مؤرخ اسرائيلي: مصطلح " الشعب اليهودي" غير صحيح على الاطلاق

انسخ الرابطhttps://arabic.rt.com/prg/telecast/46389/

يعتقد البروفيسور شلومو ساند استاذ التأريخ في جامعة تل ابيب  الذي استضافه برنامج "حديث اليوم" ان اطلاق مصطلح " الشعب اليهودي" على سكان اسرائيل غير صحيح لأن 25 بالمائة من ابناء البلاد هم من غير اليهود . وقال بصدد كتبه " الشعب اليهودي ورأء المرآة " الذي احدث ضجة لدى نشره ومعنى مصطلح " شعب "حسب رأيه :نعم، انني نشرت كتابي المعنون بما وراء المرآة في الشعب اليهودي.. نُشر في إسرائيل قبل عامين، وقد نفدت النسخ المطبوعة منه خلال تسعة عشر أسبوعا.
حَظِيَ الكتاب باهتمام كبير في إسرائيل، ربما لأنه ليس كتابا عاديا؛ إذ طَرَحَ أسئلة حول مسألة مهمة جدا.. هي وجود الشعب اليهودي.
لماذا أطرح الآن هذه القضية؟ الأمر بسيط: في عصرنا الحالي، كلمة "شعب" هي مصطلح يطلق على جَمْعٍ بشري لديه ثقافة مشتركة، مثلا يشترك في اللغة، وفي الموسيقى إن شئتم، في المسرح.. وكل الممارسات الثقافية التي توحد مجموعة بشرية.
دعنا نطبق هذا المصطلح فنقول مثلا: الشعب الفرنسي والشعب الروسي والشعب الفيتنامي والشعب الجزائري.. فنعبّر بذلك عن مجموعة تشترك في قاعدة ثقافية.
وحين نقول: الشعب اليهودي، نواجه مشكلة، فاليهود عبر التاريخ لا توحدهم ثقافة، فليست هنالك لغة مشتركة ولا ممارسة ثقافية بشكل يومي.. إذا ما استثنينا يهود أوروبا الشرقية الذين لديهم ثقافة (idich) ولكن لا يمكنكم إعطائي عنصرا يوحد اليهود إلا الدين.
وإذا كان الدين هو الأمر الوحيد الذي يوحد اليهود فلا بد من القول: إن الدين اليهودي موجود منذ زمن بعيد وكان مهما جدا أو الأكثر أهمية في العالم الغربي.. بل والعالم العربي كذلك، فلنقل إذن: الدين اليهودي. أما مصطلح "الشعب اليهودي" فإطلاقه الآن ليس صحيحا.
كلمة شعب كانت في العصور الوسطى تستخدم بشكل مختلف تماما عن استخدامها اليوم.
لدينا الشعب المسيحي ولدينا الشعب المسلم ولدينا شعب إسرائيل الشعب اليهودي. السؤال هو: هل بمقدوري اليوم استخدام هذا المصطلح بالطريقة ذاتها التي أستخدم بها عبارة "الشعب الإنكليزي" أو "الفرنسي"؟  لا أظن ذلك!
إذن، كتابي أُلِّفَ ليؤكد أن اليهود عبر العصور لم يكونوا شعبا، لم يكونوا مجموعة عرقية
  مع تحفظي على استخدام كلمة "إثني" لأنني أعتبرها غير واضحة. ولكن ليس مجموعة لها نفس الأصول. كل العالم يعرف أن اليهود منحدرون من أرض فلسطين منذ ألفي عام وشرعوا في الهجرة إلى أنحاء العالم. وصلوا إلى موسكو وقاموا بنصف دورة ثم عادوا إلى فلسطين. هذا هو التصوير القومي الصهيوني.. في هذه الفترة كانوا يبحثون عن حماية.
وبعد البحث، تأكد لي أن الرومان لم يهجروا اليهود في القرن الأول.. وهذا يطرح سؤالا:
إذا كان الرومان لم يهجروا اليهود فما الذي حدث للشعب في أرض فلسطين؟
هذا الطرح لا يقتصر على فلسطين وحدها، ما الذي يجعل شعبا ما، يترك وطنه إذا لم يكن قد هُجّر؟ والجواب عند ديفيد بن غوريون، الصهيوني الذي جاء إلى فلسطين عام 1905، واعتقد هو وباقي الصهاينة أن العرب هناك (لا أقول الفلسطينين لأنهم لم يكونوا فلسطينيين حينئذ)، العرب في فلسطين، اعتقد بن غوريون وغيره أن هؤلاء العرب كانوا أحفاد العبرانيين القدامى، اليهود القدامى. هل يمكن أن تتخيل أن هذا كان رأي بن غوريون مؤسس دولة إسرائيل.
كان ذلك في البداية، أما في عام 1947 فإن بن غوريون نفسه خلع ثوبه وقال إن الشعب اليهودي هُجّر ووُطّن العرب مكانه!
الصهاينة كانوا يظنون أن العرب في فلسطين هم أحفاد العبرانيين القدامى، ربما!
إذن هذا هو الأمر الأول؛ أن معظم الشعب الموجود هناك قد دخل الإسلام، ربما في القرن السابع الميلادي.. مع مجيء الفتوحات العربية..
هذا ما كان بن غوريون متأكدا منه عام 1919 م. قبل أن يغير رأيه بعد ذلك.
أما الأمر الثاني فهو: من أين جاء هؤلاء اليهود؟ أطروحة البحث كانت تقوم على أن أصول غالبية اليهود جاءت من التحول الشامل الذي استمر حتى القرن العاشر الميلادي تقريبا.. ليس فقط بشكل فردي أو أسري، بل مماليك بكاملها تهودت سواء الحميريون في اليمن، ـ واليمنيون يعرفون جيدا أن الحميريين تهودوا، أو البربر في شمال أفريقيا.والمقاومة الأخيرة البربرية ضد الفتوحات العربية، إذ كان الرعاة قد تحولوا  إلى يهود.. وكذلك القصة الكبرى لقازان التي كان المؤرخون العرب في القرنين الثامن والتاسع يكتبون عنها الكثير.
وفي كل مرة يجد مؤرخ عربي جانبا مهما عن ملوك قازان.
إذاً أطروحتنا ليست عن إسرائيل وإنما تنفي أن يكون هنالك شعب يهودي بالمعنى الحديث للمصطلح. ونقطة أخيرة حتى لا يحدث سوء فهم، عندما أنفي وجود شعب يهودي، يفهم ذلك على أنه انتقاص من الشعب اليهودي. أقول نعم، الصهاينة ومؤرخوهم يصورن أن الصهيونية هي التي أنشأت هناك شعبا إسرائيليا له لغة وثقافة ومسرح... ولكن الحقيقة أن الصهيونية أنشأت شعبين، لا شعبا يهوديا.. أنشأت شعبا فلسطينيا قاوم الاستعمار، كما أوجدت شعبا إسرائيليا متنوعا.

