زيارة مارغيلوف الأخيرة.. تحرك روسي لتعزيز العلاقات مع السودان

انسخ الرابطhttps://arabic.rt.com/prg/telecast/38592/

استضافت الحلقة الجديدة من برنامج "حديث اليوم" ميخائيل مارغيلوف رئيس لجنة العلاقات الدولية في مجلس الشيوخ الروسي ومبعوث الرئيس الروسي الخاص الى السودان. وتحدث مارغيلوف لمراسل قناة "روسيا اليوم" عن نتائج زيارته الأخيرة الى السودان وعن رؤيته لمستقبل العلاقات الروسية السودانية :

س- هل يمكننا أن نجمل نتائج زيارتكم الأخير الى السودان؟

 ج- ربما اهم نتيجة لهذه الزيارة هي امكانية الاطلاع على سير الامور ميدانيا. اننا نفضل الاستناد الى تقييمنا الخاص ومعالجاتنا قبل ان نخرج باستنتاجات ما حول ما يحدث في هذا الركن او ذاك من الكرة الارضية. وتدافع السياسة القومية الروسية عن مصالحنا الوطنية ولا تخدم مصلحة اية دولة. ويعد هذا الامر بديهيا. ويمكننا  ان نقول هنا في الخرطوم بكل صدق اننا اقتنعنا مرة اخرى بانه ليس بوسع اي احد غير السودانيين انفسهم حل مشاكلهم. ويمكننا مساعدتهم ومساندتهم وتهيئة الظروف ونقدم لهم خبراتنا . لكننا لا نمتلك اية وسيلة سحرية كما لا يمتلكها شركاؤنا في مجلس الامن الدولي لحل كافة المشاكل المحلية.

س- في الحقيقة انتم التقيتم في البداية مع والي شمال دارفور. ما هو انطباعكم عن الجولة في دارفور تحديدا؟

ج - تعد هذه الزيارة بالنسبة لي الثالثة الى دارفور. وقد زرت هذا الاقليم لاول مرة في خريف عام 2006. ثم زرته في يناير/كانون الثاني مطلع العام الجاري، والآن. وسبق لنا ان التقينا بمحافظ دارفور في شهر اكتوبر/تشرين الاول في موسكو حيث عقد المؤتمرالدولي الخاص بالسودان. يبدو لي ان الوضع في الفاشر عاصمة شمال دارفور وحولها يتحسن بشكل دائم. وعلى سبيل المثال فخلال زيارتنا لدارفور في يناير/كانون الثاني كانت الدبابات ترابط على كل تقاطع وترافق موكبنا بشكل دائم. والان يعتبر الوضع في الفاشر نفسها هادئا. ومن المعلوم ان احداثا مأسوية تحصل من حين الى آخر خارج الفاشر في منطقة مخيمات اللاجئين. وقتل بعد مغادرتنا دارفور 5 افراد روانديين من قوات حفظ السلام. لكن ذلك  لا يعد عملا للمقاومة المسلحة  بل هو عمل مجرمين. من حيث المبدأ اشعر ان الفاشر بصفتها مدينة رابعة بعدد السكان في السودان تشهد تطورا في مجال الأعمال والانشاءات. ربما سبب ذلك هو اقتصاد الخدمات الناجم عن مرابطة قوات الامم المتحدة  ووجود عدد كبير من المعسكرات والخبراء الاجانب. ولكن كل هذه الامور تهيئ الظروف لتشغيل السكان. ويعتبر هذا الامر في غاية الاهمية، علما انه برأي شرط اساسي لاية تسوية سلمية لكي يفهم الجيل الصاعد ان ممارسة البزنس افضل من الحرب في الصحراء واستخدام بندقية كلاشنيكوف.

س- انا في رأيي ان لقاءكم مع سلفاكير النائب الأول للرئيس السوداني ورئيس حكومة جنوب السودان ولقاءكم مع نائبه كانت في غاية الأهمية من الناحية الاقتصادية من جهة، ومن الناحية السياسية من جهة أخرى، اليس كذلك؟

