مدفيديف يطرح الرؤية الروسية للتسوية في الشرق الاوسط

انسخ الرابطhttps://arabic.rt.com/prg/telecast/30946/

الرئيس الروسي دميتري مدفيديف يؤكد في خطابه في مقر جامعة الدول العربية في القاهرة بتاريخ 23 يونيو/حزيران عام 2009 على ان روسيا ستبذل كافة الجهود من اجل تسوية أزمة الشرق الاوسط على اساس عادل ووطيد. مدفيديف يطرح في خطابه مواقف روسيا من القضايا الدولية والاقليمية.

خطاب الرئيس الروسي دميتري مدفيديف في مقر جامعة الدول العربية في القاهرة بتاريخ 23 يونيو/حزيران عام 2009

السيد الامين العام المحترم

السادة السفراء

سيداتي وسادتي

يشرفني ان اتحدث من منبر جامعة الدول العربية – انها اول مرة احضر فيها في هذه المنظمة الدولية ذات المكانة التي تضم دول الشرق الاوسط وشمال افريقيا وتجمع ما بينها عرى التاريخ المشترك. ان منظمتكم تعتبر اليوم عاملا هاما في السياسة والاقتصاد والماليات على الصعيدين العالمي والاقليمي. وبدون مراعاة وجهات نظرها  ومواقف البلدان الاعضاء فيها لا يمكن ضمان معالجة الكثير من القضايا الدولية الحيوية للعالم المعاصر- وطبعا لا يمكن بدون هذا تجاوز الازمة المالية والاقتصادية العالمية والتطور بثبات والمضي قدما في الحوار بين الحضارات او تسوية النزاعات الاقليمية.

واشير الى انه في ظروف اختلال توازن الآليات العالمية العامة لادارة الكون يزداد كثيرا دور المؤسسات الاقليمية وشبه الاقليمية. والآن تجري بصورة عاصفة في كثير من مناطق العالم ، ومنها هنا في الشرق الاوسط ، عمليات التمركز الاقليمي التي تأخذ الدول فيها المسئولية ليس فقط عن معالجة مشاكلها ، بل والبحث عن اجوبة اقليمية لتحديات الازمة المالية والاقتصادية العالمية في عصرنا الراهن. لقد اظهرت ذلك ،ضمنا ، القمتان اللتان عقدتا في يكاترينبورغ على تخوم اوروبا وآسيا لمنظمتين فتيتين هما منظمة شنغهاي للتعاون ومجموعة  "بريك" الاقتصادية.

العلاقات العربية - الروسية عميقة الجذور

ترتبط روسيا والعالم العربي  بعلاقات الصداقة التقليدية والاحترام المتبادل . وخلال زيارتي الحالية ادركت  مرة اخرى مدى عمق جذور الذاكرة التاريخية لدى اصدقائنا في الشرق الاوسط.  انهم هناك لا ينسون تلك  الازمان حين كانت بلادنا تقدم المساعدات الشاملة الى الدول التي وقفت على اقدامها لتوه في المنطقة. وأيامذاك اي في فترة تصفية الاستعمار ارسي الاساس لبناء نظام عالمي اكثر عدالة وعصرنة.

ونحن بدورنا في روسيا الاتحادية نذكر كيف هب العالم العربي في اعوام التسعينيات العصيبة بالنسبة لنا لدعم وحدة اراضي بلادنا. ونحن نصبو الى مواصلة تقاليد التعاون وتطوير الاتصالات مع البلدان الاعضاء في جامعتكم . ان العلاقات بيننا ذات قاعدة متينة . لقد بلغ الحجم الاجمالي للتبادل السلعي بين روسيا وبلدان جامعة الدول العربية 10 مليارات دولار سنويا ، وهذا رقم لا بأس به ولو ان القدرات الكامنة للتعاون اعلى من هذا بكثير .ومن المهم للغاية توسيع التعاون  في مجالي الاستثمار والطاقة ومضاعفة عدد المشاريع المشتركة. ونحن نأمل في ان يعطي اعلان النوايا حول تأسيس منتدى التعاون الروسي – العربي نبضة جادة الى هذه العمليات .