الهدف الأساسي من أبحاثي هو التاريخ المعاصر ولكن أرجو الانتباه، فكتابي ليس عن التاريخ القديم، كتابي فيه نقد للمناهج الصهيونية للتاريخ.
إذا طرحتَ سؤالا، عن زمن اكتشاف الشعب اليهودي، فسأقول: كان ذلك في القرن العاشر في أوروبا، بالمفهوم المعاصر لكلمة "شعب". أنا مؤرخ للقرنين التاسع عشر والعشرين.. والقرن التاسع عشر هو الذي أوجد هذه الصورة.. "صورة الشعب اليهودي". والذين اتهموني من المؤرخين الإسرائيليين يُفترض أنهم متخصصون في التاريخ المعاصر، بل وهنالك مؤرخون كبار في فرنسا من أمثال (موريس سارتر) الذي أرخ لليهودية، لا يوافقني في الكثير من النقاط، ومع ذلك قال: إن القاعدة سليمة.
الآن هنالك شيء أريد أن يعرفه المشاهد، وهو أن في إسرائيل قسمين للتاريخ: قسم للتاريخ العام، وقسم للتاريخ اليهودي.. والقسمان متمايزان تماما. قسم كهذا لا أعتقد أنه موجود في القاهرة ولا في لندن ولا موسكو.. أنشئ عام 1936 قبل قيام دولة إسرائيل.. لماذا.. لأنهم يعتقدون أن تاريخ الشعب اليهودي يختلف اختلافا كليا عن تاريخ بقية شعوب العالم. إذا ليس لديّ الحق في الانشغال بالتاريخ اليهودي لأنه قسم مختلف!!
أنا أستاذ للتاريخ، وكتبت ما كتبت بصفتي أستاذا للتاريخ وبصفتي مواطنا إسرائيليا كذلك.. حين يتهمني سياسي.. للأسف، ليست لدي القدرة لأكون سياسيا محضا، أنا أتعاطى السياسة، ولدي أجندة سياسية مثلما لديّ أجندة أخلاقية. لا أظن أن هنالك مؤرخين من دون أجندات آيديولوجية.
التاريخ ليس رياضيات، إذا كان المؤرخون الآخرون صهاينة، فأنا لست صهيونيا، أعرف الآثار العامة للصهيونية، وأرى أن على إسرائيل أن تتجنب الصهونية لكي تحافظ على وجودها وتعيش مع العرب والمسلمين في المستقبل.
وقال شلومو  ساند حول تشكيلة الشعب الاسرائيلي اليوم :نار الكتاب المقدس التي يؤججها نتانياهو؛ بتعريفه دولة إسرائيل بأنها دولة اليهود.. تشكل كارثة؛ لأننا لا يمكن أن نكون في ذات الوقت دولة ديمقراطية ودولة يهودية!..انا  لا أتكلم عن منطقة التمييز العنصري.. لا أتكلم عن المستوطنات.. فتلك مشكلة أرجو أن يعالجها أوباما.. ولكن، أتكلم عن تشكيلة هذه الدولة.. عليكم الاعتراف بإسرائيل الدولة.. هذه ضرورة ملحة، وإلا فستكون هنالك مأساة.

