فيكتور غيراشينكو: الأزمة نشِبت نتيجةً لسلوك الأمريكيين غير المسؤول

انسخ الرابطhttps://arabic.rt.com/prg/telecast/32359/

منذ 65 عاما اجتمع ذوو النفوذ في العالم في فندق "برايتن وودز" في ولاية نيوهامبشر لأجل إنشاء نظام مالي عالمي. ومهد ذلك المؤتمر الطريق لإنشاء صُندوق النقد والبنك الدوليين. لكن شكوكا تثار اليوم في ظروف الأزمة المالية العالمية حول دور هاتين المؤسستين. نلتقي اليوم مع الرئيس الأسبق للبنك المركزي الروسي وأول مندوب للاتحاد السوفييتي في صندوق النقد الدولي السيد فيكتور غيراشينكو.
 
س1 : شكرا جزيلا على هذه المقابلة. كان لوالدك مشاركة محددة في أعمال ذلك المؤتمر.

ج : في حقيقة الأمر، لم يشارك والدي في المؤتمر نفسه، لأنه كان رئيسا للقسم الاقتصادي في وزارة الخارجية  ومن الطبيعي أنه بعد أن أجرى وفدنا مباحثات ناجحة في المؤتمر وتوصل إلى نتائج ايجابية في الوقع، بمعنى أن مساهمة بلادنا المادية أي رسوم الاشتراك سددناها بالذهب لكن من دون الحاجة إلى إخراجه من أراضينا والاحتفاظ به مخزونا في بلادنا بشكل مستقل لكي يتأكد المفتشون الدوليون المختصون في أي وقت من وجوده سليما. بعد ذلك جرت مناقشة مسألة انضمام بلادنا إلى المؤسستين الدوليتين،  وأعرب أعضاء الوفد السوفييتي بصفتهم عاملين في الخارجية عن رأيهم الخاص في الموضوع، قائلين إن لانضمام بلادنا إلى هاتين المؤسستين نواحيَ إيجابية، حيث سنتمكن من الحصول على قروض معينة من البنك الدولي واسمه الصحيح "البنك الدولي لإعادة التعمير والتنمية" وكذلك من صندوق النقد الدولي وخاصة في ظل اختلال الميزان التجاري ووجود ضرورة ملحة إلى شراء أشياء كثيرة بعد الحرب.
ومن الطبيعي أنه كانت هناك نواح سلبية معينة لأننا تعودنا على إدارة اقتصادنا بأنفسنا وبناء على قواعدنا الخاصة. وفي حال الانضمام تجب علينا مراعاة قواعد دولية معينة تم الاتفاق عليها بعد الصراع بين وجهتي النظر البريطانية والأمريكية الصراع الذي فاز فيه الطرف الأمريكي لأن الاقتصاد الأمريكي كان أقوى. ولذلك تم تشكيل لجنة في بلادنا لاتخاذ قرار حول إبرام هذه الاتفاقية أو عدمه من قبل مجلس السوفيت الأعلى وذلك قبل حلول الأول من ديسمبر/كانون الأول.
ذكر رئيس هذه اللجنة فوزنيسينسكي وكان رئيسا لهيئة التخطيط الحكومية وأصغر عضو في المكتب السياسي للجنة المركزية للحزب الشيوعي في تقريره أنه توجد للانضمام بعض الإيجابيات ولكن توجد له سلبياته أيضا ويتمثل معظمها في البعد السياسي. حيث كان علينا تقديم معطيات إحصائية وافية عن اقتصادنا، بحيث يتكشف لخصومنا الإيديولوجيين واقع أن بلادنا خرجت من الحرب ضعيفة. ولهذا السبب بالذات لم نبرم تلك الاتفاقية وقلنا إننا سنُجري جولاتٍ جديدةً من المباحثات بهذا الشأن لم نُجرها في الواقع. 
س2-هل لا تزال هذه المؤسسات الدولية برأيكم قادرةً على ممارسة نشاطها في ظروف الأزمة المالية العالمية؟
 
