خبيرة في الشؤون الإفريقية: الدعم الدولي سيكون مهما لترسيخ الدولة المستقلة في الجنوب

انسخ الرابطhttps://arabic.rt.com/prg/telecast/58357/


تستضيف هذه الحلقة من برنامج "حديث اليوم" ايريت باك  الخبيرة في الشؤون الإفريقية حيث يدور الحديث معها حول الاستفتاء المرمع اجراؤه في السودان حول مصير الجنوب.

1) في ظل الاستعدادات الجارية للاستفتاء القادم في السودان، هل تعتقدين ان السودان جاهز بالفعل لاستقلال الجنوب؟

هذا سؤال ممتاز لان ما يحدث هو سابقة تاريخية في القارة الافريقية، انفصال لدولة لها سيادتها وشطرها إلى قسمين الشمال والجنوب . وللمرة الاولى منذ استقلالها قبل ما يربو على ستين60 عاما يحدث مثل هذا الامر المهم والذي سيؤثر على مجريات السياسة الدولية بأكملها. هناك اسئلة صعبة ما زالت من غير إجابة. فعلى سبيل المثال، يتبادر إلى أذهاننا سؤال حول منطقة ابيي التي تقع بين الجنوب والشمال، هي منطقة غنية بالنفط، وحتى الان لا يوجد أي اتفاق حول مصيرها. ومن المرجح ان الجهتين لن تتنازلا عن هذة الموارد وهنا ثمة خطورة تتمثل بانفجار صراع آخر حول الاستفتاء في الاول من  يناير/ كانون الثاني القادم .

2) وهنا تحديدا اريد ان اسالك عن الحدود كيف ترين ترسيم الحدود؟

يدور الحديث عن اتفاق ابرم عام ألفين وخمسة، اتفاق انتهت معه حرب دامت قرابة أربعين عاما. فالسودان استقل عام ألف وتسعمائة وستة وخمسين ورغم ذلك، فالصراعات الداخلية مازلت مستمرة إلى يومنا هذا. أضف إلى ذلك الحرب الأهلية التي سقط فيها ملايين الضحايا. واتفاقية اللاجئين الموقعة عامَ ألفين وخمسة التي سميت باتفاق نيفاشه وهو اتفاق قضى بوضع حد للصراع ولو تم ذلك فعلا لكان انجازا تاريخيا. ومع هذا فان مسالة الحدود لا تزال شائكة لان الحديث هنا ليس فقط عن مناطق غنية بالنفط، وانما عن مناطق مركبة من حيث النسيج الاثني والديني. وبناءً على ذلك، من الصعب حل مشكلة الحدود، بل ثمة خطر لاندلاع حرب اضافية.

3) ومع هذا كيف ترين ملامح جنوب السودان؟

السودان هو جزء من صراع يحدث على مر التاريخ.. هو صراع يُعزى إلى تركيبة الديانات في الشمال، حيث الغالبية مسلمة ومعروفة بميلها إلى الدول العربية. اما الجنوب فهو مركب من جماعات يؤمنون بالمسيحية وأخرى تتبع التقاليد والطقوس الافريقية. إذن فالصراع تغذيه أسباب واضحة. لذا، فالدولة في الجنوب ستكون غير مسلمة، ولا ننسى أن الشمال حاول فرض الاسلام والتوجه العربي عليهم من قبل. ولا شك أن، غالبية السكان ستكون ضد الانتماء للاسلام والعروبة. ورغم ذلك، فيسكون في الجنوب وجود للاسلام. لأن قسما من الشماليين انتقلوا للسكن مجددا بالجنوب، مما يعني أنها ستكون دولةً غير متجانسة ومتنوعة الديانات والطوائف.

4) رئيس بعثة السودان في واشنطن قال إن اوباما سيدعم الاستفتاء.. هل سيكون لإسرائيل دور في هذا ايضا؟

لا شك ان الدعم الدولي سيكون مهما لترسيخ الدولة المستقلة في الجنوب.. أما بالنسبة لاسرائيل تحديدا فالوضع مركب نظرا لانه ما من اعتراف أوعلاقات دبلوماسية تجمع بين السودان واسرائيل. ولذلك سيتخذ الدعم شكلا غير مباشر، عن طريق منظمات دولية تتخذ من الجنوب مقرا لها. ولن يكون دعما مباشرا للجنوب يهدف إلى انشاء علاقات مباشرة مع اسرائيل. فالعلاقات كانت، على مر التاريخ، غير مباشرة.

5) وبرأيك كيف ستتعامل اسرائيل مع اعلان رئيس البعثة السودانية في واشنطن عن نية الدولة المستقبلية اقامةَ علاقات دبلوماسية مع اسرائيل.. والسؤال الآخر هل تعتقدين ان اعلانا كهذا هو اشارة الى ان هناك اتفاقا شبه مبرم بين الجانبين؟

نعم.. نعم ..هذا أمر ممكن، رغم انه من الصعب اعلان ذلك. فهناك تدخلات لمنظمات دولية كثيرة. ولكن في المجمل، معظم دول افريقيا تقيم علاقات دبلوماسية مع اسرائيل ما عدا عددا محدودا من ضمنه السودان. ومن المتوقع ان تقيم الدولة المستقبلية علاقات دبلوماسية مع اسرائيل.

