أردن الأزل

انسخ الرابطhttps://arabic.rt.com/prg/telecast/40927/

تدهش الأردن عموما بمفارقاتها. من جهة، بيوت عصرية كالعلب المربعة. ومن جهة أخرى، بدو بملابس عربية تقليدية يقطعون مسافات شاسعة على الإبل وينصبون مضارب متناثرة في الصحارى المترامية الأطراف.
تنقل البدو في صحارى الأردن على امتداد قرون، وتنقلت معهم الأساطير. كان المسنون عند المساء يتحدثون قرب النيران، التي يحضرون العشاء عليها، عن جبل النبي الذي رأى موسى من عليه أرض الميعاد، وعن جبل هور حيث دفنوا هارون، وكانوا يتحدثون عن كنوز مختبئة وسط الأنقاض، وعن نهاية العالم المقبلة وعن المدينة الشبح وسط الشعاب. عن مدينة مخفية عن عيون الغرباء. كانت أسوارها وأعمدتها، حسب قول الرواة، حمراء، ونحتت على الألواح الحجرية علامات سرية، وفي مستودعات خفية دفنت، كما تشير كل الدلائل، كنوز لا يأكلها التراب.
لعلكم أيقنتم أن الحديث كان عن البتراء، سابع أعجوبة في العالم. بقيت هذه المدينة قرونا عديدة مختفية عن أعين الغرباء، ولم تكن موجودة إلا في الأساطير. "قديمة قدم العالم"،- هكذا يقولون عن البتراء ، رمز الأردن الرئيسي. ويتفق العلماء على أن عمر هذه المدينة لا يقل عن أربعة آلاف سنة! وقد بناها الأنباط الذين سكنوا سابقا في أراضي الأردن. واليوم لم يبق للأنباط أي أثر في البتراء. تقطن في المدينة قبيلة أخرى: البدو.إنهم هنا أدلاء وتجار وحمالون وفرسان.
من لم ير البتراء لم ير الأردن. "المدينة الوردية" النبطية القديمة تستحق الأساطير عنها. معبد يتراء الأول، الخزنة يتألق تحت الشمس بكل ألوان قوس القزح، ولكن اللون الوردي هو الغالب.  شيء أقرب إلى الخيال! ضريح الخزنة  نموذج للمهارة العظمى للمعماريين والنحاتين القدماء. يكفي التفكير في هذا اللغز المحير: بواسطة أية أساليب نحتوا الواجهة، وعلى أساس أية حسابات وأية مشاريع تمهيدية؟ ولكن لا توجد أجوبة، ويمكن وضع افتراضات فقط.
مدينة ومنطقة العقبة أعجوبة أردنية أخرى. ليست فيها إبداعات وناطحات سحاب وحماقات أخرى. هذا الشريط الأردني الساحلي المتواضع بمساحته والواقع على البحر الأحمر لم يعلن منطقة اقتصادية حرة إلا لتطوير معالمه الطبيعية: في هذا المكان الفريد توجد إيكولوجيا فريدة أيضا. هنا يمكن تذوق طعم الحياة الصحيحة. هل ثمة من حاجة إلى أن نضيف أن البحر في العقبة نقي بشكل عجيب وذو لون أزرق غامق، والسباحة فيه متعة نادرة؟
لكي تشعر بالبلد فعلا، ينبغي نسيان ناطحات السحاب العصرية ووسائل الراحة في الفنادق. ينبغي الانغماس في بيوت الناس البسطاء الأحادية الطابق. والخروج إلى شوارع المدينة والمشي حافيا على شاطئ البحر والصعود على كثبان الصحراء المترامية الأطراف والتوجه بأنظارك إلى السماء الزرقاء، وإلى أبعد من ذلك، إلى النجوم.
الأردن، أحد أكثر بلدان الشرق الأوسط هدوءا، يبقى في الذاكرة كمكان مشمس، وديع وغامض جدا. إمبراطوريات عظمى وحضارات جبارة أتت ومضت مخلفة أطلالا محتها الرمال بالتدريج. وبقيت الصحارى والناس الذين يجوبونها، الرحل الذين لا يوجد عندهم، شأن الله، مفهوم الزمن.

تعليمات استخدام خدمة التعليقات على صفحات موقع قناة "RT Arabic" (اضغط هنا)