غورباتشوف يعترف باخطاء البريسترويكا

انسخ الرابطhttps://arabic.rt.com/prg/telecast/26631/

في نطاق برنامج "اصحاب القرار" اجرت قناة"روسيا اليوم" لقاءأً مطولاً مع الرئيس السوفيتي السابق ميخائيل غورباتشوف تناول فيه مختلف القضايا العامة والخاصة ، حيث اجاب غورباتشوف بكل شفافية ووضوح على جميع الاسئلة . واليكم النص الكامل لهذا اللقاء.

س: سيد غورباتشوف لقد اصبحت أبا لجد مؤخرا؟
ج: نعم قبل شهر تقريبا.

س: هل كان لهذا الحدث تأثير كبير على حياتك؟
ج: ليس بإمكان كل شخص بلوغ هذه الحالة.. حينما اجرت صحيفة كمسمولسكيا برافدا مقابلة معي سألتني المراسلة "هل تدرك حجم الامتياز الذي حصلت عليه؟ إذ أصبح بإمكانك الآن الصعود إلى الجنة دون حساب". ربما كانت تقصد أن عدد آباء الأجداد قليل. فاجبتها وما الذي سأفعله في السماء؟ هل سأصبح راعيا؟ هذا لا يناسبني رغم أنه عمل جميل.
أما أسرتي فلا تزال متماسكة، وكل فرد فيها يعلم أنه ليس وحيدا في أي وقت كان، في السراء وفي الضراء. ونحن بِعنا شققنا واشترينا منزلا واحدا نعيش فيه معا الآن.

س: هل تدرك بأن شعبيتك آخذة بالازدياد هذه الايام؟
ج: هذا أمر جيد، إذ عانيت من مشكلات كثيرة في حياتي. وكنت مضطرا في حالات كثيرة للوقوف في وجه اتهامات كاذبة، لكنني لم أسمح أبدا بأن ينعكس ذلك على عملي. أعتقد أن الناس بدأوا  يدركون هذا أكثر فأكثر. 
الناس ألفوا أساطير كثيرة حول شخصيتي ليس لها أساس من الصحة. وقد عانت زوجتي /رئيسة/ كثيرا بسبب ذلك. لأنها لم تتحمل الأكاذيب، وقد وقعت ضحية لها. لكنها كانت دائما على إلمام بأن من واجبها كزوجة رئيس أن تعمل بطريقة تساعد الناس والمجتمع. فهي عملت في المجلس الثقافي.. لم يكن بمقدورها الجلوس دون عمل. وفي الحقيقة كانت هذه السمة صفة مميزة لفريقي، لفريق غورباتشيوف. فنحن كنا جيلا جديدا.

س: وزوجاتكم كذلك؟
ج: نعم بالتأكيد. زوجاتنا كن معنا دائما. في البداية لم يكن الناس يتقبلون ذلك. لكن حينما كانت زوجتي تصارع الموت في المستشفى في ألمانيا، نشرت العديد من الصحف الروسية مقالات عنها، وهي كانت تستلم آلاف الرسائل من مختلف أرجاء العالم. 
لسوء الحظ، لم أتمكن من إطلاعها على تلك المقالات بسبب صرامة القوانين في المستشفى. فحين يعاني شخص من مرض سرطان الدم يتوقف نظام المناعة عنده عن العمل، ويضطر لتناول الأدوية لمنع أصابته بأي عدوى.
ورغم ذلك أحضرت معي ذات مرة مقالة كتبتها صحيفة ازفيستيا تحت عنوان " سيدة الكرامة". وبعدما قرأت المقالة لها اجهشت بالبكاء. وقالت هل كان عليّ أن أموت ليفهمَني الناس. ما زلت أبكي كل مرة أتذكر فيه كلامها هذا.