6) هل توجد علاقات غير مباشرة بين الدولتين؟

اسرائيل، وبطريقة ما، دعمت المنظمات التي تسعى لتحرر الجنوب. وهذا الدعم  كان بشكل غير مباشر وبعيدا عن الطابع الرسمي، ولنا أن نذكر الحادثة المهمة في علاقات اسرائيل السابقة بالسودان في عهد الرئيس نميري وهي حادثة وصول القادمين الجدد من الاثيوبيين الى اسرائيل عن طريق السودان. فقد مكثوا في مخيمات اقيمت في السودان. وبعد ذلك، وصلوا الى اسرائيل. هذا كان اشارةً الى وجود علاقة غير مباشرة بين الدولتين في بداية الثمانينات، وحسب ما فهمناه، فإن ذلك كان،على نحو ما، بموافقة الحكومة السودانية.

7) مع ان البعض اشار، ايضا، الى أن لإسرائيل دورا في تصعيد الازمة في دارفور والسودان؟

السودان نفسه يقدم نظريات عدة ومختلفة. إحداها أن ما حدث في دارفور ويحدث  كان نتيجةً تدخل اسرائيلي والحديث لا يدور فقط عن اسرائيل بل عن منظمات يهودية في الولايات المتحدة. فنظريتهم تقول ان هذا للابتعاد من الملف الفلسطيني... هذه نظرية سائدة. كذلك هناك اشارة إلى أن اسرائيل تدخلت  في الصراع الداخلي في السودان لكن التدخل الواضح والتأثير الجلي هو وجود لاجئين من السودان في اسرائيل. وهذا تاثير له طابع انساني. فوصول لاجئين عن طريق مصر وطلب اللجوء السياسي في إسرائيل كان عاملا مؤثرا على الازمات.

8) وما هي المصالح الاستراتيجية التي ستجدها إسرائيل في السودان؟

بالطبع هناك مصالح استراتيجية واسعة النطاق. مثلا السودان تحده منطقتا النيل الابيض والنيل الازرق قرب الخرطوم. ومن هناك يتدفقان باتجاه مصر. وللسودان تاثير استراتيجي مهم ينعكس على قيام واستقرار مصر فهناك حدود بشكل عام وحدود مع النيل تحديدا، ولذلك تاثير مهم على اسرائيل. فالناحية الجغرافية والعلاقات بين مصر واسرائيل جزء من مشروع استراتيجي كامل.

9) ألن يفاقم ذلك الازمة في المنطقة؟

يتعلق ذلك بما ستؤول إليه الامور. اذا مر الاستفتاء حول استقلال الجنوب بسلام وهدوء ووُجد استقرار بين الجانبين وقامت دولةُ الجنوب فسينعكس ذلك على المنطقة باكملها. لكن اذا تطورت الأمور سلبيا ووصلت إلى حد الصراع، وهذا أمر متوقع،  سيؤدي ذلك إلى حرب اهلية. بل، ربما لن تكون حربا اهلية وإنما حربا بين دولتين، لأن الجنوب سيكون مستقلا حينها. الحروب في افريقيا عادة لا تنحصر في مجال واحد أو منطقة واحدة بل تتعدى حدود الدولة. ففي دارفور مثلا تفاقم الوضع في كل الأرجاء. اما في السودان  فثمة خوف من صراعات الشمال وامتدادها إلى حدود مصر وعندها سيُهدد استقرار المنطقة برمتها. وكما نرى، فإن العالم لم ينتبه لهذا التهديد و بدا وكأنه غير معني بهذا.

10) هناك من أشار الى وجود اسرائيلي عسكري في السودان. هل يعد هذا عنصرا لكبح تفاقم الازمة أم لرسم الحدود الاستراتيجية قبل ترسيم حدود الدولة؟
انفجار الصراع في الجنوب سيكون له تاثيرات كبيرة ستمدد إلى الحدود المجاورة، ومن دون شك، ستطال التأثيرات السلبية دولا تقع على الشريط الحدودي للسودان مثل كينيا واثيوبيا. أما اذا نظرنا إلى تبعات ذلك في الشمال، فإن هذه الحرب المحتملة،إن قامت، سيكون تاثيرها الاستراتيجي على مصر وقناة السويس والمناطق المرتبطة بالبحر الأبيض المتوسط ، لذا هناك مصالح دولية عامة للحفاظ على الاستقرار العام وتحديدا في منطقة البحر الابيض المتوسط والمناطق المحاذية لقناة السويس. وسيتدخل العالم وكذلك اسرائيل للضغط على حكومة السودان قصد التوصل الى اتفاق مع الجنوب، لان هنالك مصالح دولية عامة ومصالح أخرى ضيقة يبدو استمرارها مرهونا بالحفاظ على الاستقرار في المنطقة برمتها. وهذا التخمين يتعارض  مع ما حدث في قضية دارفور التي تُركت ولم تعالج ولم يُمارس أي ضغط دولي لحل الصراع هناك، بل بقي موضوع دارفور مهمشا. النزاع بين الشمال والجنوب له تاثيراته بعكس دارفور. وهذه التأثيرات لن تطال افريقيا فحسب وإنما ستمتد، أيضا، إلى الشرق الأوسط. واذا أخذنا في الحسبان كل هذه العوامل،  نستطيع القول إن هناك مصلحةً الان في إنجاح خطة الانفصال وتقسيم السودان الى قسمين شمالي وجنوبي، على الرغم من أن هذا لم يحدث منذ خمسين سنة في افريقيا. الفكرة السائدة سابقا هي أن الحدود مقدسة ولا يمكن المساس بها في أي حال من الأحوال. واليوم هذه الفكرة، أو المبدأ، باتت معرضة للزوال  وثمة محاولات لاختراقها طالما أن مشروع تقسيم دولة إلى دولتين لا يزال مطروحا.


تعليمات استخدام خدمة التعليقات على صفحات موقع قناة "RT Arabic" (اضغط هنا)