أفغانسـتان .. تـاريخ من الحروب بانتظار السلام

انسخ الرابطhttps://arabic.rt.com/prg/telecast/42541/

الحلقة الجديدة من برنامج"حديث اليوم" تتناول  الموضوع الافغاني ، وبالتحديد  طبيعة حركة طالبان وقياداتها الرئيسية . ولهذا الغرض استضاف البرنامج العقيد الباكستاني المتقاعد أمير سلطان تارر المعروف باسم العقيد "إمام" الذي سبق وان قام بتدريب العديد من قادة طالبان الحاليين  . واليكم النص الكامل للمقابلة:

س - انت قائد عسكري لك تاريخ كبير في فهم افغانستان ، كيف تصف لنا الوضع الراهن في افغانستان مقارنة بما عاصرته انت شخصياً في افغانستان في الماضي؟ 

ج - هذا سؤال جيد ، أولا أود أن انتهز هذه الفرصة لأبعث بتحياتي المتواضعة لأخر جنرال سوفيتي رحل عن أفغانستان ، فعندما قرر رئيس الاتحاد السوفيتي أنذاك الرحيل ، رحل هذا الجنرال بكل شجاعة كبيرة، وكان آخر جندي سوفيتي يعبر نهر أرمي . الجيش السوفيتي في أفغانستان كان له سلوك ممتاز. أنا سمعت عن الجيش البريطاني ولكن جيش ليس له قيمة ، أما الحالة الراهنة التي يمر بها الجيش الأمريكي فالكل يعرف بأنهم يترددون قبل مواجهة الأفغان . ولكن الجيش السوفيتي  حارب بشكل جيد جدا في أفغانستان، وكان لهم سلوك ممتاز في الميدان. ولكن لم يستمعوا لنصيحتي التي أكررها لهم الآن: أدخروا طاقتكم ، فالأفغان شعب لا يهزم . ولكنهم  لم يصغوا لي ، وذاك الوقت أنا قلت لإحد الدبلوماسيين السوفيت هنا في إسلام آباد  هذه النصيحة ولكنه أجابني  بأن الجيش السوفيتي قادر على الوصول إلى أي مكان ، وعندها نظرت إلى أسفل وأجبته : نعم سعادتك على حق أنا رأيتهم كيف يحاربون ويقاتلون ، ولكن الأماكن التي لا يصلها السوفيت قد يصلها الأفغان. وقال لي أنا لا أصدقك ، وأجبته ستصدقنيز والآن ماذا  يجري في أفغانستان ، هي دولة كما وصفها المؤرخون " هي مقبرة للغزاة " وعلى مدى ثلاثة آلاف عام مضت قدمت امبراطوريات عديدة وقوى عظمى كالآريين والمغول  والأوزبك كلهم خرجوا مهزومين. ولكن هذه الجيوش التي كانت قوية هزموا الأفغان مؤقتا ولكن الجبال كانت ملاذا للأفغان. فلم يخضغوا على الإطلاق . فالجيش البريطاني حاول غزو أفغانستان من الجانب الهندي ثلاث مرات لكنهم خرجوا مهزومين أيضا . وفي إحدى هذه المرات قُضي على الجيش بأكلمه ولم يتمكن سوى طبيب في الجيش من العودة.  فولاية هلمند الأفغانية هي شاهدة على هزيمة البريطانيين عندما قام الأمير أيوب خان أمير ولاية هيرات و جاء بجيوشه وقاتل البريطانيين وهزمهم في مقاطعة " هلمند".ز فالأفغان لا يكترثون بتقديم أي تضحية مقابل العيش بحرية، فلديهم الشجاعة الكبيرة على تحقيق ذلك وهذا ما نشهده اليوم في أفغانستان. ودعني أقول لك بأن السوفيت كانوا أقوى بكثير عسكريا من القوات الأمريكية . كانوا محاربين عظماء ، وفرقهم الخاصة كانت رائعة وقوية حقا . فعندما جاءوا إلى أرض الميدان لم يتمكن المجهادون من التعامل مع قوتهم. لأكثر من ستة أشهر  كانت أفغانستان تحت سيطرتهم الكاملة، لم ينجح الأفغان من التعامل ومواجهة فرقة " سبتناز السوفيتية ".  وبعدها تغيرت التكتيكات العسكرية ومن ثم بدأ المجاهدون في التعامل مع هذه القوة، ولكن أؤكد هنا بأن السوفيت قاتلوا بامتياز. ولكن إذ نظرنا إلى قوات الناتو وغيرها فهي قوة غير قادرة وليس لديها القدرة على المواجهة. ليست التكنولوجيا والمال هي العوامل التي تستخدم في الميدان وإنما هي الروح القتالية الممزوجة بالدافع الديني، الإيمان بالدفاع عن أرض الوطن ، الإيمان القوي بالقدرة على مكافحة القوات المحتلة، والإيمان الأكثر عظمة هو الدفاع عن دينه. وهذا شيئ قوي جدا لا أحد يستطيع أن يهزمه قط . إلى جانب ذلك فإنهم الآن مدربون ولديهم خبرة قتالية متراكمة على مدى ثلاثين عاما ، وأغلبيتهم ربما ثمانين في المائة منهم ولدوا أثناء الحرب، فكيف لك أن تهزمهم ؟ ناهيك عن التضاريس الصعبة والمعقدة التي تتميز بها أفغانستان ، وهي مناسبة أكثر للدفاع عن هذا البلد. وهذا ما يواجهه الأمريكان اليوم . ومن خلال الزيادة التي تقررت مؤخرا ربما يمكّنَهم ذلك من قتل الكثير وسيكون معظمهم من المدنيين وأقلهم من طالبان ولكن النهاية ستكون الرحيل .

