سياسي ألماني: قضية الهجرة أصبحت من أهم القضايا لأن حالات فشل الاندماج أصبحت كثيرة

انسخ الرابطhttps://arabic.rt.com/prg/telecast/57572/

في الحلْقة الجديدة من برنامح "حديثُ اليوم"، تأتينا من برلين حيث نستضيف فولف غانغ بوسباخ، نائب في الاتحاد الديموقراطي المسيحي الحزب الرئيسي في ألمانيا ، لتسليط الضوء على قضية المهاجرين في ألمانيا.
السيد بوسباخ، أهلا بك!

س – المستشارة أنغيلا ميركل صرحت مؤخرا بأن بناء المجتمع المتعدد الثقافات قد فشل، ماذا قصدت المستشارة بذلك؟

ج – أنغيلا ميركل قالت إن المجتمع المتعدد الثقافات قد فشل لأن ألمانيا تشهد أمثلة من التجاور الهَشِّ بجانب الآخر وليس التعايش المشترك. هناك أمثلة عديدة من الاندماج الناجح لكن أمثلة فشل الاندماج أو رفضه أكثر بكثير. الاندماج عملية مهمة جدا لتحسين ظروف الحياة للمهاجرين في ألمانيا، لذلك يجب علينا أن لا نعيش على انفراد إلى جانب ثقافة أخرى، بل أن نعيش كلنا جميعا في وَحدة متلاصقة متكاملة.

س – قضية المهاجرين المسملين أصبحت من أبرز المِلفات السياسية في الآونة الأخيرة، لماذا المسلمون وليس غيرهم؟

ج  – تاريخنا دائما عرف ظاهرة الهجرة. المهاجرون يأتون إلينا اليوم وسيجيئون إلينا غدا. منذ ثلاثمئة عام مثلا، كان كل أحد ثلاثة مواطنين في برلين أو براندينبورغ فرنسيا بروتيستانتيا. ومنذ مئة عام جاء المهاجرون البولنديون للعمل في المناجم وفي مصانع التعدين في منطقة الرور الصناعية.
أما في العقود الأخيرة، فجاءت قوميات ذات جذور أخرى، من تركيا ودول عربية. ومنذ زمن طويل أدركنا أن هؤلاء الناس لديهم مشكلاتٌ أكثرُ من حيثُ الاندماجُ بالمقارنة مع أبناء الدول الأوروبية المجاورة.
لنحلل الأمر كساسة جِديين.. نعم، هناك ملايين الأمثلة من الاندماج المثالي، لكن أمثلة فشل هذه العملية كثيرة للغاية. والإحصاءات تؤكد أن مستوى البِطالة بين المهاجرين أعلى بأضعاف منه بين غيرهم. ونسبة الذين يحصلون على إعانة مالية من الدولة الألمانية أعلى بثلاث مرات مقارنة بسكان البلاد الآخرين. يجب علينا أن نسمي الأشياء بأسمائها الحقيقية. لا يمكن لأحد القولُ – إن نظام الإعانات والتسهيلات الحكومية في ألمانيا يعجبني، إنه رائع. لكنَّ القوانين والدستورَ والتقاليد الثقافية في هذه البلاد لا تعجبني.

س – الهجرة من تركيا إلى ألمانيا بدأت بعد نهاية الحرب العالمية الثانية واستمرت على مدى عقود، لماذا أصبحت مشكلةً معقدةً اليوم؟