ج- اعلنا موقفنا بشكل واضح ،بالنسبة لنا لا توجد هناك مناطق مهمة واخرى غير مهمه في السودان.نحن نعتبر كل المناطق مهمة بالنسبة لنا.  نحن كبلد متعدد القوميات وبلد فيدرالي ندرك بشكل جيد  امكانية التعاون ليس مع العاصمة السودانية فحسب، بل مع المناطق الاخرى. وجنوب السودان  يعتبر واحدا من اكبر المناطق المهمة والغنية في البلد. ما يخص شعب جنوب السودان هل سيبقون مع تركيبة السودان الموحدة في استفتاء عام 2011 ام انهم سيوصوتون من اجل الاستقلال ؟ هذا ماسيقرره الشعب. اما نحن فلا نعرف الجواب بعد. ولكن كما هو ملحوظ من وجهة النظر الاقتصادية فان جنوب السودان مغري بما يحتويه من احتياط نفطي اساسي وكذلك شبكات المياه الضخمة المخصصة لبناء محطات الكهرباء الهيدرولوجية، هناك ارض خصبة وغابات غنية، والاهم من ذلك موقع السودان استراتيجي حيث يمكن  من خلاله مرور مختلف البضائع التجارية الى الدول الاخرى. لذلك ليس عبثا ان رجال الاعمال الروس الذين رافقوني  في زيارة السودان ناقشوا مشاريع تتعلق بتطوير وسائل الاتصالات  وبناء مصانع النفط والمساهمة في انشاء الانابيب وكذلك تطوير وسائل النقل.. كل هذا كان ممتعا جداً. ولا شك، سيشارك نواب البرلمان الروسي  والمراقبون الروس في مراقبة الانتخابات في السودان كما شاركنا في مراقبة الانتخابات في لبنان وفلسطين ،ونعتزم المشاركة كذلك في الانتخابات العراقية. من الواضح بصورة مطلقة أن نواب البرلمان الروسي سيشاركون بشكل نشيط في مراقبة الانتخابات. أما بالنسبة للأفعال الأخرى فأكدت روسيا كعضو دائم في مجلس الأمن على كافة المستويات أن الانتخابات هي جزء لا يتجزأ من عملية نقل اتفاقية الصلح الشاملة إلى حيز الواقع. والانتخابات التي يجب إجراء استفتاء بعدها هي أمر ضروري وهام لإستمرار الحياة الداخلية في السودان.
ومن المهم جدا إجراء هذه الانتخابات بنزاهة وبصورة شفافة وبدون تكرار التجربة المؤسفة للانتخابات الأفغانية الأخيرة أو مثلها.

س- لقاءكم مع الرئيس السوداني جرى تقريبا خلف الأبواب المغلقة. هل يمكننا  ان نسأل ماذا فعلا حملتم اليه من روسيا؟

ج- هذا ليس لقاؤنا الأول مع الرئيس السوداني. لدينا علاقات قائمة على ثقة متبادلة. ناقشنا بشكل صريح ما يجري داخل البلاد وخارجها، كما تطرق الحديث إلى تطوير العلاقات الثنائية. لا جدال أن الرئيس السوداني هو زعيم قوي وفعال ولديه أحساس بتطوير بلاده ، و برأيي أنه يفهم ما يفعله ولماذا. أولئك الذين أكدوا أن قرار المحكمة الجنائية الدولية الذي يدينه يضعف موقفه داخل السودان ويجعله منبوذا في الحياة السياسية السودانية هم اقترفوا خطأ ، ونحن حذرناهم من ذلك في يناير هذا العام.
برأيي تمكن الرئيس السوداني من استخدام موضوع المحكمة الدولية بشكل فعال من أجل ترسيخ موقفه داخل البلاد ومن أجل التوصل إلى الوحدة الوطنية. عادة كل سياسي يصرح بأننا في بقعة محاصرة لنوحد جهودنا من أجل الانتصار. والرئيس البشير انتهز هذه الفرصة بشكل فعال. أعتقد أنه ينظر إلى المستقبل دون أي قلق، وأكد تمسكه بإجراء الانتخابات النزيهة كما أكد تمسكه بالتزام اتفاقية الصلح الشاملة وتنفيذها دون شرط أو قيد وأكد رغبته في خلق الظروف المناسبة لإجراء الاستفتاء النزيه عام ألفين وأحد عشر، هذا ما يفرضه عليه المجتمع الدولي.

س – اسمح لي ان اتحدث معكم بصراحة.. الا تشعرون بأن روسيا قد تأخرت في الوصول الى السودان أو في تكثيف وجودها في السودان؟

ج- قطعا لا، لم تتأخر روسيا ، بل وصلت الى السودان مباشرة بعد فوزه بالاستقلال حيث نرى في شوارع الخرطوم حتى الآن سيارات "فُولْغا" السوفياتية المصنوعة فى أواخر الخمسينات ،وتجوب سيارات "جيغولي" و"كاماز" الروسية شوارع العاصمة السودانية أيضا ، وهنا يسكن عدد كبير من الناس الذين يجيدون اللغة الروسية وتلقوا علومهم في الاتحاد السوفياتي وفي روسيا. وانا التقيت هنا مع أهل السودان الذين يحفظون اشعار الشاعر الروسي العظيم بوشكين. فالشعب السوداني شعب مثقف ،ويتواجد هنا الناس الذين يعرفون بلادنا ويعرفون كيفية التعامل معنا. وهناك سبب مهم آخر حيث لم تنتهج روسيا ولا الاتحاد السوفياتي سياسة استعمارية في افريقيا بل كنا دائما ندعم الحركات التحررية الوطنية وكنا نساهم في تحديث القارتين الافريقية والآسيوية في اصعب الظروف في أواخر الخمسينات وأوائل الستينات. وكنا نقدم مساعدات مادية كبيرة لتلك البلدان. ولذلك عندما يتحدثون معنا لا يشعرون بانّ الحديث يجري مع من كان يتفوق عليهم في الماضي، بل يشعرون بأنّه حديث ندّ لندّ.
وهذا الموقف يعطي لروسيا مميزات لا شك فيها. اما مشاركتنا في مشاريع اقتصادية مختلفة فكان الوفد الاقتصادي المرافق لي لا يقل عددا عن الوفد الصحفي. حيث ازداد اهتمام رجال الاعمال الروس بافريقيا الامر الذي نجم عن جولة افريقية غير مسبوقة قام بها الرئيس الروسي مدفيديف وانا رافقته في تلك الجولة. فلذلك انا اعتقد انّ لدينا آفاقا واعدة.

