صفحات من حرب منسية

انسخ الرابطhttps://arabic.rt.com/prg/telecast/43862/

مر 70 عاما على حرب الشتاء بين الاتحاد السوفيتي وفنلندا... وبالرغم من ان البلدين الجارين دفعا عشرات الالاف من القتلى والجرحى والمفقودين ثمنا لها، الا انها بقت على مدى عقود من الزمن منسية وطغت عليها وقائع الحرب الوطنية العظمى. ذلك ان ثمن تلك الحرب بلغ عشرات الملايين.

مر  70 عاما على حرب الشتاء بين الاتحاد السوفيتي وفنلندا.. . وبالرغم من ان البلدين الجارين دفعا عشرات الالاف من القتلى والجرحى والمفقودين ثمنا لها، الا انها بقت على مدى عقود من الزمن منسية وطغت عليها وقائع الحرب الوطنية العظمى. ذلك ان ثمن تلك الحرب بلغ عشرات الملايين.ومع ذلك فان الحرب المنسية بين الاتحاد السوفيتي وفنلندا شهدت صفحات من المآثر البطولية والتضحيات.
في تلك الحرب سطع نجم الماريشال كارل مانرهيم الجنرال السابق في الجيش القيصري الروسي الذي عين قائدا عاما للقوات المسلحة الفنلندية. وعمل كارل مانرهيم على مدى سنوات في بناء تحصينات دفاعية متينة في البرزخ الكاريلي، الا انه كان يريد حلا سلميا للخلافات مع الاتحاد السوفيتي.
بيد أن الائتلاف البرلماني اليميني للحكومة الفنلندية آنذاك رفض مبدأ تبادل الاراضي بين فنلندا والاتحاد السوفيتي. وجرت منذ عام 1938 في موسكو جولات من المفاوضات حول هذا التبادل. لكن الوفد الفنلندي انسحب من هذه المفاوضات في نهاية خريف عام 1939.
أما البرلمان الفنلندي فصوت ضد استمرار المفاوضات مع الاتحاد السوفيتي حول تبادل الاراضي. كان ذلك بمثابة بداية العد التنازلي لاندلاع حرب الشتاء.
واليوم لا ينحى الفنلنديون باللائمة على الاتحاد السوفيتي السابق ولا على وريثته روسيا، لكنهم يلومون القيادة الستالينية التي يتهمونها باشعال فتيل تلك الحرب.
ويقول إركي لانتيلا المحارب القديم الفنلندي: "لم تكن الحرب خيارنا. فجأة سمعنا بأن الاتحاد السوفيتي أعلن الحرب ضد فنلندا متذرعا بحادثة اطلاق النار على الحدود بالقرب من بلدة مانيلا. وكان السوفيت بحاجة الى ذريعة لشن الحرب. آنذاك دافعنا عن استقلال فنلندا. اما اليوم فان العلاقات مع الجارة روسيا طبيعية ولا حاجة لاعادة كتابة هذه الصفحة المؤلمة في تاريخ العلاقات بين البلدين".
من جانبه يقول اليكسي إيساييف أستاذ التأريخ في جامعة موسكو: "بعد الحرب مباشرة شخص جوزيف ستالين نفسه اسباب هذه الحرب في اجتماع مع القيادة العسكرية العليا. في ذلك الاجتماع قال الزعيم السوفيتي ان تلك الحرب كانت ضرورية لابعاد الحدود السوفيتية ـ الفنلندية عن مدينة لينينغراد (بطرسبورغ حاليا) حيث كان يتركز 30% من الصناعات العسكرية السوفيتية. وكان ستالين يخشى من قيام تحالف بين المانيا النازية وفنلندا وانخراط الاخيرة في حرب ضد الاتحاد السوفيتي. في هذه الحالة ستصبح لينينغراد مدينة ساقطة من الناحية العسكرية. هذه الحقيقة دفعت القيادة السوفيتية الى طرح اقتراح تبادل الاراضي واستئجار قاعدة هانكو البحرية الفنلندية في مدينة هانكو على بحر البلطيق. بالمقابل طلب الاتحاد السوفيتي مساحة اكبر من اراضي اقليم كاريليا".