س - انت تحجثت عن تاريخ القوات الاجنبية في افغانستان ، وانت من الذين قاموا بتدريب عدد كبير من القيادات الراهنة في حركة طالبان ، فكيف تنظر الى الاستراتيجية التي تتبعها حركة طالبان ازاء  عرض التفاوض الذي طرحته الولايات المتحدة للملا محمد عمر؟

ج - دعني أقل لك بأن الرجل من أكثر الشخصيات التي يمكن أن تتعامل معها بسلاسة. رجل يعمل لبلده ويرغب بأن يعم السلام أفغانستان.  دعني أقل لك بأنه من أكثر الشخصيات عقلانية ، لذلك فهو يتمتع باحترام معظم الشعب الأفغاني. ومع احترامي الشديد لكبار القيادة في الحركة فكلهم أبدوا بلاء حسنا في القتال ضد السوفيت ولكنهم لا يتمتعون بالكريزما  التي يتمتع بها الملا  محمد عمر المجاهد. لذا فهو اليوم أكبر القيادات في الحركة ويحظى باحترام الشعب الأفغاني. وأكيد قد يقدم على دراسة عرض التفاوض،  ولكن  هل يمكن أن يثق بالأمريكان ؟؟ لا !! فعلى الأمريكان أن يقدموا ما يثبت بأنهم أهل للثقة . ولكن إذا واصلوا سياسة الرشاوى والتي تعتبر أدنى أساليب التعامل  والاستمرار في القتال ، فان  العامة سيسخرون من استراتيجيتهم  سويقولون  عار عليهم  ان يقوموا  باتباع سياسة الرشاوى.  فمن جهة يحاولون هزيمة بعض المقاتلين ، ومن جهة أخرى يقومون برشى البعض الآخر . فهذه الاستراتيجية لن تنجح على الإطلاق، والمقاتلون  يرون في الأفق ان النصر قادم.

س - هل تعتقد ان اعتقال الملا عبد الغني برادر في كراتشي سيكون له تأثير على استراتيجية حركة طالبان في المرحلة المقبلة؟

ج -  لا .. لا .. ليس على الإطلاق ، هذه القيادة في طالبان تعتمد على الإيمان بروح الشهادة بأن محمد رسول الله " صلى الله عليه وسلم "،  فالقيادة تعتمد على ذلك ،فإيمانه في الله كبير . وماذا قد يحدث باعتقال برادار أو غيره ؟ دعني أقل لك بأن  الملا محمد  أحد القادة البارزين واُستشهد في أوائل تأسيس الحركة. آنذاك كان أكبر وأعظم بكثير من الملا عمر اليوم ، ولم يُحدث غيابه أي تغيير،  فقاموا بدفنه ومن ثم واصلوا القتال . وهناك أيضا قياديون آخرون من هيرات ومن مزار شريف ، وكلهم قياديون عظماء قتلوا واُستشهدوا ولكن لم يؤثر غيابهم على الأمور بل على العكس تضاعفت روح القتال والعمليات العسكرية، فإذا توفر لهم الدافع المقنع والنازع الديني إذاً فهذا قد يكون بالنسبة لهم رصيدا طيبا وشرفا.. أن يستشهدوا أو يُعتقلوا فهذا شرف لهم.