ج- أظن أن هذه الأزمة نشِبت نتيجةً لسلوك الأمريكيين غير المسؤول، وعدم مراعاتهم القواعدَ الدولية، التي تنص عليها لوائح صندوق النقد الدولي، ويعيشون على مدى سنوات مديدة على حساب استثمارات الدول الأخرى، ما يسمح لهم بالحصول على ديون خارجية وداخلية ضخمة. زِد علي ذلك أنهم قاموا في عام 1970  بتعويم حقيقي لعملتهم الوطنية الدولار، عندما رفعوا سعر أونصة الذهب من 35 إلى 72 دولارا، ما اعتبر خرقا للقواعد الصارمة المتعلقة بتغيير أسعار العملات الوطنية.
وإضافة إلى ذلك، يجب أن يتحمل المسؤوليةَ عن اندلاع الأزمة المالية كذلك أعضاءٌ آخرون في صندوق النقد وقبل كل شيء إنجلترا و اليابان، وإلى حدٍ ما روسيا. وعلى أي حال فإن وجود العالم مستحيل بدون وجود هذه المؤسسة صندوق النقد.
س3 - يوجد هناك من يقول إن الصندوق لم يُفلح في التنبؤ بالازمة المالية عام 1998 ، كما أن نشاطه الحالي في الوضع الراهن غير جيد كذلك. ما رأيك بهذا الصدد؟
ج - اعتقد أنه لا يوجد في الوقت الحالي لدى صندوق النقد الدولي عدد كاف من الاقتصاديين الأكْفاء القادرين على التنبؤ بمثل هذه الازَمات، التي تعتبر من العوامل الموضوعية، وكتب كارل ماركس وآخرون عن ذلك، مشيرين إلى إمكان حدوث الازمات الاقتصادية آجلا أم عاجلا في أي بلد كان.
وبالنظر إلى عولمة الاقتصاد فقد شملت الازمة بلدانا كثيرة.
س 4- تعتمد الاحتياطيات الروسية من العملة الصعبة بقدر كبير على الدولار و اليورو. هل آن الأوان للتخلي عن هاتين العملتين؟

ج- لا، إذ أن احتياطياتنا الدولية تعتمد قبل كل شيء على ميزان المدفوعات و الميزان التجاري، فقد شكلت الأسعار المرتفعة لموارد الطاقة لدينا عاملا إيجابيا أثمر عن زيادة الاحتياطيات من العملات الصعبة. و هنا يبرز سؤال "في أي شيء كان ينبغي توظيف هذه الاحتياطيات"؟  في الدولار إم في الذهب أو الاقتصاد الوطني؟
و يبدو لي إننا فوتنا الفرصة عندما كان يجب توظيفها في الاقتصاد الوطني، في إنتاج الطائرات المدنية مثلا. أو حتى الاستثمار في اقتصادات البلدان الأخرى بشرط الاستفادة من ذلك الاستثمار. فعلى سبيل المثال الثري الروسي ديريباسكا وظف أمواله في استخراج خامات الألومنيوم في غينيا لانه اصبح يدير مؤسسة تنتج الألومنيوم ليس لصالح روسيا فحسب بل لتوفير احتياجات العالم باسره.
لنأخذ على سبيل المثال إنتاج طائرات الركاب اننا نطير على طائرات ركاب أجنبية الصنع وبدلا من حفظ رؤوس الأموال بالدولارات كان من الواجب توظيفها في صناعة الطائرات، اما نحن فنطير على متن الطائرات الأجنبية الصنع والمستعملة. ويُستخدم راسمالنا الآن لسد بعض الثغرات لأن عددا من شركاتنا خرجت إلى الأسواق العالمية معتمدة على القروض الأجنبية. والآن تراجعت هذه الاسواق وانخفضت أسعار الأسهم والأوراق المالية حيث أصبح من المعقول شراء تلك الأوراق بأسعار منخفضة الأمر الذي يستفيد منه من أصدر هذه الأوراق رغم أن العملية تحتاج إلى سحب الأموال من خزينة الدولة. كما يعتبر دعم بعض فروع الاقتصاد خطوة متعقلة وأنا لا أعلم من ينفذ هذا الدعم الآن وما هو حجمه. حاليا اتحدث حول شئ آخر.. مؤخرا كنا مطمئنين إلى أموال صندوق الاستقرار معتبرين إياه صندوقا للاجيال القادمة لكن الأزمة كشفت كيف أن هذه الأموال تتآكل بسرعة فائقة حتى اذا كانت مودعة في اصول يمكن بيعها بسهولة، ولكن لا يستفاد منها بغير الفائدة. من الأفضل توظيف الأموال في تطوير اقتصادنا ويعتبر هذا موقفا ينطلق من مصالح اقتصادنا. 
س5- نعود إلى مؤتمر "بريتون وودز" وللمؤسسات العالمية، هل يعتبر دور صندوق النقد الدولي مبررا اليوم، أو أنه يعطي قروضا للدول التي يعرف مسبقا أنها لا تستطيع إعادتها؟