س: برأيك متى كان العالم أكثر أمنا هل حينما ولدت حفيدتك كسينيا أم حينما ولدت إبنة حفيدتك؟ 
ج: نعم، إنها مسألة تستحق التفكير. في عام ألف وتسعمئة وثمانين كنا نعمل في وظائفنا القديمة ولم يرتقِ أحد منا سلّم السلطة بعد. آنذاك كان التوتر في العالم شديدا للغاية. والسلاح النووي كان تهديدا مستمرا. نعم، كان العالم في ذلك الوقت خطرا جدا. تراكمت فيه أكوام من الأسلحة النووية. ومن وقت لآخر وقع فشل في إدارة الأسلحة النووية.
وفي حقيقة الأمر فعلنا ما فعلناه أيام البريسترويكا متأثرين بتلك الانطباعات التي تولدت لدينا في تلك الفترة، ... ومن خلال تحليلنا للوضع آنذاك.
وفي نهاية المطاف بدأنا نعمل على خلق جو من الثقة.. أو بكلمات أخرى وفق العبارة التي تعلمها الرئيس الأمريكي رونالد ريغان من اللغة الروسية أيامها: " ثِقْ لكنْ تحقق (تأكد)".. بالعودة إلى سؤالك.. كان ذلك الوقت عصيبا، أما الآن فالوضع مختلف. فحاليا لا توجد اسلحة نووية بالكمية ذاتها، مع أن تلك الكمية المتبقية كافية لتدمير العالم عدة مرات. علاوة على ذلك فإن الاسلحة تتطور باستمرار. 
لذا فإن مدى الخطر في الوقت الحالي مقلق ايضا. فما نراه اليوم هو إعادة التسلح، وبوادر سباق تسلح جديد. وهذا الأمر فظيع بحق. فكل الإنجازات التي حققناها سابقا وما توصلنا إليه من تفاهم مع الأمريكيين والسلوك المسؤول من قبل الطرفين، ذهبت أدراج الرياح. لذا التحدي الرئيس الآن هو كالآتي: طالما ما زلنا نحن الذين ساعدنا العالم على التخلص من الحرب الباردة، على قيد الحياة، فعلينا أن نجد حلا للتوتر الحالي. 
 
س: ذكرت أن العلاقات بين الاتحاد السوفيتي والولايات المتحدة كانت أكثر صعوبة آنذاك. رغم ذلك تمكنتم من إيجاد لغة مشتركة وبناء جو من الثقة والتصرف بمسؤولية. لماذا يصعب تحقيق ذلك في الوقت الحالي؟
ج: شخصيا أعتقد أن الأمر يتوقف على من هو المسؤول. فكثيرا ما يحتاج المسؤولون إلى الكفاءة والحكمة والشعور بالمسؤولية عند تعاملهم مع القضايا والأزمات الدولية.

س: البعض يقول إن سياسيي عصركم كانوا يعتمدون على الأفكار أما اليوم فيعتمدون على مصالح الشركات الكبرى..ما هو الفارق بين سياسي عصركم وسياسيي اليوم؟

ج:  أعتقد ان الاختلاف الأساس أخلاقي. أخلاق اليوم تجنح نحو أكبر قدر من الربح. كانو يسرقون روسيا. حتى الآن لا أستطيع مسامحتهم على ما فعلوا. ولاأستطيع مسامحة نفسي لأني كنت ليبراليا إلى حد بعيد ولم أرسل بوريس يلتسين إلى حيث كان يستحق. ذاك كان خطأي. سوء الإدارة يعتبر من أفدح الأخطاء. وهذا تتبعه أخطاء سياسية أخرى.
لماذا قدرت بوتين ودعمته في البداية؟ لأن روسيا كانت تتفكك. ولم يكن أحد ليدرك ما الذي كان يمكن أن يحدث وأية كارثة كانت ستقع..  ليس فقط في روسيا. البلد كان مخزنا لكل أنواع السلاح لقد كانت أمام بوتين مهمات أكبر من دراسة مبادئ الديمقراطية وكان عليه القيام بها. كان عليه توطيد السلطة والحفاظ عليها. كيف يمكن الحديث عن الدولة عندما كان ثلثا الجمهوريات يتجاهل الدستور الروسي.  كان هناك انهيار تام. الجيش كان يتفكك. كذلك النظام التعليمي والعلوم وكل شئ. لذلك ما فعله بوتين في المرحلة الأولى من حكمه سيدخل التاريخ. 