س- الصين تخصص حوالي 40% من استثماراتها في افريقيا، في السودان.. الصين قامت بتنظيم مؤتمر "الصين وأفريقيا" في شرم الشيخ مؤخرا.. الصين رصدت 10 مليارات دولار للدول الافريقية.. الصين منحت السودان 3 مليارات دولار.. ماذا يمكن أن تقدم روسيا في هذا السياق؟

ج- انا على يقين من انّ قادة افارقة كثيرين يهتمون بتنويع العلاقات الاقتصادية والسياسية وبالحفاظ على التوازن. وظهر لديّ هذا الانطباع من تجربة تعاملي مع مسؤولين في السودان  وتشاد وغيرها من الدول الافريقية. وهم يعرفون انّ التعامل مع شريك وحيد قد يؤدي الى التبعية مهما كثر سخاء هذا الشريك. ولذلك يقولون لنا تقريبا في كل بلدان افريقيا: "أبوابنا مفتوحة امامكم من اجل التعامل وخلق التوازن." وبهذا الصدد لدينا فرص جيدة للولوج الى هنا وخلق نوع من التوازن السياسي والاقتصادي. بل نحن لا نسعى الى خصام ما مع شركائنا الصينيين. بالعكس، هم يحثوننا على تنفيذ مشاريع مشتركة. وخلال زيارتي الاخيرة الى بكين التقيت مع المبعوث الصيني الى السودان السفير ليو فوى جين قال لي ان الشركات الصينية مهتمة بالتعاون مع الشركات الروسية. ويجب علينا ان ننتهز هذه الفرصة.

س- كلنا ندرك جيدا مدى وحجم الصراعات التي تدور حول السودان.. الصراعات الدولية. وهناك مراقبون كثيرون تحدثوا انه يجب ان يكون هناك توازن بين الدور الاقتصادي والدور السياسي.. وتحدثوا عن دور روسي موازن لدورها الاقتصادي. ما هي رؤيتكم للدور الروسي على خلفية الصراعات الدولية التي تدور حول السودان؟

ج- الصراع الدولي والمناقشات حول السودان في مختلف المحافل الدولية لا تشكل اي خلافات مع شركائنا في مجلس الامن الدولي. وهناك وحدة في المواقف التي يتخذها الاعضاء الخمسة الدائمون ازاء السودان. وهناك اجماع على ضرورة اجراء الانتخابات والاستفتاء وتنفيذ اتفاقية السلام الشاملة. كل ذلك يعتبر من الشروط الضرورية لضمان تطور السودان وتخفيف حدة التوتر والصراع حول السودان.
على الصعيد السياسي تساهم روسيا ليس فقط بجعل مواقف القيادة السودانية من دور الامم المتحدة في تسوية المشاكل السودانية اكثر تفهما ، بل ولتحسين العلاقات مع الجوار السوداني. وكما قلت فقد زرت تشاد مؤخرا والتقيت مع الرئيس التشادي أدريس دبي وتحدثنا بشكل مسهب في العلاقات التشادية السودانية. وايضا تطرقنا الى مناقشتها هنا مع الرئيس السوداني عمر البشير. روسيا مستعدة ان تلعب هنا دورا لايقل اهمية عن الدور الفرنسي او الدور الامريكي.
اما الملف الاقتصادي فهو جلي ايضا حيث تلقى عدد كبير من مواطني السودان علومهم في الاتحاد السوفياتي وفي روسيا وهم يتقنون قراءة المراجع الفنية ويعرفون معاملة معداتنا. واليوم هنا في وزارة الطاقة تم تنظيم لقاء مع ادارة شركة "تيخنو بروم أكسبورت" وهي الشركة الروسية التي شيدت السد العالي قبل اربعين عاما. وتقدم شركاؤنا السودانيون بطلب البدء في بناء محطة كهروحرارية عملاقة على ساحل البحر الاحمر في منطقة بور سودان وذلك من اجل تطوير تلك المنطقة اقتصاديا.
هذا المشروع واعد جدا، لأنه على الرغم من تواجد عروض المانية وصينية يتجه شركاؤنا السودانيون نحو اختيار العرض الروسي والمعدات الروسية لمعرفتهم بكيفية عملها ومستوى امانها العالي.

كما يمكنكم الإطلاع على مقابلة أدلى بها الرئيس السوداني عمر حسن البشير لقناة "روسيا اليوم" في أعقاب زيارة ميخائيل مارغيلوف الى السودان

تعليمات استخدام خدمة التعليقات على صفحات موقع قناة "RT Arabic" (اضغط هنا)