قصر النوافير

متفرقات

انسخ الرابطhttps://arabic.rt.com/prg/telecast/52068/

أتى ذكر بيترهوف لأول مرة في عام 1705 بمثابة "خان" ومرسى للانتقال إلى جزيرة كوتلين. وبدأ هنا في عام 1710 بناء مقر إمبراطوري شتوي لبطرس الأول. وتكون مجمع بيترهوف على امتداد الفترة الممتدة من  القرن الثامن عشر إلى بداية القرن العشرين كمجموعة قصور وحدائق.
مركز مجمع بيترهوف هو القصر الكبير، المقر "التاجي" للأباطرة الروس. وهو بناية رائعة تتكون من ثلاثة طوابق ذات أروقة تتلألأ بطلاء ذهبي لقباب مبنى الكنيسة وتمتد بمحاذاة شرفة بطول ثلاثمائة متر تقريبا.
أهم جزء في مجمع القصور والحدائق هو حدائقها الغناءة العديدة ذات النوافير: وتبرز بشكل خاص الحديقة العليا التي تقع فيها خمس نوافير كبيرة والحديقة السفلى حيث تقع أكبر مجموعة من النوافير في العالم على مساحة تتجاوز 100 هكتار.
أنشئت الحديقة العليا في مستهل فترة بناء مقر بلاط بطرس وبقيت أمدا طويلا "بستانا" تزرع فيه الخضار وتربى الأسماك في ثلاث برك فيه. ولم يكتسب هذا المكان مظهر حديقة منتظمة إلا في النصف الثاني من القرن الثامن عشر، وأخذت تظهر هنا النوافير الرائعة واحدة إثر الأخرى.
تمتد من القصر الكبير إلى خليج فنلندا قناة بحرية تقسم الحديقة السفلى إلى جزأين.
حديقة بيترهوف السفلى أشهر جزء في مجمع القصور والحدائق. هذه المجموعة الرائعة بالذات، بآثارها المعمارية ونوافيرها وتماثيلها، جلبت شهرة عالمية إلى هذا المتحف- المحمية. وقد أنشئت الحديقة السفلى على نمط المقر الريفي للملك الفرنسي لويس الرابع عشر في فرساي بالأسلوب الفرنسي الشائع حينذاك. والملامح المميزة لهذا الأسلوب هي التخطيط الهندسي الصارم للممرات الظليلة والشذب المزخرف للأشجار والشجيرات وأناقة رسوم الجنائن الكبيرة وغنى الزخارف المنحوتة والأكشاك الأنيقة.
البحر هو العنصر الرئيسي لمجموعة بيترهوف. وترافقه مئات من النوافير وألوف مؤلفة من الرذاذ المتلألئ وشلالات وقنوات تهرع لتلتقي في تيار جارف واحد.
استطاع بطرس الأول أن يحل مسألة تقنية معقدة، وهي إدخال المراكب من البحر على امتداد الشريان الرئيسي للحديقة السفلى، أي القناة البحرية. وكان بطرس، إذ يراقب الوجوه المشدوهة للضيوف الهابطين من سلم المركب إلى القصر الكبير مباشرة، يشعر بالنصر: كان عبقري المفاجآت والمؤثرات البصرية المتوج يبين للعالم أجمع أن لا شيء مستحيل  لدي القيصر الروسي!
كان على مجمع بيترهوف، الذي أسسسه بطرس الأول في مستهل القرن الثامن عشر على مقربة من العاصمة الشمالية الجديدة سان بطرسبورغ، أن يغدو أفخر مقر صيفي للقيصر. وسار العمل لإنشاء المقر الجديد بسرعة خارقة. وجرى في أغسطس (آب) عام 1723 حفل افتتاح بيترهوف، وكان قد خطط حتى ذلك الحين للحديقة السفلى وحفرت القناة البحرية وبدأ يعمل عدد من النوافير وفرزت الغرف العليا، وبني كذلك قصرا "مونبليزير" و"مارلي".

بناء على فكرة بطرس، كان على مجمع  بيترهوف، من جهة ، أن يغدو، بعظمته ندا لأشهر مقار الملوك في أوربا، وأن يصبح، من جهة أخرى، أثرا مظفرا لنجاح كفاح روسيا من أجل الوصول إلى بحر البلطيق. وقد تسنى تحقيق هذا وذاك على نحو رائع.
خصص بطرس الأول للنوافير أهم دور في إنشاء المجمع. ولتنفيذ هذه الفكرة استدعى القيصر أفضل المعماريين ومعلمي صناعة النوافير والمهندسين والاختصاصيين الآخرين من روسيا والبلدان الأوربية الأخرى. وقاد بطرس الأول بنفسه تصميم وبناء الأحواض. وكان بطرس الأول يوضح بالتفصيل دائما في أوامره العديدة المرتبطة ببناء بيترهوف كيف تشيد هذه النافورة أو تلك، وأي مكان أفضل للشلالات وأية "لعبة مياه" ينبغي إقامتها. والكثير من هذه النوافير تعمل منذ نحو ثلاثمائة سنة، ولم تخمد شهرتها، مع أنه ظهرت في العالم منذ ذلك الحين منظومات نوافير معقدة وفخمة.
لا تزال النوافير- النكات إلى الآن أحب "تسلية" لزوار حديقة بيترهوف السفلى. وأقدمها مقعدان أبيضان متواضعان يقعان في حديقة مونبليزير. وقد شيدتا وفق رسمين لبطرس الأول وجربتا في عام 1723. في وقت مضى كانت السيدات والسادة، وقد تألقوا مرحا في المجمع، يخرجون إلى الحديقة لينالوا قسطا من الهواء المنعش، ولكن كان يكفي لأن يقتربوا من المقعدين لتصيب دفقات الماء الدقيقة ضيوف الإمبراطور "السيئي الطالع".
يكمن مبدأ عمل منظومة برك بيترهوف في استخدام تباين المستويات التي تقع عليها البرك والنوافير. لم تستخدم المضخات في بيترهوف أبدا، مع أنه وجدت فكرة ضخ الماء على هذا النحو من خليج فنلندا أو برك المكان المستنقعي. لقد أوحت الطبيعة نفسها بالحل. كانت الجداول العديدة في مرتفعات روبشين قادرة على تزويد نوافير بيترهوف بالماء.
اختار بطرس الأول شخصيا هذا المكان بالذات لبناء بيترهوف، فقد كانت تضاريس المنطقة تمكن من إنشاء منظومة تدفق ذاتي لجر الماء إلى النوافير التي كان بوسعها، خلافا لنوافير فرساي، أن تنبجس بالماء دائما على مدار اليوم. والمبادئ التي اكتشفها بطرس الأول للتزويد بالماء لا تزال تعمل إلى الآن، شاهدة على موهبة مؤسس بيترهوف.
ان مجمع بيترهوف يثير دوما تداعيات تقترن بالنوافير. ولم يكن من قبيل المصادفة أن يكتسب مقر الأباطرة الروس الصيفي  شهرة عالمية باعتباره "عاصمة النوافير". ولا يقل بيترهوف من حيث فخامته وضخامته عن مقر الملوك الفرنسيين الشهير، فرساي، أما مقاييس منظومة نوافيره فتفوق كثيرا كل النوافير الموجودة في العالم. ولهذا بالذات سمي بيترهوف رسميا في عام 2008 بإحدى عجائب روسيا السبع!

تعليمات استخدام خدمة التعليقات على صفحات موقع قناة "RT Arabic" (اضغط هنا)