا لم نفعل شيئا في السنوات العشرين المنصرمة وبالأخص في السنوات العشر الأخيرة اعتقد اننا عززنا بشكل كبير منظومتنا الحكومية  والقانونية . احيانا اسمع من يقول:"استنزفتم الدولة حتى صارت قاسية مرهقة وهي تقود الجميع" وهذا جزئيا صحيح وانا لن اجادل بشأنه لكن من جهة اخرى كي يكون للقانون مرجعية يجب ان يستند على الدولة. كيف تعمل منظومة القانون ؟ انا هنا أناقش المسألة كمحام. منظومة  القانون تعمل من خلال مؤسسات الدولة، وإذا كانت  مؤسسات الدولة منهارة ..وهذه الحالة كانت سائدة في التسعينيات ..فلا يمكن ان توجد اي مرجعية للقانون.هذا ما يجب ان نتذكره خاصة إذا تعلق الأمر بدولة عملاقة كروسيا الاتحادية.

والآن بشأن الجريمة. الجرائم تتنوع أشكالها لدينا ولدى غيرنا من الدول في الاتحاد الاوروبي وفي بولندا. توجد جرائم دوافعها ليست اقتصادية فحسب. توجد جرائم ليس لها تفسير اقتصادي... كما اعتيد على القول "منظومة الجرائم الاقتصادية". بعض الجرائم يُرتكب لا تحت تأثير دوافع مغرضة، بل لتحقيق هدف سياسي محدد. وأنا اعتقد ان لا أحد يجادل في ذلك. محاولات تقديم جميع الجرائم كخاصية اقتصادية.. او العكس كخاصية سياسية صرفة.. يصل الى نهاية سيئة.
أذكركم أنه في عهد ستالين كانت كل جريمة اقتصادية تعتبر سياسية ـ والكثير من هذه الجرائم لم ترتكب في الحقيقة إطلاقا ـ الجرائم كانت توصف بالسياسية والهادفة إلى تدمير النظام السوفييتي. بالمناسبة شهدت بولندا مثل هذه الظاهرة في فترة من تاريخها، حيث نُظر إلى كل رشوة أو سرقة أو أية جريمة أخرى.. على أنها جريمة سياسية. هذا أمر لا يجوز.. علينا أن ننظر إلى اعتداءات إجرامية أخرى. مشكلاتنا كثيرة ومعروفة للجميع. الوضع في القوقاز بالغ التعقيد، الجرائم التي ترتكب هناك ليست كلها اقتصادية،بل نشهد هناك اعتداءات ضد حياة الناس وسلامتهم، وذلك ليس لأسباب عادية.. إنما تأسيسا على معتقدات متطرفة معينة تبيح التضحية بحياة الناس وسلامتهم من أجل تصورات دينية معينة أو متسترة بالدين. إنها حقيقة لا يمكن تجاهلها. وكل ما أريده..هو أن يتم تقييم هذه الأوضاع في روسيا وبولندا ودول الاتحاد الأوروبي انطلاقا من معايير واحدة. من الجيد أن آراءنا صارت تجد في المدة الأخيرة  آذانا صاغية.
دعونا نقل بصراحة: قبل ثمان سنوات تقريبا كنا نسمع أصواتا تقول لنا "إن هؤلاء الذين يحاربون في القوقاز هم ثوار مقاتلون يناضلون في سبيل استقلالهم. لكن بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر وغيرها من الأحداث اعترف شركاؤنا في الولايات المتحدة وأوروبا بأن هؤلاء الناس.. إرهابيون يتقاضون أجورهم من تنظيم القاعدة وغيرها من التنظيمات الإرهابية. كانت تلك التجربة شيئا لا بد منه لكي يعترفوا بهذه الحقيقة. أعتقد أنه علينا أن نتعلم الاصغاء لبعضنا البعض. إنه أمر هام جدا بالنسبة إلى العلاقات الروسية الأوروبية عامة والروسية البولندية خاصة.

