الرئيس الاول لتتارستان: ليس لأحد الحق في إملاء اساليب الحياة علينا وعلى المسلمين في البلاد العربية

انسخ الرابطhttps://arabic.rt.com/prg/telecast/44577/

تولى السلطة في اصعب المراحل، وتمكن من النهوض بتتارستان، على الرغم من الصعوبات التي كانت تواجهه، حتى انه اصبح رمزا يحتذى به بالنسبة للعديد من زعماء جمهوريات روسيا الاتحادية .. انه الرئيس الاول لجمهورية تتارستان منتمير شايمييف، ضيف هذه الحلقة من برنامج "اصحاب القرار".

س- خلال فترة عشرين عاما من الرئاسة، هل لكم ان تصفوا لنا المراحل الصعبة والحرجة التي مررتم بها ؟

ج - كما تعرفون كان هناك وقتئذ تضخم جامح بلغ زهاء 1000% خلال سنة أو أكثر. ولم يكن الناس يمتلكون أموالا... وأولئك الذين أضحوا أصحاب مليارات اليوم، كانوا حينذاك شبابا يعرفون كيف ستسير الأمور، كما تشكلت لديهم خبرة عالمية في هذا المجال، واشترى هؤلاء ممتلكاتهم الحالية في ظروف ذلك التضخم الكبير. هذا الكلام لا ينطبق (مع ) ما حدث في جمهوريتنا. نحن أصدرنا سندات اسمية للمواطنين ذات قيمة وحظرنا التصرف فيها بعد أن فتحنا حسابا مصرفيا لكل مواطن، وكانت هذه السندات بمثابة ودائع خاصة بهم. كما قلنا لهم إنه سيكون بإمكانهم التصرف بأموالهم بعد تراجع التضخم إلى مقادير معقولة، وليس قبل ذلك الحين. وإذا حدث عكس ذلك فهناك سماسرة سيشترون سنداتكم. أحيانا يدهشني أننا استطعنا ابتكار ذلك، علما بأنه لم يكن تفكير السوق شائعا حينذاك، وذلك بسبب تخرجنا جميعا من نظام الاقتصاد الموجه. بهذا تمكنّا من الحفاظ على ممتلكاتنا داخل الجمهورية، وبعد ذلك أسس أبناء جمهورية تتارستان شركات فيها. والكلام نفسه ينطبق على موضوع الأراضي. توجد حاليا أراض خاصة كثيرة، فهناك أكثر من مليوني هكتار من الأراضي يملكها أبناء الجمهورية وهم أصحاب شركات كبرى. لماذا أقول هذا الكلام؟ المغزى أنه إذا ولد الإنسان في هذه الأرض وكذلك أجداده وآباء أجداده ولدوا فيها، لا يجوز أن يتنكر لها. ويثبت الواقع صحة هذا الكلام. فهؤلاء الناس يعملون بمردود جيد جدا. في ذلك الوقت استطعنا الاحتفاظ بالسلام والوفاق في جمهوريتنا رغم مرورها في مرحلة سياسية معقدة، وقد أجرينا استفتاءات تلبية لمطالب الشعب. نحن لم نختر نوابا إلى الدورة الأولى من مجلس الدوما. كما لم نوفد ممثلين إلى الغرفة العليا( في ) من البرلمان، لدرجة كان من الممكن أن يتساءل المرء في يوم من الأيام أين توجد تتارستان إذا لم تكن ممثلة في هيئات الدولة... قد لا توجد فيها أجهزة سلطة وكان لا بد من الرد على هذه التساؤل (التساؤلات)... في الواقع لم نشارك في الحملات الانتخابية العامة قبل توقيع المعاهدة مع السلطة المركزية عام ألف وتسعمئة وأربعة وتسعين، الأمر الذي أزال كل التساؤلات. ثم أجرينا الانتخابات فدخل نوابنا مجلس الدوما ومجلس الاتحاد. برهن مسار الأحداث صحة الطريق الذي سلكناه، على عكس ما حدث مثلا في الشيشان، حيث كان الوضع مضطربا ولا يزال مضطربا إلى حد ما حتى يومنا هذا، وكأننا جربنا مدى صلابة العلاقات بين قوميات وديانات الجمهورية وتأكدنا من وجود رصيد كاف لمتانة هذه العلاقات، الأمر الذي يمكننا من القيام بعملية البناء، وهذه كانت من أصعب المراحل.