والاتجاه الهام الآخر الذي يتسم بأهمية اولية لحد كبير في بذل الجهود هو الاتصالات الانسانية التي اغتنى تأريخها مع تطور العلاقات بين الدول. وفي حينه تلقى عدد كبير من جيل الشباب في بلدان الشرق الاوسط تعليمهم في المعاهد التعليمية السوفيتية وكونوا عشرات الآف العوائل المختلطة ، كما أسهم أبناء بلادنا  برصيدهم  في قيام وتطور كثير من دول المنطقة وتنمية الصناعات والزراعة والقوات المسلحة فيها.  ان هذا كله شكل بالاضافة الى تسارع وتائر التبادل السياحي وفعالية المنظمات غير الحكومية قنوات غير رسمية للتعامل.. شعبية ان جاز القول.

الاسلام جزء لا يتجزأ  من تاريخ روسيا

كما يبدو جليا للعيان التقارب الروحي. وتعرف شعوبنا ليس بالسماع أهمية وقيمة التعايش السلمي والتعاون  - اذ يسافر الحجاج الروس الى الاراضي المقدسة منذ ما لا يقل عن ألف عام. بينا يعيش ملايين المسلمين على امتداد القرون  في  روسيا  في سلام ووئام مع جيرانهم من ابناء  160 شعبا وقومية وما يربو على خمسين طائفة دينية. ان الاسلام هو جزء لا يتجزأ من تاريخ وثقافة روسيا. ان احترام العقيدة والعادات والتقاليد على مدى القرون هو أساس السلام المدني في بلادنا.

ولدي قناعة راسخة  بأن التعاون الراهن بين روسيا والعالم العربي يمثل عاملا هاما جدا في السياسة العالمية. انه قادر على تهيئة القاعدة لحل كثير من المشاكل الدولية والاقليمية. ومواقفنا متقاربة بهذا الصدد ومنها فيما يخص معالجة المشاكل الخطيرة جدا – من الارهاب والتطرف والتسوية السلمية للنزاعات الاقليمية وعدم انتشار السلاح النووي.

واليوم يعتبر من الاولويات الراسخة للسياسة الروسية دعم الاختلاط القائم على الاحترام المتبادل بين ابناء مختلف الطوائف. ويجري بنشاط في البلاد الحوار بين الاديان في داخل البلاد ، وبضمن ذلك في اطار مجلس شئون الاديان في روسيا الذي يضم رؤساء جميع الطوائف الدينية التقليدية. وقد تشكلت بمبادرة منا  وتعمل مجموعة " الرؤية الاستراتيجية" روسيا - العالم الاسلامي" والمنتدى الاجتماعي العالمي" الحوار بين الحضارات". ونحن نشارك بفعالية في نشاط " ائتلاف الحضارات".  وتقترن المبادرة الروسية لتكوين المجلس الاستشاري للأديان تحت رعاية اليونسكو بمبادرة العاهل السعودي الملك عبدالله حول اقامة تعاون مباشر مستمر بين الطوائف الدينية العالمية الرئيسية ، وبضمن ذلك من اجل اعداد توصيات جماعية يمكن ان تناقش في هيئة الامم المتحدة.

وأقول بصراحة ان روسيا ليست بحاجة الى " ابتغاء صداقة " العالم الاسلامي. ليس فقط لأن بلادنا نفسها تعتبر  جزءا عضويا من هذا العالم. ان عدد المسلمين في بلادنا يبلغ حوالي 20 مليون مسلم . ولهذا بالذات كسبنا الدعم النشيط من قبل اصدقائنا من اجل الحصول على وضع مراقب في منظمة المؤتمر الاسلامي.  ونحن نتوجه في المستقبل ايضا نحو العمل المشترك الفعال للبحث عن اجوبة  للرد على جميع التحديات  التي تواجه اليوم منطقة الشرق الاوسط والعالم أجمع.

ونحن ندرك عن قرب ونتفهم سعي الدول العربية  الى ان تجمع بشكل معقول ومنسجم في تطورها  بين احدث عناصر الحداثة واحترام التقاليد القومية والدينية. وبهذا يمكن فعليا  تعزيز الاستقرار السياسي وبلوغ الرفاه الاقتصادي وخير المجتمع في المنطقة. وتوجد لدى العالم العربي اشياء كثيرة يمكن الاقتداء بها. ولهذا لا يجوز لأحد اعطاء الدروس او فرض الديمقراطية ناهيك عن التدخل من الخارج في شئونه ، وهذا برأينا ما لا يجوز السماح به على الاطلاق.