أما الفنلنديون فيعتبرون حرب الشتاء  دفاعا عن استقلال بلادهم وحفاظا على الهوية الوطنية التي يعتقدون انها كانت ستمسخ في حال ضم بلادهم الى الاتحاد السوفيتي.
وبالرغم من توقيع اتفاقية عدم الاعتداء بين الاتحاد السوفيتي والمانيا، الا ان موسكو كانت واثقة بان هتلر يعد العدة  لمهاجمتها بعد تركيع بقية اوروبا. وكان ستالين في سباق مع الزمن، لذا سعى الى اقامة طوق امني حول اراضي الاتحاد السوفيتي من الدول المجاورة او بعض اراضيها. فكانت حرب الشتاء مع فنلندا لحماية ثاني المدن السوفيتية لينينغراد من اي عدوان محتمل. في يوم 30 نوفمبر/ تشرين الثاني  هاجمت الجيوش السوفيتية التحصينات الفنلندية على امتداد الحدود بين البلدين التي تزيد على 1200 كيلومتر. لكن المعارك الاشد ضراوة وقعت في البرزخ الكاريلي على امتداد خط تحصينات مانرهيم.
وأصبح خط التحصينات الدفاعية الفنلندية الممتد على 40 كيلومترا عن مدينة فيبورغ معروفا باسم خط مانرهيم.
ولكن هذه التحصينات وظروف الطقس القاسية للغاية لم تمنع الجيش الاحمر السوفيتي من مهاجمة القوات الفنلندية التي تحصنت على امتداد خط مانرهيم في مخابئ واوكار نارية عالية المتانة. وساعدت هذه التحصينات الفنلنديين على الصمود أكثر مما كانت القيادة العسكرية السوفيتية تتوقع.
ويقول مارتي تورتولا، بروفيسور في جامعة الدفاع الوطني الفنلندية: "الجيش الفنلندي كان سيء التجهيز والتدريب. وكان معظم أسلحته روسي الصنع ويعود الى فترة ما قبل الحرب العالمية الاولى. لم تكن في حوزته دبابات أو طائرات. اما الاستراتيجية الدفاعية الفنلندية فلم تتضمن خوض الحرب في فصل الشتاء. وصمد الفنلنديون لبعض الوقت بفضل خط التحصينات الذي أطلق عليه اثناء الحرب خط "مانرهيم" وهو عبارة عن مخابئ واوكار لاطلاق النار من الخرسانة المسلحة وخنادق متشعبة وعراقيل طبيعية كالصخور التي وضعت أمام الطرق المحتملة لتقدم الاليات السوفيتية. خط "مانرهيم" لم يكن معجزة عسكرية، بل خطا نفسيا لتحفيز الجيش على الصمود. لكن التفوق العسكري السوفيتي حسم المعركة في نهاية المطاف".
انتهت حرب الشتاء يوم 13 مارس/آذار من عام 1940، لكن السلام بين فنلندا والاتحاد السوفيتي لم يدم طويلا. وتحالف الفنلنديون مع المانيا النازية وحاولوا استغلال العدوان الهتلري على الاتحاد السوفيتي ليس فقط لاسترجاع الاراضي المفقودة، بل لاقتطاع اراض من اقليم كاريليا السوفيتي. لكن هذه المشاريع فشلت، واضطرت فنلندا للخروج من الحرب.
ولم يتحقق السلام النهائي بين فنلندا والاتحاد السوفيتي الا بعد توقيع معاهدة باريس في عام 1947. وحتى ذلك الحين دأب الفنلنديون على اقامة المزيد من التحصينات الدفاعية، ولكن وراء الحدود الجديدة بين البلدين.
بالرغم من أن حرب الشتاء تكاد تكون منسية الا ان المقابر الجماعية والنصب التذكارية ما زالت شاهدا على مآثر ابطالها.
وما زال سجال تلك الحرب عالقا في ذاكرة المشاركين فيها رغم ان من بقي منهم على قيد الحياة حتى هذا اليوم صاروا في ارذل العمر . وقلما يوجد احد منهم دون سن التسعين.

كما يمكنكم الإطلاع على المزيد من التفاصيل حول حرب الشتاء بين الاتحاد السوفيتي وفنلندا في موقعنا

تعليمات استخدام خدمة التعليقات على صفحات موقع قناة "RT Arabic" (اضغط هنا)