س :هل هناك ما لا تتفق عليه مبدئيا مع بوتين ومدفيديف؟

ج :لدي تحفظات جادة فيما يتعلق بالسياسات الحزبية. كيف تُشكل الأحزاب وتُدار.. لأن النظام البرلماني هو أساس الديمقراطية، الأحزاب السياسية تعبر عن التعددية ومصالح الفئات الإجتماعية المختلفة. هذا لم ينجح حتى الآن. ما هو حزب "روسيا الموحدة" ؟هم يقولون إنه الحزب الحاكم. هم فقط مجموعة بيروقراطيين، وهذا حقيقة وقد كتبت عن هذا في صحيفة "راسيسكايا غازيتا". ما فعلوه بنظام الانتخابات سيئ للغاية.  وإن كان هناك من يعتقد أن هذا التحديث يمكن إجراؤه بإرادة الدولة أو بمجهود مجموعة معينة فهو مُخطئ.  المجتمع يجب أن يدرك ويشارك وفي هذا ضمان النجاح. بوتين موثوق فيه حتى الآن،  إلا أن بعض النواقص بدأت في الظهور.
أهم شئ هو جعل النظام الانتخابي ديمقراطيا بحق ومنفتحا حتى يستطيع المواطنون المشاركة بصورة فعلية، أما ما يقترحه مدفيديف فهو شيء مختلف.
 
س: لقد ذهبت إلى الولايات المتحدة مؤخرا وتسلمت جائزة مارتين بروير. لقد بنى بروير فلسفته حول أهمية الحوار. وأنت بذلت جهودا كبيرة في بناء حوار مع الغرب. أنت أنهيت الحرب الباردة... هل يجرحك ما يجري اليوم بين روسيا والولايات المتحدة؟

ج: "الجرح" كلمة عاطفية، وهي تعني أنك لست سياسيا. لكنني أتأثر بكل ما يحدث في هذا المجال لأن الكثير مما كان في السياسة الخارجية الروسية وما سمح لنا بإنهاء الحرب الباردة في يوم ما وفتَح الباب للتعاون وبناء نظام عالمي جديد.. فُقد الآن. 
لقد كان هذا شيئا لا يصدق. لم يتحقق شئ كهذا من قبل.. فباب التغيرات الديمقراطية فُتح في روسيا. وأنا أشعر بكل ما يجري في بلادنا الآن. أنا إنسان حي ولست دمية.

س: هل هو خطأ روسيا أم أمريكا؟

ج: أنا ذكرت كل هذا في الولايات المتحدة. طلبوا نصيحتي حول ما يجري الآن  قلت لهم: أتدرون ، أنا  لست في قائمة مستشاريكم.. لكن طالما وجهتم إليَّ هذا السؤال.. فأنا لن أتجاهله. عندما قابلنا رؤساءهم  - ريغان ، وجورج بوش الأب - كان يجب التغلب على عقبات كثيرة. ومع غياب الثقة والصداقة استطعنا حل قضايا شائكة عن طريق الحوار. كنا نعتقد أنه من الصعب إيقاف سباق التسلح  لكنا فعلنا ذلك. لقد قلت ذلك في خطاب ألقيته في جامعة أمام اثني عشر ألف شخص وأقول هذا مرة أخرى. الولايات المتحدة تحتاج "لبريسترويكا" خاصة بها.. عندها صفق الحاضرون لي وقوفا. 
 اعتقدت أن هناك أشياء في الولايات المتحدة لا يمكن أن تستمر على هذا النحو.
انتخاب أوباما - رجل شاب، ممثل عرق آخر - هذا شيء لم يُسمع به في الولايات المتحدة. لكنهم أدركوا  أن التغيير لا يمكن أن يحدثه إلا رجل كهذا. الكل يتوقع التغيير.

س: ما هو رأيك في أوباما؟  
لقد كنت أراقبه. وأعتقد أنه رجل قدير، وأفعاله تشير إلى أنه إنسان ذكي واعٍ وهذا يعادل نقص خبرته وهو يستعين بفريق ذي حنكة كبيرة وخبرة عالية. ومع ذلك أعتقد أنه لن يتمكن من تحقيق تغيرات جذرية.. هذه هي الولايات المتحدة.