 سيادة الرئيس، اريد ان أسألكم عن الولاية الرئاسية الثانية. انا لست مقتنعا انكم ستجيبون عن هذا السؤال فهل تخططون للمشاركة في الانتخابات المقبلة؟
أنا بالطبع سأجيبك. لكني أرجو ألا تكون متفائلا إلى حد التوقع بأنني أقول لك إنني أنوي الإعلان عن هذا.. اليوم.. لأن العملية الانتخابية لم تبدأ بعد..أنا تحدثت عن هذا سابقا.. إذا حصلت على الدعم اللازم من المواطنين فأنا لا أنفي ترشيحي وهذه الأشياء لا يعلن عنها مسبقا.. هذه الأمور يتم القيام بها في الوقت المناسب..  لدي زملاء آخرون يمكنهم أيضا المشاركة في هذه العملية السياسية.. لذلك أرى أن المهم دائما هو الحفاظ على استمرارية السلطة واستمرارية نهجها..لكن أنا لا استبعد هذا الاحتمال بالنسبة إلي فهو أمر طبيعي بالنسبة إلى أي رجل سياسة.. أريد أيضا الحديث عن شئ آخر.. أنا أنتظر بفارغ الصبر زيارتي إلى بولندا.. هذه الزيارة التي طال انتظارها..

 أولا: لأن بولندا لم يزرها رئيس روسي لفترة طويلة. ثانيا: حدثت أمور كثيرة في علاقاتنا،جرت أحداث، وقعت مأساة سمولينسك،.. وفي ذات الوقت هناك أمور إيجابية هناك حركية لم يسبق لها مثيل في مشاوراتنا وفي الشفافية في حوارانا وتقييمنا ويبدو لي، أن كل هذا يوفر خلفية ليست بالسيئة لإنجاح هذه الزيارة. أتوقع من زميلي الرئيس كوموروفسكي ان ينطلق أيضا من هذه الأسس لقد بنيت بيننا علاقة جيدة وبناءة للغاية، تحدثنا أكثر من مرة في مواضيع مختلفة، لهذا، آمل أن تترجم هذه التغيرات القليلة والهامة في الآن ذاته، أثناء زيارتي.. في العلاقات الروسية البولندية، من ناحية الكم والنوع.. في كل الأحوال سأفعل من جانبي كل ما ينبغي فعله لتحقيق ذلك..

سيادة الرئيس، أسألكم بصفتكم رئيسا وإنسانا عاديا... عندما عرفتم في العاشر من أبريل/نيسان الماضي بوقوع كارثة الطائرة البولندية وعلى متنها الرئيس البولندي، كيف كان شعوركم ورد فعلكم؟
أتدري! ربما، سأتذكر هذه اللحظات إلى الأبد لأنه عندما أخبروني بما جرى، كنت في بطرسبورغ، ببساطة .. لم استطع  تصديق إمكانية حدوث شيء كهذا،
في البداية اعتقدت أن هناك خطأَ ما.. ثم عندما حصلت على عدد من التقارير الرسمية أدركت أنها كارثة حقيقية.. كارثة فظيعة.. بالطبع، كرئيس وكمواطن روسي عادي،  أحسست بالأسى لمقتل عدد كبير من الناس.. عندما يموت الناس فهذه دوما كارثة.... لكن لهذه الكارثة أيضا بعد رمزي وصعب. الطائرة تحطمت في مكان مأساوي.. وبالطبع كل هذه العوامل، لا أخفيك، أحاطت هذه الفاجعة بأجواء قاسية على نحو خاص. ومهمتنا مهمة روسيا كانت في تلك اللحظة أن نظهر لزملائنا البولنديين، أولا: أننا نحزن معهم مع كل الشعب البولندي، وثانيا: أننا شفافون تماما في كل ما يتعلق بالتحقيقات ..لأنني أدركت أنه، وبالتأكيد، سيظهر من سيقدم أكثر الاحتمالات غرابة وتناقضا. كان من المهم إظهار رغبتنا في التحقيق الدقيق والفوري، في كل شيء.. ومعرفة كل الظروف المحيطة بالحادث كان يوما عصيبا، ليس فقط بالنسبة للبولنديين، هذا شيء طبيعي، وبالطبع ليس فقط لأقرباء الضحايا، بل ولروسيا، لقيادة البلد. كانت تجربة عصيبة.. لن أخفيك، تلك الحظات، وتلك المعاناة، ستظل في ذاكرتي الى الأبد.