ج - من ناحية، يرتبط ذلك بزيادة عدد المهاجرين. هناك أربعة ملايين مسلم معظمهم من الأتراك، وسمات أصولهم وديانتهم تصبح ملموسة أكثر وأكثر، عبر بناء المساجد الضخمة والملحوظة، التي يمكن اعتبارها رمزا سياسيا كذلك. مدينة كولونيا مثلا شهدت مؤخرا سِجالات ساخنة حول بناء مسجد ضخم بدلا من مسجد صغير، أقصد أن الإسلام بات ملحوظا أكثر.
ومن ناحية أخرى، المشكلة تتعلق بالفرق في مستوى الاندماج بين المهاجرين المسلمين والمهاجرين غير المسلمين. على سبيل المثال، أطفال العمال الفيتناميين في ألمانيا الشرقية أو اللاجئين الفيتناميين انخرطوا في مجتمعنا بنجاح، واللافت أن نسبة الطلاب من هذه العائلات بين الدارسين في أحسن معاهد وجامعات أكثر خمسين في المئة من نسبة الطلاب الألمان، وأن حماس العائلات حول إعطاء أطفالهم التعليم يختلف وكثيرا ما يرتبط ذلك بأصل العائلة. لذلك أصبحت هذه القضية مهمة جدا اليوم.
وعِلاوةً على ذلك، هناك نقطة خاطئة في سياسة الهجرة الألمانية تتمثل في أن الجيل الثاني أو الثالث من المهاجرين يستطيع الاندماج بشكل أوتوماتيكي، وذلك لأن هؤلاء الأطفال كما يُزعم يترعرعُون هنا في ألمانيا ويذهبون إلى المدارس الألمانية مع أطفالنا الألمان. ولكن في حقيقة الأمر، يواجه الجيلان الثاني والثالث من المهاجرين مشكلاتٍ أكثر مما واجه الجيل الأول. واتخاذ التدابير المناسبة لحل القضية أخذت وقتا طويلا، مثل تنظيم الدورات الخاصة في الاندماج  ودراسة اللغة الألمانية. وإذا نتحدث عن الحضور التطوعي في هذه الدورات، الاقبال في هذه الدراسة جيد جدا، لكن حين نتحدث عن الحضور الإجباري لهذه الدورات، فالنتائج تخيب آمالنا، فنسبة الحضور منخفضة، إلا أن المهاجرين بحاجة ماسة إلى هذه الدورات اللغوية... يعني أمامنا سنوات طويلة وصعبة من العمل في هذا الاتجاه...
قضية الهجرة أصبحت من أهم القضايا الآن، لأن حالات فشل الاندماج أصبحت كثيرة للغاية وتسبب مشكلات متعددة وكبيرة مرتبطة بهذا الفشل. إحدى هذه المشكلات هي الإلمام الضئيل باللغة الألمانية بين التلاميذ في المدارس. وعندما لا يجيد التلميذ الألمانية في المدرسة فسيصعب عليه التخرج من المدرسة الثانوية فيما بعد، ومن دون التخرج من المدرسة لا يستطيع الطالب بَدءَ التعليم المهني، ومن دون التعليم المهني لن يجد سوى فرصٍ قليلة في سوق العمل. نريد كسرَ هذه الحلقة المفرغة. لا مجالَ للصمت إزاءَ هذه المشكلة. ومن ينكر وجود هذه المشكلة يقترب من النقطة الأسوأ في هذه الأجندة. لا نريد السكوت عن هذه القضية ونريد معالجتها، ولن نسمح أحد بمنعنا من الاستمرار في ذلك. كيفية عيش المواطنين وكيفية تعايش القوميات مهم جدا بالنسبة لنا، وطبعا تختلف آراء الناس حول هذه القضية. مثلا هنا فرق كبير بين كاتب مقالات ساخرة يعيش في فيلا في منطقة غنية من برلين ويتأمل غروب الشمس ويستمتع بالنبيذ المعتَّق؟ ويكتب المقالات عن المجتمع المتعدد الثقافات.. وبين مواطن ألماني عادي يستأجر شقة ولا يفهم لغةَ من حوله، ولا يستطيع التحدث مع جيرانه بلغته الأم، ويشعر كأنه أجنبي في بلده. نصيحتي أنا – أنظروا إلى مشكلات وهموم المواطنين الألمان بجدية كاملة!

س – ما هي أسباب زيادة القومية العنصرية في المجتمع الألماني؟
ج – لا أوافق على أن هناك ازديادا في مشاريع بلادنا القومية. وأرجو ألاّ تخلطي بين القومية والوطنية! القومي العنصري هو الذي يؤمن بأنه أحسن من الآخرين لأنه ينتمي إلى قومية معينة. لكن الوطني هو من يحب وطنه الأم. والحب للوطن شيء جميل. ولن أوافق أبدا على أن التمسك ببلادكم والدفاع عن قوانينها وقيمها وتقاليدها الثقافية يعني التعصب! ذلك لا علاقة له بالقومية! وأنا سعيد لكل من يحب وطنه الأم، وأريد أن أحب بلادي مثلما يحب الآخرون أوطانهم.