س:ما رأيكم في خطاب الرئيس مدفيديف في يوم الانتخابات الأمريكية؟
ج: أنا لا أدري ماذا حدث ليجيئ الخطابان في اليوم ذاته. لا أدري من غير المواعيد. لا أعتقد أنها كانت فكرة جيدة. مع ذلك فإنني لا أرى في هذا شيئا يسترعي الاهتمام. هما مجرد حدثين في حياة شريكين يحاولان تحديد علاقتهما. أتمنى للقيادتين الروسية والأمريكية أن تستفيدا من هذا التغيير. عندما يأتي أُناس جدد إلى السلطة يجب التحلي بالصبر والبحث عن الأجندة الضرورية لتحسين العلاقات الروسية الامريكية. 

س: هناك رأيان شائعان.. في الغرب يعتقدون أن روسيا لاتريد أن تكون مرنة.. ولديها طموحات إمبريالية.. وتريد إحياء الاتحاد السوفييتي... في روسيا نعتقد أننا لا نريد إلا تقوية موقفنا ودعم مبادئنا..

ج: أعتقد أن لا أحد في روسيا يريد في الحقيقة شن حرب على الولايات المتحدة.. لم نخطط نحن لذلك أيضا عندما كنا في السلطة ولا تريد القيادة الروسية الحالية ذلك. الكل رأى كيف بذل بوتين جهودا كبيرة لتحسين العلاقات.. وقراراته أثناء أحداث سبتمبر الشهيرة في مكافحة الإرهاب مع الولايات المتحدة.. لقد ذهب بعيدا في ذلك.
هو دعم بوش.. وهو ما يزال متمسكا بنهج التعاون. وهو ما لا يتوفر في الطرف الآخر.. موقفهم كان: أخيرا كل المنافسين في حالة سيئة وهذه هي فرصتنا لكسب كل ما يمكن كسبه.. 
 وقد اتخذوا ما يكفي من القرارات الاحادية الجانب.. غالبية الأمريكيين كانوا ضد الحرب في العراق. الملايين عارضوا وتظاهروا في أوروبا. مجلس الأمن كان ضد الحرب. روسيا وألمانيا وفرنسا وكل القوى الكبرى.. أعتقد أنهم ارتكبوا خطأ استراتيجيا.. فمن المستحيل تحقيق طموحات حكم العالم بأسره.  
فكرة الإمبريالية الجديدة.. لوّثت أمريكا بأسرها. روسيا كانت ضعيفة في ظل حكم يلتسين واقتصادها كان منهارا.. الموظفون كانوا لا يحصلون على رواتبهم ولم تكن هناك فرص للعمل. لكن جميع  زعماء العالم جاؤوا إلى روسيا وصفّقوا ليلتسين... في ذلك الوقت أدرك الروس ما يريده العالم منهم... أرادوا أن تكون روسيا مقيدة ومعدمة.. لكن هذا لا يمكن أن يحدث لروسيا.. والآن عندما بدأت روسيا بفرض نفسها.. أصبحوا نزقين لأنهم تعودوا أن يُملوا على روسيا ما يجب أن تفعل.


س:  إلى جانب روسيا هناك دول قوية أخرى تدخل الساحة الدولية وهي الصين والهند والبرازيل التي تختلف كثيرا هي الأخرى عن الدول الغربية. لكن اهتمام العالم يتركز على روسيا. هل يدل ذلك على حبهم لروسيا أم على كراهيتهم لها؟

ج: بالتأكيد لا ينبع ذلك من الحب، لكن باعتقادي أنه ليس من الكراهية كذلك.. وإنما من وعي الواقع.. فلروسيا تاريخ مجيد وموارد غنية، كما أنها ما زالت تمتلك ترسانة قوية من الأسلحة.. مواقف روسيا تحمل أهمية كبيرة.. وفي المقابل من المهم لروسيا مع أي طرف ستكون.. إن التعاون مع أوروبا والولايات المتحدة هام جدا، لكن عندنا جيران وشركاء آخرون مثل إيران وتركيا والهند والصين.

