جزر الكوريل.. إرث يعكر حاضر العلاقات الروسية اليابانية

انسخ الرابطhttps://arabic.rt.com/prg/telecast/57301/

تحدث الى  برنامج "حديث اليوم"سيرغي لوزيانين نائب مدير معهد الشرق الأقصى التابع لأكاديمية العلوم الروسية،عن  توتر العلاقات الروسية اليابانية في الآونة الأخيرة ، واجاب عن اسئلة مندوبة قناة"روسيا اليوم". 

س1 - إذا، تم استدعاء السفير الياباني من روسيا، ونشاهد توتر العلاقات بين موسكو وطوكيو. لماذا اختار الرئيس مدفيديف هذا الوقت بالذات لزيارة  جزر الكوريل؟


 
ج 1 - هناك أسباب عدة. أولا، زيارة مدفيديف لجزر الكوريل جاءت بعد حضوره قمة روسيا- اسيان في هانوي. وكان الرئيس ينوي زيارة الجزر سابقا أثناء جولاته الأخيرة في الشرق الأقصى ولم يفعل ذلك بسبب رداءة الطقس.. لكن هناك أسبابا أعمق تتعلق بزيادة التوتر في العلاقات الروسية اليابانية في السنة الأخيرة  بسبب طوكيو. في نهاية العام الماضي وبداية العام الحالي انتصر في اليابان الحزب الديموقراطي الذي كان معارضا خلال الأعوام الثلاثين الماضية والذي اعتمد في شعاراته السياسية على فكرة استعادة الأراضي الشمالية اي جزر كوريل، وأصبح هذا المبدأ أساسا في السياسة الخارجية لهذا الحزب ورئيس الوزراء /ناوتو كان/. علما ان الحزب الحاكم السابق اي  الحزب الليبرالي  طالب أيضا باستعادة جزر كوريل، لكن في إطار  منظمات اجتماعية غير حكومية، غير أن الحزب الديموقراطي الحاكم حاليا، قام بتمرير مشروع قانون الأراضي الشمالية أول وثيقة رسمية في البرلمان تنص على أن جزر كوريل تُعد جزءا لا يتجزأ من الأراضي اليابانية. وكانت تلك هي الضربة الأولى الموجهة إلى موسكو.طبعا، في هذه الظروف لا تستطيع روسيا بصفتها دولة عظمى إهمال مشروع قانون كهذا، وبهذا المعنى كانت زيارة ميدفيديف خطوة جوابية على ذلك.
 
كما أن هناك سببا آخر يتعلق بتعزيز مواقف اليابان الدولية خلال السنوات الخمس الأخيرة. وفور وصوله إلى السلطة، بدأ الحزب الديموقراطي بالتحدث عن إعادة النظر في السياسة الخارجية اليابانية وعن توسيع استقلال اليابان، وطالب بسحب القواعد العسكرية الأمريكية، وبالعضوية الدائمة في مجلس الأمن الدولي، وبدأت إدانة الدول النووية بما فيها كوريا الشمالية. شاهدنا سابقا طموحات اليابان لتكون دولة عظمى، لكن هذه الطموحات تشددت خلال حكم الحزب الديموقراطي اليوم.
وفي هذا الصدد فإن رد فعل اليابان على زيارة مدفيديف إلى جزر كوريل، هو جزء من سياسة طوكيو الخارجية المتشددة الجديدة، خاصة وأن مدفيديف كان أول رئيس روسي يزور هذه الأراضي، على الرغم من أنه في العهود السابقة كانت موسكو تؤكد أن جزر كوريل هي جزء من الأراضي الروسية. لكن في عهد الرئيس بوريس يلتسين بدأت روسيا التحدث عن احتمال إهداء اليابان جزيرتين صغيرتين من جزر كوريل استنادا إلى بيان موسكو الصادر عام 1956 والذي ينص على ان الاتحاد السوفياتي سوف يعطي جزيرتين جنوبيتين من أرخبيل كوريل لليابان كهدية بعد توقيع معاهدة الصلح.