ويتنامى تفهم ذلك في العالم. والشاهد على ذلك الخطاب الذي ألقاه الرئيس الامريكي باراك اوباما في جامعة القاهرة مؤخرا. ومن المهم جدا ان البعض صار يدرك ما يجري في العالم فيما يخص العدالة والاحترام المتبادل واحترام سيادة الدول والنظام العالمي. وهذا كله يخلق امكانيات جديدة من اجل تأسيس  اجندة التوحيد.  ويتسم بالأهمية العنصر الاخلاقي في العلاقات الدولية ، والقواعد الاخلاقية المشتركة بالنسبة لجميع الاديان السماوية ومنها الاسلام طبعا.

 الامن الدولي غير قابل للتقسيم

ان الامن المعاصر غير قابل للتقسيم – ولا يمكن ان يتمتع طرف ما بالأمن على حساب اي طرف آخر.  ونحن نعمل جهدنا انطلاقا من هذا الموقف من اجل دعم تسوية اوضاع الازمات والنزاعات التي ما زالت موجودة وياللأسف  في المنطقة. علما اننا نفعل ذلك بالارتكاز على الجهود الجماعية وطبقا لأحكام القانون الدولي تماما.

وبذلت روسيا وتبذل جهودا نشيطة في مختلف مناطق النزاعات. ونحن ندعو بدأب الى تطبيع الوضع في العراق على أساس بلوغ الوفاق الوطني ، كما ندعم التسوية السياسية والدبلوماسية لقضية البرنامج النووي الايراني ، وتعزيز الاستقرار في لبنان حيث جرت مؤخرا انتخابات برلمانية حرة وديمقراطية وتجاوز ازمة دارفور في اطار احترام وحدة اراضي السودان واستقلاله. ولقيت صدى ايجابيا في المنطقة المفاهيم التي طرحتها روسيا في عام 2007 حول تأسيس منظومة للأمن الجماعي في منطقة الخليج العربي.

القضية الفلسطينية مفتاح التسوية الشاملة

ونحن نتذكر جيدا ان القضية الفلسطينية وانهاء احتلال الاراضي الفلسطينية والاراضي العربية الاخرى يعتبران المفتاح نحو التطبيع الشامل في الشرق الاوسط .ويبدو انه لا يمكن  ضمان الامن الوطيد في الشرق الاوسط بصورة حقيقية الا عن طريق اجراء تسوية عادلة وشاملة للنزاع العربي – الاسرائيلي. ويجب ان تكون النتيجة الاكيدة لهذه التسوية هي اقامة الدولة الفلسطينية المستقلة وذات السيادة والقادرة على الحياة وعاصمتها القدس الشرقية التي تتعايش في سلام وامان مع جميع بلدان المنطقة ومنها اسرائيل طبعا.  يجب ايجاد حل عادل ايضا  لمشكلة اللاجئين الفلسطينيين.

ان روسيا  لا يمكن ان تقف بلا مبالاة حيال وضع الاماكن المقدسة في القدس الذي يجب ان يضمن دخول المؤمنين من  اديان التوحيد الثلاثة اليها بحرية.

وفي جوهر الامر ان موقفا مماثلا قد ورد في مبادرة السلام العربية التي اقرت في عام 2002 في القمة العربية في بيروت وثبتت في جميع القمم العربية التالية. وقد رحبنا منذ البداية  بهذه المبادرة وايدناها. زد على ذلك  انها اصبحت بمشاركتنا الفعالة جزءا لا يتجزأ من القاعدة القانونية الدولية لعملية السلام في الشرق الاوسط والمعترف بها.

ما هي المهمة الاساسية في المرحلة الراهنة ؟ - انها استحثاث استئناف المفاوضات الفلسطينية – الاسرائيلية. ان توقفها قد طال أمده كثيرا ويبعث على القلق المتزايد. يجب العمل بغية تهيئة الظروف من اجل  اعادة اطلاق العملية السياسية . علما ان هذا يجب ألا يتم من نقطة الصفر بل بمراعاة قاعدة القانون الدولي التي ذكرتها آنفا وجميع الاتفاقيات والتفاهمات التي تم التوصل اليها سابقا. ولا يمكن التراجع عن ذلك.

