البوسنة والهرسك.. سلام هش قائم على الأشلاء

انسخ الرابطhttps://arabic.rt.com/prg/telecast/50737/

"يحكى أن..." في البداية كانت الحرب...الحمائم هاجرت...الغربان جاءت على رائحة الموت".
أربع سنوات وسراييفو محاصرة. أربع سنوات وعاصمة البوسنة والهرسك تتعرض للقصف. أما سكانها فكانوا أهدافا للقناصين.
حصيلة الحصار والقصف إثنا عشر ألف قتيل وخمسون ألف جريح. ودمار، كثير من الدمار.
لنروي الحكاية من البداية..

قبل إندلاع الحرب الاهلية في البوسنة والهرسك كان الصرب والبوسنيون المسلمون يعيشون جنبا الى جنب في ضاحية دوبرياني الملاصقة للعاصمة سراييفو. مفهوم الحدود بينهما لم يكن دارجا اصلا في معجم التعايش العرقي.

"هذه الجادة..." مقهى يافور يقع على الجانب البوسني من الحدود الادارية، أما صاحب المقهى ماركو الصربي فيسكن على الجانب الاخر من الحدود. هذا المقهى لم يغلق ابوابه حتى في أوج القصف. ماركو كان ويبقى سعيدا لرواد المقهى بغض النظر عن العرق والمذهب.
ماركو يافور، صاحب مقهى: "لم أغادر أثنار الحصار وقلت للجميع إن هذا المقهى مفتوح لكل الناس بغض النظر عن انتماءا تهم. بعد الحرب إزددت ايمانا بصحة موقفي. أنا لا أفرق بين الناس على اساس العرق او المذهب او الانتماء السياسي. أنا آمل بان تعود الحياة عاجلا أم آجلا الى ما كانت عليه في عهد جوزيف تيتو".

آثار الجراح التي تسببتها الحرب الاهلية على جسد المدينة وفي ذاكرة شهودها. راتكو أوروزوفيتش كاتب ومخرج تلفزيوني وسينمائي. هذا الرجل الصربي المتزوج من بوسنية مسلمة نجى أكثر من مرة من رصاص القناصين. راتكو يتذكر أيام الحصار.

راتكو أوروزوفيتش، كاتب ومخرج سينمائي: "مطار سراييفو الدولي كان في فترة الحرب تحت سيطرة القوات الدولية. هذا المطار الذي كانت تصل عن طريقه مؤن الاغاثة الى المدينة المحصارة أطلق السكان عليه لقب عصب الحياة. المناطق المحيطة بالمطار كانت تحت سيطرة القوات الصربية. البوسنيون حفروا نفقا لنقل المؤن الى سراييفو".
من مفارقات تلك الحرب صرب قاتلوا الى جانب البوسنيين وبوسنيون قاتلوا الى جانب الصرب وكروات قاتلوا هنا وهناك. الجنرال الصربي يوفان ديفياك كان الرجل الثاني في جيش البوسنة.

الجنرال يوفان ديفياك: "نحن جميعا أبناء هذه الارض. وللاسف فان البعض تأثر بالدعاية التي كان يروج لها رادوفان كراجيتش والتي تقول إن البوسنيين لا يرغبون في العيش مع الصرب وإن صرب البوسنة حرموا من حقوقهم وإن الارثوذوكس والمسلمين لا يمكن أن يعيشوا معا. لكن الحصار والحرب على مدى أربع سنوات أثبتا بطلان هذه الادعاءات. كنا نعيش جنبا الى جنب، أرثوذوكس ومسلمون وكاثوليك، لا فرق بيننا. الجيش البوسني مبني على أساس التعدد العرقي. الصرب يعرفون موقفي وتعريفي للبوسنة والهرسك".