س - حزتم على جائزة الملك فيصل لخدمة الاسلام والمسلمين، وهي من اهم الجوائز الاسلامية والعربية .. ماذا تعني لكم هذه الجائزة ؟

ج - يجب أن أقول لك إنني فوجئت بها تماما. قمت بأداء عملي من الصميم ووفقا لمتطلبات العصر ولكن في النتيجة تم تقدير مساهمتي ومساهمة تتارستان تقديرا عاليا لهذه الدرجة. وانا أشكر  العاهل السعودي على ذلك ومؤسسي هذه الجائزة وكل من دعم ترشيحي. في الحقيقة عندما بدأت حملة اعادة البناء ثُبت (ثبّت) في قائمة الصلاحيات حق جمهورية تتارستان في إقامة تعاون اقتصادي وثقافي مع اي دولة. ولا يزال هذا الحق قائما حتى الآن. لأسباب جغرافية أقيمت صلاتنا الاولى مع بلدان اوروبا وامريكا وكندا. ثم تبنينا علاقات وثيقة مع تركيا اذ اخذنا بعين الاعتبار علاقاتنا الودية ثم بدأنا بالخروج الى العالم العربي. قبل كل شىء اريد ان اشكر قادة كل الدول العربية على موقفهم الطيب تجاهنا وهذا الشىء واضح جدا بالنسبة لنا كمسلمين نقطن في منطقة تعد من أقاصي الشمال. والعرب تجاوبوا معنا لرغبتهم في معرفة ما يجري لدينا وباي طريقة من الممكن ان يقدموا لنا مساعدتهم الامر الذي ألهمنا كثيرا. وبعد اعادة الحقوق الدستورية للمواطنين في الانتماء إلى دينهم الأصلي تمكن اهالي الجمهورية من العودة إلى مرجعيتهم وقد اقتنعنا، ليس عبر الكلام او العلم او مذاهب فلسفية فقط ، اقتنعنا بان الإيمان شىء أزلي لا يمكن القضاء عليه. وقد بدأت نهضة الدين بشكل سريع بعد الحقبة السوفيتية التي كانت دولة الإلحاد أساسا لها. وذلك يدل على استحالة قهر المفاهيم الدينية الراسخة في عقول الناس عن طريق اساليب تعتمد على القوة. علينا ان نستخلص درسا مفيدا من هذا الواقع.

قد أذكر في مذكرياتي اننا قطعنا هذا الطريق قبل البدء بإعادة البناء كان هناك ثلاثة وعشرون مسجدا في تتارستان والآن وصل عددها الى ما يقارب الفا وثلاثمئة مسجد. يبنيها الناس تطوعا كما يدرس الاطفال الدين الاسلامي بكل رغبة في مدارس خاصة تفتح ايام العطلة. ولا يمكن ان يؤدي ذلك إلا إلى نتائج حسنة. علينا ان نفهم الواقع... الناس كانوا ينتظرون بفارغ  الصبر حلول هذا الوقت بعد مرور ثمانين عاما من الحياة في ظروف المجتمع الملحد. كل ذلك دفعنا اكثر الى ايجاد مزيد من التفاهم مع العالم العربي. كما شعرنا باهتمام حقيقي بامورنا من العربية السعودية والكويت والامارات المتحدة وإيران ايضا. هذا وبدأ وزراء الشؤون الدينية في هذه البلدان بزياراتهم الى جمهوريتنا ما ادى الى ترسيخ علاقاتنا مع هذه الدول والآن لدينا علاقات على مستوى البنك الاسلامي الخ..

 س- لقد تنحيتم عن السلطة افساحا في المجال للجيل الجديد، هل هذا يعني انكم ستعتزلون السياسة ؟

ج -  عندما اعلنت عن رغبتي في التنحي عن السلطة وأستقيل من منصبي استشرت الرئيس الروسي ورئيس وزرائه اكثر من مرة وقد طلبا مني عدم الابتعاد تماما وعدم قطع كل الصلات دفعة واحدة. وقد يعود سبب ذلك الى مدة رئاستي الطويلة جدا والى سمعتي وسمعة جمهوريتنا. ومع ذلك الوقت يجري. في الحقيقة انا قررت التنحي عن السلطة منذ خمس سنوات ولكن فلاديمير بوتين رئيس روسيا آنذاك اقنعني بالبقاء في منصبي وطلب مني مواصلة العمل واتفقنا على ذلك معه. انا ألمس شعور الناس تجاهي. وذلك ليس اوهاما ولكي استطيع تقديم المساعدة لرئيسنا الجديد لن ابتعد ابتعادا كاملا، سأبقى قريبا. كانت هناك اقتراحات عديدة متعلقة ببقائي على الصعيد السياسي ومنها بعض المقترحات الخاصة بانتقالي من تتارستان. هذه الاقتراحات لا يمكن ان أقبلها على الاطلاق. قد اقترحوا علي العمل في موسكو وانا شاب. ولكن ذلك يتناقض  مع طبيعتي. انني اعرف طبعي واعرف أين تكمن سعادتي والانسجام الروحي الداخلي لدي. وإن حدث عكس ذلك، فكثير من الامور قد تفقد قيمتها بالنسبة إلي. لذلك كان جوابي: لا... سأبقى في تتارستان وساحاول ان ابقى مفيدا.
 