س – ما معنى الاندماج برأيك؟ وماذا يجب أن تقوم به الدولة الألمانية لتحقيق هذا المشروع؟
ج –  برأيي الاندماج هو مهمة المهاجرين أنفسهم قبل كل شيء. لا يمكن للمهاجر أن يأتيَ إلى ألمانيا ويجلس ويقول – يا أيتها الحكومة! ادمجيني من فضلك!.. المهاجر يجب عليه أن يبذل قصارى جهده ليصبح جزءا من هذا المجتمع، أما الدولة فعليها تهيئة فرص الاندماج له. وقبل كل شيء تمكينه من دراسة اللغة. مئات الآلاف زاروا الدورات اللغوية خلال السنوات الأخيرة، وهذا الرقم الكبير هو نتيجة جيدة.

س  – برأيك هل هناك فرق بين الاندماج والانصهار؟
ج – ليس لدينا مشكلة بكلمة الانصهار. الانصهار يعني أن الإنسان المهاجر يصبح شبيها أو مماثلا أو مماثلا تقريبا للمواطن الأصلي. ما المشكلة في ذلك؟ الانصهار هو تنيجة الاندماج الناجح برأيي. لا يعني ذلك أن الانسان يجب عليه بترَ جذوره ونسيان وطنه الذي أتى منه أو رفض أصوله، لكنه يعني أن هذه البلاد استقبلته وأصبحت له بيتا جديدا. يجب أن يعتبر هذا البلد بيته الجديد وأن لا يكون نصفه هنا ونصفه الآخر في بلد المولد، كأنه يجلس على حقائبه مستعدا لسفر جديد.. الاندماح يكتمل حينما يقول الفرد – هذا وطني الجديد، ويمكننا أن نسمي هذه العملية بالانصهار أيضا.
طبعا، هناك حرية للأديان في ألمانيا، لكنْ يجب أن تُمارس هذه الحريةُ في إطار القانون والدستور. أحدهم يذهب إلى الكنيسة، والثاني إلى الكنيس اليهودي والثالث إلى المسجد، والرابع لا يزور أيا من بيوت الله إطلاقا. ليس هنا أي مشكلة. لكن المواعظ والدروس، التي تلقى يجب أن لا تتناقض مع قوانين دولتنا. ولذلك فالخطباء الذين يبثون الكراهية يجب أن يتعرضوا للعقاب وفق القانون الجنائي لبلادنا، ولا داعيَ للانخداع بما يسمى التسامح الديني في هذا الصدد. الذين يأتون إلى هذا البلد يجب عليهم الانخراط في مجتمعنا، وليس على المجتمع تبني القوانين والتقاليد والثقافية للمهاجرين الذين يأتون إلينا. والحل الوسط بين القانون الألماني والشريعة مستحيل، الشريعة لا مكان لها في ألمانيا نهائيا!

س – البعض ينتقد حزبك قائلا إنه يركز على قضية المهاجرين المسلمين لصرف الانتباه عن القضايا الاقتصادية والاجتماعية، أليست هذه ألعاب سياسية؟
ج – هذا التصريح هراء كامل! لأننا نتكلم عن القضايا الاقتصادية والاجتماعية في بلادنا كثيرا، وألمانيا في حالة جيدة جدا بالمقارنة مع القوميات الأخرى، ومستوى النمو في بلادنا أعلى من العادي، وتجاوزنا عواقب الأزمة الاقتصادية بشكل أسرع وأسهل من الدول الأخرى، ونتمتع بإحصاءات الجيدة في سوق العمل في ألمانيا. يمكننا التحدث في الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية في البلاد طول اليوم، لكننا نتحدث عن مشكلة المهاجرين الحادة ونواجه هذه القضية بشكل واضح تماما. والأحزاب الأخرى تخجل من التحدث عن القضية باعتبارها موضوعا محرما، وهي تظن أنها ستحل المشكلة بالصمت. ويذكرني موقفها بدونالد داك من فيلم الكارتون، الذي اعتاد رمي حساباته إلى الموقد معتبرا أنه تخلص من ديونه بهذه الطريقة. عندما يصمت السياسيون عن قضية معينة، فهم بذلك يعززون الأحزاب اليمينية أو اليسارية، الأمر الذي نحاول الحيلولة دونه. لا نريد أن تتحول هذه المشكلة إلى موضوع محظور، لأننا نريد حلها.

تعليمات استخدام خدمة التعليقات على صفحات موقع قناة "RT Arabic" (اضغط هنا)