س2 - المفاوضات حول جزر كوريل جرت في التسعينيات في عهد يلتسين، وكان موقف روسيا آنذاك يقترب من التنازل عن جزء من هذه الأراضي إلى اليابان. إلى أي درجة وصلت هذه المفاوضات مع اليابان؟
 

ج2 - في بداية تسعينيات القرن الماضي ابدى يلتسين استعداده لمناقشة البيان من جديد.في عهده آل الامر الى تنظيم لقاءات غير رسمية بين الرئيس الروسي ورئيس الوزراء الياباني  في مدينتي إيرْكوتسك وكْراسنويارسك الروسيتين، وقد ادّعى الجانب الياباني بعد اللقاءات أن الرئيس الروسي أبدى نية بلاده إرجاع جزيرتين جنوبيتين من جزر كوريل لليابان وذلك تطبيقا للبيان السوفياتي الياباني الصادر عام 1956. ولكن تلك الادعاءات كانت أوهاما لان يلتسين في عهده كان يرتجل كثيرا وينطق بكلام لا يمتّ الى الحقيقة بِصلة، الا أن اليابانيين كانوا يعتبرون هذا الكلام نهجا ليبيراليا للرئيس الروسي ولذلك كانوا حتى عام 2000 يدّعون بان اليابان سوف تحصل على الجزيرتين.
وبعد انتهاء عهد يلتسين ومع بداية ولاية الرئيس بوتين عام 2000 أعلنت روسيا بشكل رسمي أنه لم تكن هناك سياسة سرية للرئيس يلتسين وان بيان عام 1956 لن يتم التطرق إلى مناقشته الا بعد توقيع معاهدة الصلح وأن روسيا ليست مدينة لليابان بـأية أراض. وهذا النهج الروسي قد اكده بوتين وبقوة خلال زياراته لليابان، ما احرج النخبة اليابانية، ومع ذلك لم يقدم الحزب الليبرالي الياباني الحاكم آنذاك على الخطوات التي اقدم عليها الحزب الديموقراطي، حيث لم يطرح الليبراليون مشروع القانون في البرلمان ولم يقوموا بتصريحات شديدة اللهجة بل كانوا يتفاوضون مع روسيا بشكل رسمي او غير رسمي.
من جهة اخرى فهمت القيادة الروسية ان اليابان تترجم الحديث بل حتى التلميح الى احتمال تسليم روسيا الجزيرتين الجنوبيتين من جزر كوريل، على أنه ضعف روسي كبير وبالتالي تصرّ على إرجاع الجزر الأربع.
ولذلك يمكن القول ان اليابانيين يفسرون اية موافقة روسية لمناقشة بيان عام 1956 على أنه موقف روسي ضعيف.

س3 - وفق بيان موسكو عام 56 نظرت موسكو إلى إحتمال إعادة جزيرتين من جزر كوريل إلى اليابان، لكن اليابان طالبت بالجزر الأربع  كلها. في عام 2001  اقترح الرئيس بوتين العودة إلى مناقشة هذا البيان من جديد، لكن اليابان رفضت هذا الاقتراح أيضا. فإذا كان هذا البيان مأزقا فهل من المنطقي العودة إلى هذه الوثيقة اليوم أم أن على الطرفين إيجاد طرق أخرى؟
 

ج3 - ذكرت الآن بيانا مهما صدر عام2001 وهو البيان المشترك للرئيس الروسي بوتين ورئيس الوزراء الياباني موري. صحيح أن محاولة العودة إلى وثيقة  عام 56 تبدو غير فعالة لأنها وقعت في ظروف الحرب الباردة بين الدولتين العظميين والعالم الثنائي القطب. الولايات المتحدة واليابان والاتحاد السوفيتي كانت تختلف تماما عن الدول المعاصرة، وفي تلك الظروف كان الاتحاد السوفيتي مستعدا لتقديم هذه الهدية الكبيرة إلى اليابان، لكن الوضع تغير اليوم . نحن نعيش في عالم متعدد االاقطاب، وتختلف المبادئ الجيوسياسية لروسيا الحديثة عن السياسة التي مارسها الاتحاد السوفيتي مع اليابان والولايات المتحدة. وفي رأيي، ان تطبيق وثيقة سوفيتية قديمة مثل بيان 56 في سياسة روسيا الآسيوية الحالية وفي الوضع الراهن هو خطأ وحتى مأزق سياسي.

