رئيس جمهورية جنوب افريقيا السابق: تصدير الديمقراطية ممارسة خاطئة وخطيرة

انسخ الرابطhttps://arabic.rt.com/prg/telecast/54435/

ضيف هذه الحلقة من برنامج " حديث اليوم " هو ثابو مبيكي رئيس جمهورية جنوب افريقيا السابق. تم اللقاء على هامش منتدى ياروسلافل السياسي العالمي، حيث تحدث السيد الرئيس عن المواضيع التي ناقشها المنتدى وعن معايير الديمقراطية وغيرها من الامور.

س - سيادة الرئيس شكرا لكم على مشاركتكم في برنامج "حديث اليوم" ودعوني في البداية أن أسألكم عن المنتدى السياسي العالمي. إحدى القضايا الجوهرية المطروحة على بساط النقاش في المنتدى هي قضية بناء الدولة الحديثة. هل تعتقدون أنه يمكن الحديث عن إنموذج موحد او وصفة عامة صالحة للاستعمال في كافة دول العالم، أم أن لكل دولة خصوصياتها؟

ج - لست متاكدا من هذا الامر تماما- ولكنني واثق من ان القضايا المطروحة  في اجندة عمل المنتدى السياسي العالمي في ياروسلافل هي قضايا شرعية النقاش- فعلى سبيل
المثال - وفي سياق الحديث عن الدولة الحديثة- يجب أن نسأل ما الذي تعنيه الديمقراطية؟  لان التوجه والقبول العام لاي دولة حديثة هي ان تكون ديمقراطية- ومن هنا يبرز السؤال عما تعنيه الديمقراطية وكيفية فهمنا لهذا الانموذج والصيغة؟ واعتقد ان هذا سؤال شرعي وقد طرحه هذا المنتدى الذي يجمع تجارب مختلفة من ارجاء مختلفة من العالم - واظن ان المنتدى وفر الامكانية للتعاطي مع هذه المسالة - فضلا عن قضايا اخرى تتعلق بدور الدولة فيما يخص التحديث والتنمية التقنية وهذه من الامور المهمة لان التقانة الحديثة تلعب دورا فاعلا ومهما في بناء وتطوير المجتمعات -  ومن الواجب طرح مثل هذا السؤال: هل يمكن ان نبني دولة حديثة لا تلعب دورا في مجال التقانة الحديثة؟ واذا كان لها دور - اي دور يجب ان تلعبه الدولة بهذا الخصوص؟- هل الافراد هم من يجب ان يلعب دورا في التقانة الحديثة؟ - العلماء والمهندسون فقط ام نحن بحاجة لتدخل الدولة في هذا المجال الحيوي؟ -  هذه مجموعة من الاسئلة التي يجب طرحها للمناقشة ومن المهم جدا الاجتماع مجددا لتبادل التجارب المتنوعة .  كما ان من المهم ايضا طرح موضوع الامن في الدولة الحديثة  ومن الاسئلة المهمة التي اثيرت  خلال المنتدى هي عملية خصخصة الحروب - ونحن على دراية بالشركات الحربية الخاصة في العراق وافغانستان الذين لا تطالهم قوانين الشرعية الدولية الخاصة بادارة الحروب - لذا تبرز هذه القضية للنقاش شرعيا وقانونيا - وهي مسالة تنظيم سلوكيات الحرب في الدولة الحديثة -  اذ لا يمكن السماح بخلق ظروف واوضاع يكون فيها هذا العدد الهائل من الاشخاص المسلحين الذين يتصرفون ويعملون بحرية  كما يشاؤون كقوة من المرتزقة دون ان يكون هناك تدخل للدولة الحديثة في ادارة وتنظيم اعمال مثل هذه المجاميع الخاصة 
 - اعتقد ان جميع هذه الاسئلة المطروحة هي اسئلة شرعية وقانونية ومن الجيد ان نجمع عدة  تجارب واشخاص من مختلف ارجاء العالم بغية التوصل الى حلول لتلك الاسئلة.

س -  إذا دخلنا في موضوع الممارسة الديمقراطية. لو تحدثنا عن هذه التجربة في جمهورية جنوب أفريقيا، هل يمكن الاستفادة من هذه التجربة في دول القارة الافريقية، هل  هذه التجربة يمكن أن تعمم على دول أفريقية أخرى على سبيل المثال السودان؟