ان خمسة وعشرين في المئة (25%) من المواطنين الذين لديهم بطاقات هوية إسرائيلية ليسوا من ذوي الأصول اليهودية.. عشرون في المئة (20%) من فلسطينيي إسرائيل، وخمسة في المئة (5%) من المهاجرين، وخصوصا الروسيات والروس الذين أتوا أزواجهم وزوجاتهم و دون أن يكون يهودا.. بمعنى أن خمسة وعشرين في المئة(25%) ليسوا يهودا..ودولةٌ، ربع سكانها من غير اليهود، لا يمكن أن تكون ديمقراطية ويهودية في الآن نفسه.

وقال شلومو ساند ايضا حول احتمال وجود سلام في ارض فلسطين التأريخية:لا، لا، أنا عدو الجنون، تعرفون أن هذا الكتاب أُلّف ضد العنصرية اليهودية، ولكنني أيضا ضد عنصرية العرب والمسلمين. أنا لست يمينيا..
حين تكون مع المساواة بين العرب وإسرائيل تكون  يساريا.. هذا هو النقد.. كن في اليسار أو في اليمين في إسرائيل، ولكن كن أنا مع السلام والديمقراطية والمساواة بين جميع المواطنين. ولذلك أحسب على اليسار، لا على اليمين.
أفيغدور ليبرمان، الذي قدِم من مولدافيا ويشغَل الآن منصب وزير الخاريجية، هو على النقيض مني تماما. أنا وليبرمان متفقان حول أعراض المرض، ولكننا مختلفان تماما في العلاج؛ كِلانا يعتقد أن طريقة عيشنا مع العرب الإسرائيليين يجب أن تتغير وإلا فسيحدث انفجار.. لكن ليبرمان يرى القضاء على العرب، وأنا أرى أن نُكوّن دولةَ إسرائيل الديمقراطية، لا دولةَ اليهود.
وبخصوص الانتماء الى اليمين في اسرائيل قال: أن تكون في اليمين في إسرائيل.. يعني أن تكون قوميا عنصريا.. أن تكون يهوديا متطرفا.اليمين الصهيوني غير محبوب، لا في إسرائيل ولا في باريس.. وأتصور أنه كذلك في موسكو.. ولا أعرف إذا كان في دبي يمين صهيوني.
حاليا: هنالك مسلمون راديكاليون قد لا يحبون كتابي، مثلا في المغرب، دعيت، وكان هنالك أشخاص أعجبهم الكتاب لنظرتي فيه إلى المساواة.. لكن هنالك من قال: لماذا كتبت هذا الفصل عن الكتاب المقدس. إذن، هنالك يمين إسلامي قد لا يحب كتابي.. بمعنى متطرفين إسلاميين.. ربما!
الكتاب سيترجم إلى العربية، وهذا أمر مهم بالنسبة لي..
فبعد شهرين فقط من صدور الكتاب، تلقيت مكالمة من دار نشر صغيرة في رام الله، تطلب السماح بترجمة الكتاب إلى العربية، وعندما عرفت أن محمود درويش هو ضمن إدارة هذه الدار الثقافية، وافقت على الترجمة.. ف ترجم الكتاب إلى العربية، ولكن تلامذتي العرب قالوا إنها ترجمة سيئة، ولذلك أعددنا ترجمة ستنتهي قريبا وأرجو أن تصدر النسخة العربية للكتاب في هذا الشهر. وقد كنت قبل ثلاثة أشهر في بروكسل فقالت لي ليلى الشهيد.. هل تعرفها؟