س - القوات الامريكية تقول ان عملية "مشترك" ستحقق نجاحات عسكرية في ولاية هلمند بمنطقة مرجا ، فهل تعتقد بان هذه العملية ستنجح في كسر شوكة حركة طالبان؟

ج - هناك عاملان أساسيان في المفهوم العسكري ، الأول هو أن تقوم بعملية عسكرية وأن تقوم بقذف العدو من بعيد  عبر القيام بقصف مكثف وتكثيف العمليات العسكرية وغيرها من هذا القبيل. فهم لا يستطيعون مواجهتنا على الإطلاق وبعدها يقومون بمغادرة المكان، فهذه ليست هزيمة ،  الهزيمة بالمفهوم العسكري هو تحقيق الاستسلام الكامل والقضاء على الخصم تماما . وهذا الهدف لن يتحقق على الأطلاق في أفغانستان، حتى لو قتلتهم  جميعا في مرجة ، فالأمريكان والناتو لديهم المقومات والموارد العسكرية لفعل ذلك  عبر استخدام القصف المكثف مثل القنابل العنقودية والقنابل الحرارية. فهم استخدموها من قبل . ولكن دعني أؤكد لك بأن ضعف العدد الذي قُتل سيأتي من جميع أنحاء العالم ومن أفغانستان للقتال . حتى المسلمين من روسيا قد يأتون لمساعدتهم هنا ، ومنهم الشيشان..الأوزبك ومنهم الطاجيك. كلهم سيأتون حتى دون موافقة حكوماتهم أو أسرهم، ولكنهم سيأتون وسيدافعون ، فليس لديهم مشكلة . أنا لا أعتقد بأن الأمريكان سيكونون قادرين على هزيمتهم، ولا حتى قوات الناتو ستكون قادرة على هزيمة المجاهدين وطالبان ، فليس لديهم الموارد والمقومات، فالأمريكان ليس لديهم الدافع لهزيمتهم . لديهم التكنولوجيا ولكن يفتقرون للدافع أو السبب لإلحاق الهزيمة بطالبان. لذا فلن يكسبوا الحرب . فالمجاهدون لديهم هذا الدافع العالي  القادر على هزيمة التكنولوجيا . ولكن في الوقت ذاته طالبان وبسبب محدودية الموارد فقد لا تكون قادرة على طرد الأمريكان من أراضيها ،ولكن يمكنهم أن يُرهقوهم ويستنزفوهم ، كما أرهقوا السوفيت في السابق وعندها أقدم الرئيس غورباتشوف على قرار حكيم بمغادرة المنطقة.  ولكن الأمريكان إن لم يتدخلوا بعدها لكان الوضع مختلفا اليوم ، فالأمريكان تدخلوا  عبر إهمالهم تماما للمنطقة وبعدها دعموا بعض المجرمين الذين بدأوا بالوقوف بوجه المجاهدين  الذين كان لهم الفضل بجعل أمريكا قوة عظمى  أحادية.  لذا وقعت المشكلة ، ولهذا الرئيس العظيم غورباتشوف مازال يشعر بالأسف ومازال يكتب ويقول إن فتنة الأمريكان هي التي خلقت مشكلة اليوم.

س - الحكومة الباكستانية تتحدث عن دور وساطة تقوم به للوصول الى قيادات طالبان لاقناعهم بالتفاوض مع الولايات المتحدة لايجاد " خروج مشرف" .. فهل تعتقد بان باكستان قادرة على ايجاد سبل لجلب طالبان الى طاولة المفاوضات؟

ج - لمَ لا ؟ فنحن الباكستانيون تربطنا علاقات وطيدة مع هذه الدولة مبنية على روابط دينية تاريخية وثقافية. ولكن يجب أن أقول لك  إن لم يقم الأمريكان بتغيير سياستهم  فحتى باكستان لن تنجح في وساطتها. يجب على الأمريكان أن تكون لديهم الشجاعة بأن يقروا بأنهم لن يحاربوا وأنهم سيشاركون في إعادة الإعمار لأنهم ألحقوا دمارا شاملا بالبلاد، وبعدها عليهم أن يمدوا يدهم إلى باكستان وإلى الأفغان، عندها قد يقبل الملا عمر بالتفاوض ، فهو رجل محب للسلام لا يريد استمرار الحرب، ولا يريد أن يُقتل شعبه .. ولكن  هو لن يستسلم .. فسيقاتل الأمريكان وأي معتد قد يأتي لأفغانستان حتى النهاية. فعلى الأمريكان أن يغيروا من سياستهم . فاستراتيجية الرشاوى القذرة هذه ومواصلة القتال من جهة أخرى ، استراتيجية العصا والجزرة ، لن تنجح  ولن تنطلي على الملا عمر . يجب عليهم أن يكونوا واضحين ومباشرين، فهو الرجل المعني. فإن تحدثت مع قيادات أخرى لن يتحقق أي تقدم. وفي حالة غياب الملا عمر " لا قدر الله "  فهناك قيادات أخرى يمكن أن تتفاوض، ولكن دعني أقل لك حقيقة: الأفضل لهم بأن يتفاوضوا مع هذا الرجل ، فبقاء الملا عمر أفضل بكثير من القيادات الأخرى. وإلا فهذه المنطقة قد تتحول إلى جحيم.


 
 
 
 

تعليمات استخدام خدمة التعليقات على صفحات موقع قناة "RT Arabic" (اضغط هنا)