 اتخذ مجلس الدولة في تتارستان مؤخرا قانونا حول تسمية مستشار للدولة في الجمهورية وعلى هذا المستشار ان يتعامل مع رئيس الجمهورية والسلطة التشريعية والمؤسسات الاجتماعية. وبعد سن هذا القانون وعدتهم بانني لن اتردد على الهيئات القيادية لتوبيخ العاملين فيها. لانه ذلك يعني افراطا في النقد وهذا يعني أنني لم اعمل جيدا خلال رئاستي، لأن رئيس الجمهورية الحالي كان نائبا لي. برأيي سأقوم باعمال تستفيد منها الجمهورية ومنها اعمال خيرية. وقد قلت لهم بدقة إنني اريد ان أعالج مواضيع الآثار التاريخية والآثار المعمارية. أظن اننا سنجد وقتا كافيا في فصل الصيف لزيارة أماكن رائعة على امتداد ضفاف نهر الفولغا، حيث تقع مناطق سياحية متميزة يتردد عليها سياح من مختلف بلدان العالم، ويمكن تقديمها كبطاقة تعريف لتتارستان وفي تلك الاماكن يمكن ان نرى آثارا اسلامية ومسيحية بالقرب من بعضها. الأمر الذي يشكل رسالة طيبة للجيل الحالي والأجيال القادمة. في الحقيقة لا تكفي توظيفاتنا وتوظيفات السلطة المركزية لإيقاف تدهور حالة تلك الآثار القديمة. مؤخرا اتفقت مع القيادة المركزية على تخصيص مبالغ اضافية لإعادة إحياء آثارنا. قد يسألني أحدهم: لماذا لم أقم بذلك وانا رئيس الجمهورية. فأجيبه: لم يكن هناك وقت لذلك العمل آنذاك. عندما يتسرب الماء من سقف منزلك (ولا ) يتوفر الخبز لإطعام أهلك، عليك في بداية الأمر ان تلبي حاجاتك الاولية ثم يأتي وقت الأعمال الأخرى.

س - سيادة الرئيس، حققتم نهضة في اعادة احياء التقاليد التتارية والاسلامية، وتمكنتم من نسج علاقات مميزة مع الدول العربية والاسلامية .. هل كانت السلطة المركزية في موسكو تدعمكم في هذا المجال؟

يجب ان اقول لك انه يوجد هناك اساس معين لعدم التخلي عن هذه العلاقات. اثناء الحقبة السوفيتية كانت هناك علاقات وطيدة بين الاتحاد السوفيتي والبلدان العربية. بالطبع كانت تلك العلاقات مبنية على مستوى الدولة ولم تكن مرتبطة بالدين. حيث كانت هناك اهداف ومنطلقات أخرى. ومع ذلك سجلت تلك العلاقات نتائج مفيدة وايجابية كثيرة انعكست على الوضع الحالي. هذا ولا يمكن إهمال واقع وجود عشرين مليون مسلم في بلد يصل عدد سكانه الى مئة واربعين مليون مواطن. اعتقد ان هذا الموقف عقلاني. إنني ألاحظ وجود تيار معين يتقدم من الجهتين، من جهة واحدة توجد أعراف وتقاليد وقوانين إسلامية لا بد من احترامها وانا قلت دائما إنه ليس لأحد الحق في إملاء اساليب الحياة علينا وعلى المسلمين في البلاد العربية، إن هذه التقاليد لم يضعها احد من الراغبين في فرض ذلك التغيير، إن هذه الأراضي يعيش فيها البشر منذ مئات السنين، وهم معجبون بنمط حياتهم. والعالم المعاصر عالم مفتوح وهم منخرطون فيه ويحق لهم اختيار طريقة حياتهم، ولا يجوز لأحد التدخل في شؤونهم وعلينا ان ننطلق من هذا الحكم.

تعليمات استخدام خدمة التعليقات على صفحات موقع قناة "RT Arabic" (اضغط هنا)