ينبغي العمل على ان يلتزم جميع الاطراف بالتعهدات التي التزمت بها في مكافحة الارهاب والعنف والتخلي عن اية افعال وحيدة الجانب ، وبضمن ذلك النشاط الاستيطاني الاسرائيلي.  ان هذا سيقرر الحل النهائي للقضية .

ضرورة استعادة وحدة الصف الفلسطيني

واليوم من المهم على الاخص  استعادة وحدة الصفوف الفلسطينية على اساس مبادرة السلام العربية وميثاق منظمة التحرير الفلسطينية. ونحن نؤيد ، وبضمن ذلك في اتصالاتنا الدولية ، جهود مصر  في مضمار تجاوز الانقسام الفلسطيني على اساس مقبول بالنسبة الى المجتمع الدولي.

لابد من الاعتراف بان النزاع العربي – الاسرائيلي  يتسم بطابع شامل من حيث عواقبه بالنسبة الى الحضارة العالمية اي ان خطره شامل وسيكون من الصعب على المجتمع الدولي ، ما لم تتم تسويته بصورة عادلة ، مواجهة كافة التحديات والاخطار في العالم. ان هذا التفهم يكمن في اساس  الموقف المتضامن لمجموعة " رباعي" الوسطاء الدوليين. وتدل على ذلك نتائج الاجتماع الخاص لمجلس الامن الدولي حول الشرق الاوسط الذي عقد برئاسة روسيا في 11 مايو/ايار.  ولربما تتكون لأول مرة بعد انتهاء الحرب الباردة جبهة موحدة لدعم التسوية. وهذا امر هام جدا.

جميع الاطراف وافقت على المشاركة في مؤتمر موسكو

يجب ان يكون مؤتمر موسكو حول الشرق الاوسط مرحلة هامة في افعالنا. وقد دعت روسيا  الى عقده  في عام 2005 هنا في القاهرة. ونحن نعرب عن الشكر الى جامعة الدول العربية لدعمها له.

وقد حصلنا حتى اليوم على الموافقة المبدئية للمشاركة فيه من قبل جميع الاطراف ومنها الحكومة الاسرائيلية الجديدة.  وسأكون سعيدا  بان ارحب بالمندوبين الرفيعي المقام من بلدانكم في موسكو.

التنوع الحضاري اساس النظام العالمي العادل الجديد

ان النظام العالمي العادل الجديد الذي دعونا جميعا الى قيامه سيعكس لأول مرة في القرون الاخيرة جميع التنوع الثقافي والحضاري للعالم.  ويكمن في هذا احد عناصره الاساسية . ويولي مع الماضي كل ما له علاقة بالدعاوى في التفوق الحضاري. ويجب الا يخيف ذلك أي أحد.  ويتسع فحسب أساس الحضارة البشرية العامة ، التي يوجد الكثير من منابعها في الشرق ، وبضمن ذلك في الشرق الاوسط.  حيث ولدت هنا ثلاثة اديان سماوية.

أنا واثق بأن الازمة المالية والاقتصادية العالمية تتسم بطابع منهجي ومتحضر. ولهذا يجب ان تؤخذ بنظر الاعتبار خبرة كافة التقاليد الثقافية. وان اية محاولات لأبراز نماذج التطور والقيم بشكلها النقي غير التعددي ونشرها في العالم بأسره سيكون مآلها الفشل او ان تتحول الى خيالات واحيانا الى كوارث.

وفي الختام أود التأكيد مجددا على ان تعميق التعاون مع الاقطار العربية هو شرط لازم للسياسة العالمية. وبالنسبة لنا يعني ذلك الصداقة التي اختبرها الزمن  وتطابق المواقف من القضايا الدولية الرئيسية .

وأخيرا لدينا السعي الى التعاون على أساس الثقة بأحدنا الآخر وهذه كله يوفر آفاقا طيبة جدا لنا.

وشكرا.

تعليمات استخدام خدمة التعليقات على صفحات موقع قناة "RT Arabic" (اضغط هنا)