ج - لا ، طبعا أنا أعتقد أن المساعدات التي يمكن أن يقدمها مهمة جدا ، ذلك على الرغم من أننا لو حللنا ما يحدث في الفترة الأخيرة لوجدنا أن اللاعبين الأساسيين هناك يحاولون أن يدعموا اقتصاد بلادهم مستخدمين مصادرهم و يمكن القول باستخدام مطابع النقود. أي ينتجون النقود اللازمة للحفاظ على مستوى معين لعمل هذه الشركة أو تلك.

س 6- هل يمكن لأميركا أن تبقى لوقت طويل على هذه الحال من طباعة الدولار ؟

ج - ما دامت هناك الأدوات اللازمة للطباعة!أعتقد أن الأمريكيين سيقدمون على ذلك بحذر لاختيار هذه الشركة أو تلك لتقديم المساعدة لها و إنقاذها، لكن يجب أن يقلصوا النفقات ويقللوا حجم مكافآت مديري الشركات وأن يتنقلوا على متن طائرات الخطوط الجوية العامة و ليس بواسطة طائرات خاصة. و بشكل عام أنا أعتبر النظام الإقتصادي في الولايات المتحدة نظاما تقدميا يقوم على الأفكار العصرية الحديثة، وعلى الرغم من أن الأمريكيين يصبحون مستهلكين أكثر منهم منتجين فإنهم سيكونون في طليعة من سيخرج من هذه الأزمة.

س 7- فيما يتعلق بالروبل الروسي، كانت هناك أحاديثُ لجعله عملة عالمية فما رأيكم بهذا الأمر ؟

ج  - كانت لنا تجربة في هذا المنحى  فيما مضى عندما حاولنا أن نجعل الروبل عملة التعامل الرئيسة بين أعضاء مجلس التعاضد الاقتصادي، ولكن النجاح لم يحالفنا حينذاك، رغم أننا قدمنا قروضا للدول الأعضاء في المجلس، التي كانت تعاني من عجز في ميزانها الاقتصادي. الأمر ليس بالسهولة التي تتصورها، أن تقال عبارةٌ ما، وانتهى الموضوع. لا، لجعل الروبل عملة احتياطية فوقِ وطنية يجب أن تكون عندنا أصول مادية يمكن تحويلها بسهولة إلى بضائع أو استثمارات في اقتصادنا، و لكن للأسف أعتقد أننا لا نملك كل هذا حتى الآن.

س 8- هناك دعوات كثيرة للاجتماع و تحديد نظم اقتصادية جديدة، برأيكم على أي أسس يمكن أن يتم ذلك؟

ج - برأيي يجب التقيّد أكثر بالنظام الحالي، وأن تكون هناك مسؤولية أكبر، فمن المعروف أن للأزمة أسبابا فعلية مباشرة، و هو ما يحدث عادة في عملية الإنتاج، لكنني أعتقد أن من بين أسبابها السياسةَ غير المسؤولة لأميركا. إذ لا يمكنك العيش إلى ما لا نهاية وأنت غارق في الديون وعلى حساب الآخرين والعالم أجمع سواء كانت هذه الديون داخلية أم خارجية.

س 9- هل يمكن أن تُتخذ تدابيرُ ما على أساس اعتبار مصالح الآخرين من أطراف الاقتصاد العالمي و ليس بناء على المصالح الخاصة فقط ؟

ج - أنا أعتقد أن الشكل الحاليَ أي الثماني أو السبع زائدا واحدا وما يضاف إليه من استقطاب دول أخرى تلعب اليوم دورا مهما في الاقتصاد العالم مثل البرازيل و الصين و الهند ، أعتقد أن هذا الشكل يقوم على العلاقات بين هذه الدول و أحيانا لا يتوقف الأمر على العلاقات الاقتصادية و حسب، لذلك سيكون البريطانيون على سبيل المثال على الدوام أقرب لآراء الأمريكيين رغم الآراء المعارضة و الأفكار التي يمكن أن تقدمها فرنسا أو ألمانيا.


                           

تعليمات استخدام خدمة التعليقات على صفحات موقع قناة "RT Arabic" (اضغط هنا)