وحول ترجمة كتابه وعلاقة ليلى الشهيد بالأمر قال: قالت لي ـ ولم أكن أعلم ـ ان محمود درويش هو صاحب المبادرة بترجمة الكتاب بعد أن قرأ عنه في الصحف الإسرائيلية.. وقد اتصل بليلى الشهيد وقال لها إنه فخور بي.. أريد أن أخبركم بأننا عندما كنا في ريعان الشباب، كنت أحاول قرض الشعر، ولكني لم أنجح كثيرا في ذلك.. لقد كنت أحد أصدقائه المقربين.

واجاب عن سؤال حول الجهة التي ستنشر الكتاب بالعربية:
أولا: أظن أن لديّ عروضا من لبنان ومن القاهرة، لترجمة الكتاب. ولكن، يهمني جدا أن ينشر في فلسطين، لا خارجها.
أما ردود الأفعال، فلا يمكن أن أعرفها الآن، أتمنى أن لا يحب العرب كتابي لأسباب غير صحيحة، هذا الكتاب ليس ضد إسرائيل، وليس كتابا صهيونيا ولا عنصريا.. ولكن لا أعرف كيف سيكون تقبلهم له، أتمنى أمرا واحدا، وهو: أن يؤدي كتابي في العالم العربي إلى إصدار كتاب عن التاريخ العربي بشكل مشابه؛ بمعنى أن هناك نوعا من توظيف التاريخ بشكل تقليدي متزمت، حول أصول العرب وأصول الإسلام.

وحول علاقته بالشاعر محمود درويش قال شلومو ساند: تعرف، بعد حرب سبعة وستين، دخلت إلى القدس، وقاتلت فيها.. ثم زرت درويش في بيته في حيفا، لأنام عنده.. جرت بيننا مناقشة، وكنت متشائما. وفي الصباح، أيقظني، وقال لي: شلومو، لقد كتبت شعرا حول ما دار بيننا، والقصيدة بعوان: جندي يحلم بالزنابق البيضاء.
وفي عام ثمانية وستين، طالبنا بتحويل هذه القصيدة إلى مسرحية؛ لأنها تتحدث عن جندي إسرائلي.. لقد كتب قصيدة جميلة عن جندي إسرائلي.
تَخيّلْ! في عام ثمانية وستين تُكتب قصيدة عن جندي إسرائيلي، كان هذا ضربا من الخيال.. هو وماجدة الرومي.. موجود في اليوتيوب.. هل تعرفونها؟ سؤال غنت هذه القصيدة عن الجندي الذي يحلم بالزنابق البيضاء، وقد رأيتها تغني.. طبعا لم تذكر أن الجندي إسرائيلي..
غنت القصيدة أمام مبارك وكل قيادات أركان الجيش المصري. أغنية سلام..
أغنية تفاهم.
نحن بحاجة إلى تقارب بين الشعوب. وهكذا نحن بحاجة إلى السلام.

تعليمات استخدام خدمة التعليقات على صفحات موقع قناة "RT Arabic" (اضغط هنا)