الهجرة الكبرى

انسخ الرابطhttps://arabic.rt.com/prg/telecast/41594/

الحادي عشر من سبتمبر/ايلول سنة 1861. من رسالة أبناء 500 عائلة شركسية الى القيصر الروسي الكسندر الثاني:
يا صاحب الجلالة ، مرنا ونحن طوع البنان، مستعدون لتنفيذ اوامركم بحذافيرها. سنشق الطرق ونبني التحصينات والثكنات لقوات جلالتكم ونقسم بأننا سنعيش في ظلّكم بسلام ووئام ، ولكن لا تهجّرونا من ديارنا التي ولد وعاش فيها أباؤنا وأولادنا . من الآن فصاعدنا سندافع حتى الرمق الأخير عن هذه الأماكن على قدم المساواة مع قواتكم. فلا تهجرونا، لا تهجرونا!  تم تهجيرهم جميعا في نوفمبر/ تشرين الثاني 1861.

 المستوطنة الشركسية في عمان نشأت بمبادرة السلطان عبد الحميد لغرض انتزاع شرق الأردن من البدو الأعراب. وصلت اول مجموعة من المهاجرين او المهجرين في عام 1868. وتتكون من قرابة 50 عائلة من الشبسوغيين. وفي عام 1880 وصلت شرق الأردن موجتان من المهاجرين الشركس. حيث جاءت الى عمان مجموعة كبيرة من اقليم كاباردا (في القوقاز)، فيما نزلت مجموعة اخرى من البجدوغيين على مسافة ثمانية أميال غربي المدينة ، قرب منابع المياه العذبة  في يعديسيرا.  وبعد عامين تعززت المستوطنة العمانية بوصول مجموعة ثانية من الكاباردينيين. وفي عام 1901 وصل المزيد من الشركس من تركيا، وأسسوا بلدة نهور.

هاجر الشركس الى الأردن ومعهم خصائصهم  وامكانياتهم التقنية والثقافية الوفيرة. كانت لديهم بساتين صغيرة حول البيوت يزرعون فيها اشجار الفاكهة والخضروات والعدس والبزاليا والحمص. ويربون الأبقار ويشربون لبنها، خلافا للعرب آنذاك. وكانوا يستخدمون الثيران المخصية في حراثة التربة، ويربون الدواجن والأغنام والمعز والجياد.  
الشركس اطول قامة من العرب، بمنكبين عريضين وبشرة فاتحة اللون. الرجال يرتدون قبعات مرتفعة باتت فيما بعد من مستلزمات البزة العسكرية الموحدة للشرطة الفلسطينية. كما يرتدون قمصلة بياقة قائمة وسترة ً طويلة ممنطقة بحزام الخراطيش.  ولا يزال هذا الزي يستخدم حتى الآن في الحرس الملكي الأردني المكون من الشركس والذي يرافق الملك في المراسم الرسمية منذ عهد الأمير عبد الله.  وترتدي الشركسيات ثيابا طويلة فضفاضة . وهن لسن محجبات ، ويتمتعن بحرية اكثر من باقي المسلمات.  اثناء الإحتفالات يرقص الرجال والنساء سوية. الأمر الذي كان يثير حفيظة الأعراب ولا يحظى بالإستحسان لديهم.
 في النصف الثاني من القرن العشرين تحولت الجالية الشركسية بسرعة من اقلية اثنية فلاحية تقليدية الى عنصر مفصلي عصري متمدن في الأردن مكتسبة ً طابعا  عربيا او عروبيا. جميع الشركس الراشدين يتكلمون اللغتين العربية والشركسية،  فيما يتكلم الشباب المثقف بثلاث لغات، بالإنجليزية ايضا. والكثيرون منهم من خريجي جامعات لبنان ومصر وبريطانيا والولايات المتحدة. الا ان الجالية الشركسية في الوقت ذاته تحتفظ بتقاليد العائلة الإحادية القومية. فمع وجود حالات تزوج الشركس من عربيات ، الا انها تبقى استثناءً من القاعدة. ولا تزال الجالية تشجع الزواج الطائفي إن صح التعبير. فهو ظاهرة معتادة.
المهاجرون من القوقاز يحافظون على ثقافتهم الخصوصية بكل السبل. الأساليب التقليدية في تربية الأطفال، والعلاقات الإجتماعية التقليدية التي جاء بها الشركس من القوقاز لا تزال قائمة حتى اليوم. وحتى الآن يسري مفعول القواعد غير المدونة لآداب السلوك الشركسية "آديغيه خابزا" واصول الحياة المعيشية "بزنجا".

تعليمات استخدام خدمة التعليقات على صفحات موقع قناة "RT Arabic" (اضغط هنا)