هناك مؤشرات تدل على تحسن العلاقات بين روسيا وبولندا. كيف تنظر الى مستوى العلاقات بين البلدين اليوم؟ والى اي سبب يعود قرار اعادة تشغيلها مثلما هو الحال في العلاقات الروسية الامريكية؟

كما تعرفون نحن على أي حال كان علينا أن نتخذ مثل هذا القرار عاجلا أم آجلا. أما العلاقات بين شعبينا فلها تاريخ غير سهل تماما . وتمت الإشارة إلى ذلك أكثر من مرة في الأدب والصحافة وعلى المستوى السياسي. ويضم هذا التاريخ صفحات بيضاء واخرى صعبةً ومعقدةً. ولكن في الوقت الراهن من المهم جدا أن نخرج من المسار التاريخي الذي بلور العلاقات الروسية البولندية منذ القدم ..ونحاول فصل هذا التاريخ عن حياتنا اليومية مهما كان. وإلا فسنظل رهائن لما قام به اسلافنا ..ينبغي ألا يتحمل جيل الساسة وعموم مواطني روسيا وبولندا المسؤولية إطلاقا. وفي الوقت ذاته يجب ألا ننسى دروس التاريخ. علينا أن نستحضر الماضي ونجد توازنا ما بين الذاكرة التاريخية واستخلاص النتائج  من دروس التاريخ .. دون أن نتحول إلى رهائن لهذا الماضي.
وهذا أصعب ما في أمر. وربما لذلك - وللاسف- لم ننجح في إيجاد هذا التوازن حتى الآن.
يسرني جدا أننا اقتربنا خلال الأشهر الأخيرة من الوصول حقا إلى مستوى جديد في العلاقات بين روسيا وبولندا. أفضّل ألا أستخدم المصطلحات المستهلكة مثل مصطلح "إعادة التشغيل". لا نحتاج إلى شيء يستوجب أن نعيد تشغيله. بل نحتاج إلى فتح طريق للمستقبل.. حفاظا على الروابط الثمينة التي ربطت بلدينا وشعبينا. علينا أن نقيم أصعب أحداث تاريخنا تقييما موضوعيا. ولو تصرفنا بهذا الشكل فسيكون مستقبل العلاقات الروسية البولندية حسنا ورائعا. وستتطور في الاتجاه الصحيح. أعتقد أن ذلك يصب في مصلحة بلدينا وشعبينا.
 
سيادة الرئيس، يبدو لي، أن دعوتكم إلينا ألا نكون رهائن التاريخ في روسيا وبولندا دعوة مهمة جدا من جانب روسيا وعلى ضوء العلاقات بين روسيا والغرب.. من جهة العلاقات بين روسيا وبولندا ومن جهة أخرى بين روسيا والاتحاد الأوروبي.
لننظر إلى الاجتماع الأخير بين روسيا وحلف الناتو.. لقد سمعت بولندا تصريحكم عن الجرائم الستالينية لاسيما البيان الأخير لمجلس الدوما حول جريمة كاتين. ولكن رغم ذلك وبسبب الشعور بعدم الثقة يتساءل ملايين المواطنين البولنديين: "هل هذه التغيرات التي نراها هي تغيرات استراتيجية ثابتة أم تغيرات تكتيكية مؤقتة؟ ماذا تقولون عن ذلك؟ ماذا تقولون للبولنديين الذين يريدون أن يثقوا بأن هذه التغيرات إيجابية؟

- أقول للبولنديين الذين يريدون أن يثقوا في التغيرات الإيجابية وأيضا لجميع مواطني بلادنا أنه إذا أردنا التغيرات فذلك يتحقق ليس فقط للبولنديين بل وللمواطنين الروس هذا مثل طريق المرور المتقابل.
 أقول شيئا واحدا.. وهو أننا نستطيع اليوم أن نتخذ القرارات التي تزيل آثار الماضي. وتمكننا من تطوير علاقاتنا بشكل آخر تماما. هذا في استطاعتنا ويتوجب أن يكون ذلك اختيارا استراتيجيا وليس حلا تكتيكيا من أجل إنجاز أهداف معينة.
أنا لا أنظر إلى علاقاتنا لتحقيق أهداف آنية لأن ذلك لا يدخل في أولويات سياستي الخارجية أي تحقيق نتائج معينة لشيء أطمع به وعلى أي حال لا يتعلق ذلك ببولندا. لدينا تاريخ صعب في الحقيقة هذا أولا وثانيا أعتقد أنه يمكننا حقا أن نغير علاقاتنا في المستقبل نحو الأفضل ولكن ذلك يتوقف على وجود إرادة جيدة وثقة لدى الجانبين.

تعليمات استخدام خدمة التعليقات على صفحات موقع قناة "RT Arabic" (اضغط هنا)