 ج - انا واثق تماما من وجود مثل هذه التجارب-  واعتقد انه من الضرروي ان تكون هناك خطوط واضحة وصريحة يتم اعتمادها وقبولها فيما يتعلق بالممارسة الديمقراطية  مثل الانتخابات النظامية والقضاء المستقل وعمليات التصويت الحرة  وغيرها من الامور التي يتفق عليها الجميع - ولكن الامر المحرج هنا يتمثل في استحداث انظمة ديمقراطية تحترم خصوصيات وطنية محض.  لناخذ دولتنا جنوب أفريقيا مثالا على ذلك.  نحن لدينا مجتمع عانى الامرين على يد نظام عنصري فظيع،  وكان يتوجب العمل على بناء مجتمع جديد غير عنصري يتكون من مجتمعات متعددة اللغات والثقافات والاديان-  وبنتيجة لذلك - توصلنا الى قرار يقضي بوجود تسع  او بالحقيقة احدى عشرة  لغة رسمية  - وقررنا العمل على التعامل مع هذا التنوع وسعينا لاستحداث دستور ينص على تاسيس هيئة مختصة مهمتها التاكد من وجود تمثيل حقيقي لهذا التنوع الثقافي والديني واللغوي كي يكون ذا تاثير فعلي على الحكومة -  ربما هنا في روسيا لستم بحاجة الى مثل هذه المؤسسة - ولكننا في جنوب افريقيا بحاجة اليها -  وعندما تطرح سؤالا يتعلق بالسودان على سبيل المثال فان احد اهم التحديات التاريخية التي يواجهها السودان  يتمثل في كيفية التعامل مع مثل هذا التنوع وتطويره وادارته بطريقة لا تقود الى نشوب صراعات.  
اذا كيف يمكن ان تبني بلدا واحدا موحدا ياخذ بنظر الاعتبار هذا التنوع الثقافي والديني واللغوي ويحترمه؟  من البديهي ان الفشل في ادارة هذا التنوع بشكل مناسب يقف وراء اندلاع الصراعات في السودان.  لذا انا اذكر التجربة الديمقراطية في جنوب افريقيا كمثال يمكن للاخرين  الاطلاع عليه  وملاحظة كيف تتعامل جنوب افريقيا مع هذا التنوع الذي يشكل احترامه الاساس في الحفاظ عليه -  بالتاكيد بالقانون والدستور وليس فقط عن طريق الخطابات -  وهذا من شانه بناء المؤسسات التي تكون ملزمة للمجتمع. لذا أكرر أن تجربتنا في جنوب أفريقيا تستحق الاهتمام.

س -  لكن أين تمر الحدود او الخط الاحمر بين احترام السيادة وبين إمكانية التدخل الخارجي لحل نزاعات داخلية، كما هو الحال بالنسبة للشأن السوداني؟

ج- لحسن  الحظ لدينا هنا في القارة الافريقية الاتحاد الافريقي الذي تنتمي اليه كل الدول الافريقية،  وعند ظهور اولى الاشارات الى جرائم حرب او ابادة جماعية فان الاتحاد لا يحتاج الى موافقة جهة البلد الذي تحدث فيه مثل هذه الظواهر. وفي هذه الحالة لا يمكن ارتكاب جرائم من هذا النوع والاختفاء وراء بوابة السيادة - ولكن من الاعتيادي- وطبعا بوجود الاسباب اللازمة-  يمكن وضع اي قضية على اجندة عمل الاتحاد الافريقي حينما يعتقد ان هذه القضية تصب في مصلحة الجميع بغض النظر عن مكان حدوثها سواء في بلدي او اي بلد اخر. وحينها يتم مناقشتها لاتخاذ القرار المناسب حول كيفية تدخل الاتحاد الافريقي للمساعدة في حلها.  وفي السودان ـ على سبيل المثال ـ تعمل تحت لواء الاتحاد الافريقي قوات حفظ سلام افريقية. هذه القوات مخولة في الوقت نفسه من قبل الامم المتحدة التي تنفذ بدورها عملية اغاثة انسانية.

س -  في عهد الرئيس جورج بوش دخل معجم الممارسة الديمقراطية مصطلح " جديد قديم " الا وهو تصدير الديمقراطية، هل تعتقدون أن ممارسة هامة كالديمقراطية يمكن أن تصبح مادة او سلعة قابلة للاستيراد والتصدير؟ 

ج- كلا هذا غير جائز وانت  محق تماما -  فحينما خططت الولايات المتحدة للذهاب الى العراق-  كانت الديمقراطية والمساعدة في بنائها بالعراق  جزء من الجدالات التي كانت قائمة انذاك - ولكن في الواقع - كما ذكرت انت-  لايمكن تصدير الديمقراطية  لانها يجب ان تكون محلية المنشأ-  بمعنى ان البلد نفسه يجب ان يتولى مسالة بناء الديمقراطية التي لا يمكن تصديرها من وراء الحدود- كلا هذا الامر غير جائز - اعني مسالة تصدير الديمقراطية الى البلدان لانها لن تكون ديمقراطية في هذه الحالة وانما مكبلة بممارسات دخيلة وغريبة على المجتمع-  كما اعتقد انه من المهم ان تترك الشعوب لتقرير مصيرها بنفسها بغض النظر عما اذا كانت شعوبا فقيرة او صغيرة -  ففكرة وجود قوى عظمى تعرف كل شيء عن كل شيء وتحتكر مفهوم الممارسة الديمقراطية وتحاول فرض رؤيتها على غيرها من البلدان - هذه فكرة خاطئة، بل خطيرة للغاية.  ومن الواضح انها لن تنجح - وهذا يجعل من عملية تصدير الديمقراطية عملية فاشلة  ولن تجد سبيلا للنجاح. نحن نعرف اليوم نتائج تصدير الديمقراطية الى العراق، بل ثمن هذه الديمقراطية بالنسبة للشعب العراقي.  وكما ذكرت - فانني أكرر مرة اخرى ان خلق الفضاء والمساحة اللازمتين للشعوب لتقرير مصيرها بنفسها هما من الامور الجوهرية والمهمة جدا. ومن حق كل شعب ان يختار سبيله الخاص به الى الديمقراطية.

تعليمات استخدام خدمة التعليقات على صفحات موقع قناة "RT Arabic" (اضغط هنا)