وفي غوراجده - البوسنة والهرسك  فصحيح أن ما جرى في البوسنة والهرسك يصنف كحرب أهلية أفرزتها عملية تفكك الدولة الاتحادية في يوغسلافيا. لكن عوامل خارجية أسهمت في صب المزيد من الزيت في نار تلك الحرب. بعد خروج القوات السوفييتية من افغانستان تسرح الآلاف من الافغان العرب وسواهم. هؤلاء كانوا بحاجة الى ميدان جديد لصقل مهاراتهم القتالية. كذلك الاوساط الغربية التي انتهزت الفرصة لبسط نفوذها في منطقة البلقان.  كعكة دسمة لكن الفاتورة كالعادة دفعتها شعوب يوغسلافيا السابقة. الاطراف المتحاربة تبارت في سباق التنكيل بالمدنيين وممارسة سياسة الارض المحروقة والتطهير العرقي...
حتى اليوم لم تزل حقول الالغام التي زرعها الخصوم. في طريقنا الى قرية كوباتشي لمحنا لوحات تحذر من الالغام الارضية. لكن هذه التحذيرات لا تبالي لها عائلة تانوفيتش التي هربت أيام الحرب من مدينة غوراجده المجاورة. ستويا ورادوج وابناهما يعيشون في بيت يشبه قن الدجاج.
وبهذا الصدد قال رادوج تانوفيتش، مهجر صربي: "بعد سقوط غوراجده على أيدي البوسنيين ، لذنا بالفرار خشية من التنكيل. رحلتنا الى الحدود مع الاراضي الصربية استغرقت ستة ايام. تنقلنا في الاراضي الصربية من مدينة الى مدينة. سكنا في بلغراد ولييغا وأخيرا في فيغورني ميلانوفاتس التي مكثنا فيها حتى عام الف وتسعمئة وخمسة وتسعين لحين انتهاء الحرب. شيئا فشيئا بنيت هذا البيت. أكثر من ثلاث سنوات بدون كهرباء وماء. كنا نستخدم فوانيس نفطية وشموع للاضاءة".
في ضواحي غوراجده ايضا وتحديدا في مجمع ميسيتشي للمبعدين يسكن نياز ديزداريفيتش وإبنه طارق وإبنته آلما. هذا الرجل البوسني وقع في أسر القوات الصربية وأمضى سبعين يوما في الاسر بعد سقوط مدينة فيشيغراد.
من جهته قال نياز ديزداريفيتش، معاق بوسني: "بعد وقوعي في الاسر الصربي إعتقدت بان حتفي قادم لا محال. لكن إعجوبة وقعت وفكوا أسري. شملتني عملية تبادل للاسرى. بعد فك الاسر مكثت في الاراضي التي كانت تحت سيطرت القوات البوسنية. بسبب الاعاقة لا استطيع الحصول على عمل. أعيش وولدي على معونة تافهة. زوجتي هجرت العائلة. ها هي حياتنا اليوم".

 "نحن الان في.." مصنع مهجور للمواد الانشائية على مشارف سيريبرينيتسا. قبل عشر سنوات كان هذا المصنع معسكر اعتقال جماعي. آلاف الذكور مروا عبره، آلاف أخرى لم تر النور بعده... قصة سيريبرينيتسا المأساوية يغلفها الكثير من الغموض. لماذا إنسحبت قوات بوسنية تقدر بخمسة عشر الف مقاتل من المدينة في حين أن الصرب أعدوا للاقتحام عددا أقل بكثير؟ لماذا سمحت الكتيبة الهولندية بدخول قوات رادكو ملاديتش الى المدينة؟ هل جميع الضحايا قتلوا فعلا في عملية ابادة جماعية واحدة؟ أم أن بعضهم قتلوا في المعارك الكثيرة التي وقعت في البوسنة والهرسك؟ تساؤلات كثيرة، لكن محكمة جرائم الحرب في يوغسلافيا السابقة تبنت رواية "الجناية الصربية"..

و"على مدى عقود..." كيف تنظر النخبة السياسية في كل من الجمهورية الصربية وإتحاد البوسنة والهرسك للواقع على الارض في دولة يتحكم بمصيرها عمليا المجتمع الدولي من خلال مفوضه السامي.

قال نيبويشا رادمانوفيتش، ممثل صربيا في رئاسة البوسنة والهرسك:" لا أعتبر البوسنة والهرسك دولة مستقلة. نحن نؤمن فعلا بالمفاهيم الديمقراطية والمستقبل الاوروبي لبلادنا والمساواة بين جميع المكونات العرقية للبوسنة والهرسك. لكن الديمقراطية يجب ان تصبح ممارسة يومية لسكان البلد ولا تملى من خلال وصاية دولية. بالفعل نحن كنا بحاجة لمرحلة انتقالية بعد التوصل الى تفاهمات ديتون التي انهت الحرب، لكن الحياة مستمرة ولا بد من التغيير".

فيما قال مرساد كيبو، نائب رئيس اتحاد البوسنة والهرسك:" البوسنة والهرسك تركيبة فريدة. نحن نسعى الى بناء دولة مستقلة وذات سيادة. تفاهمات ديتون مرحلة هامة في ايقاف الحرب والشروع في بناء الدولة. بالطبع فان الحوار الداخلي المبني على المساواة بين مركبات المجتمع في بلدنا يعد ركنا اساسيا لضمان الامن والاستقرار في البوسنة والهرسك. نحن نؤمن بان مستقبل بلادنا مشرق".
ومن جهة اخرى قال فالنتين إنتسكو، المندوب السامي:" أعتقد أن المهمة الاساسية للبوسنة والهرسك اليوم هي اجراء اصلاح دستوري في البلاد. كما تعلمون فان روسيا مكونة من أكثر من مئة قومية، لكنها مع ذلك دولة دستورية. هنا تسكن ثلاث قوميات وثمة عشرون اقلية قومية. لكن القوانين الوضعية لا تضمن حقوقا متكافئة لهذه الاقليات. نحن بدورنا نساعد في بناء مؤسسات الدولة وسوف نغادر حال اكتمال عملية البناء".

المزيد في حلقة برنامج "في دائرة الضوء".

تعليمات استخدام خدمة التعليقات على صفحات موقع قناة "RT Arabic" (اضغط هنا)