س4 - هل هناك بديل لبيان موسكو عام 56؟
 
 ج 4 - نعم، هناك بديل، وهو أخذ نموذج العلاقات اليابانية الصينية في مثل هذه القضايا. لديهما نزاع مماثل على جزيرة سينكاكو في بحر الصين الجنوبي. وعام 1978وقعت بكين وطوكيو اتفاقية سلام حول هذه الجزيرة، الأمر الذي فشلت موسكو وطوكيو في فعله حول جزر كوريل في الستينيات. تفادى الطرفان الياباني والصيني تسييس النزاع على  تلك الجزيرة، ولم يمنعهما ذلك من تطوير العلاقات التجارية والاقتصادية في المنطقة. يجب علينا أن نقترح على طوكيو عدم تسييس مسألة جزر كوريل والعمل على إخراجها من مجال العلاقات الاقتصادية والتجارية. وحتى يمكننا أن ندرس امكانية إنشاء مشاريع اقتصادية مشتركة في كوريل على نمط النموذج الياباني الصيني. وإذا لم يتم ذلك فستعيش روسيا من دون اتفاقية صلح مستقبلا كما عاشت ذلك خلال العقود الماضية.

س5- ما هي دوافع اليابان وأسباب إلحاحها لبسط سيطرتها على جزر كوريل؟
 

ج5 - هنا أسباب عدة في هذه الرغبة. سواء لدى النخبة السياسية الحالية الحديثة والجيل الفتي كذلك، كلهم تربوا على مبدأ أراضي الشمال كما يطلقون على جزر كوريل. ان قيمة هذه الجزر ليست مهمة لهم،  الجزر هي شعار سياسي ورمز ونقطة مهمة في برنامج سياسي لأجيال عدة من الساسة، وكل زعيم يعلن عن رفض فكرة استعادة كوريل، يقوم بانتحار سياسي. وهناك أسباب عملية أيضا، فاليابان تهتم  بالموارد البحرية في المنطقة علاوة على أن الجزر منطقة هامة استراتيجيا وعسكريا لأمن روسيا الاتحادية. هذه الجزر تعد إحدى القواعد الاستراتيجية العسكرية للغواصات والاسطول الروسي، وتقديم هذه الأراضي إلى اليابان، قد يعني تقويض الأمن الوطني الروسي.

س6 - ماذا تتوقع من منتدى التعاون الاقتصادي لدول آسيا والمحيط الهادئ المقبل في يوكوهاما؟ هل سيقدم فرصة لتسوية الأزمة؟
 

ج 6 - إذا تم لقاء الرئيس مدفيديف ورئيس الوزراء الياباني نايتو كان، فهذا سيعني تقليص التوتر، وإذا لم يحدث هذا اللقاء فسيعني ذلك تدهورا في العلاقات الثنائية. لكنهما في رأيي سيناقشان احتمالات التعاون المشترك في جزر  كوريل والعمل المشترك في مشاريع الطاقة في إطار منتدى التعاون الاقتصادي لدول آسيا والمحيط الهادئ. هناك ما يسمى بدبلوماسية الطاقة التي لها أهداف سياسية أيضا، فإذا أصرت اليابان على التصريح بلهجة خشنة بأن جزر كوريل جزء من أراضيها وأن لا أحد غير ياباني يمكنه زيارتها، فتدفق النفط الروسي يمكنه أن يحرف مساره عن اليابان إلى اتجاهات أخرى، وفي منطقة آسيا هناك كثيرون يرغبون في الحصول على النفط والغاز الروسيين. هذه وجهة نظري الشخصية، كعالم وباحث.

س 7 - ما هو مستقبل العلاقات الروسية اليابانية؟
 

ج 7 - هناك ثلاثة سيناريوهات، الأول سلبي إذ يمكن أن تصعد اليابان لهجة اتهاماتها لروسيا بشأن جزر كوريل. أنا استثنى الحرب أو أي أعمال حربية لكن هذا الموقف قد يؤدي إلى إضعاف العلاقات السياسية والاقتصادية التي كانت قوية جدا بين روسيا واليابان في السنوات الأخيرة. السيناريو الثاني هو العودة إلى نقطة الصفر وتجميد القضية، ويبدو هذا السيناريو أكثر واقعية. أما السيناريو الثالث الإيجابي وغير الواقعي إلى حد ما، هو أن يعيد الحزب الديموقراطي النظر في موقفه من مسألة جزر كوريل لينتظر استعادة جزيرتين وفق بيان عام 56 ، لكنني أشك في ذلك لأن موقف هذا الحزب يبدو راديكاليا في قضية جزر كوريل إذ يتمسك بالجزر الأربع.

تعليمات استخدام خدمة التعليقات على صفحات موقع قناة "RT Arabic" (اضغط هنا)