س: ماذا عن رابطة الدول المستقلة؟

ج: إنها أولويتنا.

س:  إذا، هل الأهم لروسيا أن تعزز رابطة الدول المستقلة مع إيجاد فضاء اقتصادي مشترك من أن تكون جزءا من العولمة؟

ج: كنا أوشكنا على إيجاد فضاء اقتصادي مشترك حين كان /ليونيد كوتشما/ رئيسا لأوكرانيا. دولنا الأربعة وهي روسيا وبيلاروسيا  وأوكرانيا وكازاخستان كانت تمتلك ثمانين في المئة من القدرات الاقتصادية للاتحاد السوفييتي.. كانت قوة كبيرة...
 غير أن بعض المشاكل عرقلت هذه العملية.. أحداث القوقاز وكذلك التغيرات السياسية في أوكرانيا. هم ما زالوا يفكرون أن روسيا تنوي بناء إمبراطورية جديدة..

س:  والأمر ليس كذلك؟

ج: أبدا.. حين كانت صحيفة /Le Figaro/ تجري مقابلة مع /فلاديمير بوتين/ طرحت عليه السؤال ذاته حول الطموحات الإمبريالية، وقد قال "لا" قطعا. وأشار إلى أن موقف روسيا هو الذي سبب انهيار الاتحاد السوفييتي.. ولولاها لكان الاتحاد السوفييتي قائما حتى الآن.. وإذا كانت روسيا ساهمت مساهمة حاسمة في تفكيكه فكيف يمكن الحديث عن وجود طموحات إمبريالية لديها؟ بصراحة، لأول مرة كنت أسمع مثل هذا الكلام من /فلاديمير بوتين/.
أظن أن ما تحتاج إليه روسيا ودول الاتحاد السوفييتي السابق هو التعاون الاقتصادي. وكنا أعددنا آنذاك مثل هذه الاتفاقية لكن الانقلاب السياسي في روسيا منع دون تنفيذها.. الاتحاد الأوروبي حقق ذلك النموذج الذي أردنا تحقيقه عبر بناء فضاء اقتصادي مشترك.. لكننا قطعنا شوطا أبعد في هذه الاتفاقية وخططنا لبناء نظام دفاعي مركزي.. لو تحقق ذلك لكان أمرا إيجابيا.. فالاتحاد الأوروبي يحاول الآن أن يرسم ملامح قوات مشتركة، لأنه لا يستطيع الدفاع عن نفسه دون الولايات المتحدة.   
 
س:  برأيكم، هل ستنضم روسيا إلى الاتحاد الأوروبي؟

ج: التقيت المستشار الألماني الأسبق /هلموت كول/ منذ عامين.. تبادلنا آراءنا حول موضوع شيق جدا وهو مصير الفرد في أوروبا الموحدة.. فقال أحد الحضور - إذا كان هناك عدد كبير من المسائل يرتبط بروسيا فيجب أن تنضم إلى الاتحاد الأوروبي. وهنا  نهض صديقي القديم /هلموت/ ذو الوزن الكبير وصرخ: ماذا تقول؟!! لا أحد من الجانبين جاهز لذلك. يجب أن نمر عبر مراحل معينة قبل ذلك. ومع أن رده كان عاطفيا فهو كان على حق. وأنا أفهمه.. إذا انضمت روسيا إلى الاتحاد الأوروبي فإن ذلك سيضعف موقف ألمانيا فيه. إذا، ليس ذلك أمرا مستحيلا، لكن لا بد أن تتغير أشياء كثيرة قبل ذلك. كما أن الاتحاد الأوروبي لا يقبل دولا جديدة في عضويته في الوقت الحالي.  
من جهتنا، يمكن أن تكون لدينا علاقات تعاون مثمرة مع الاتحاد الأوروبي.. وحتى علاقات تعاون استراتيجي. لكن على أوروبا أن تأخذ هذه العلاقات على محمل الجد. إذ عندما تقوم روسيا بخطوات معينة ردا على تهديد واضح فالأوروبيون يصبحون نزقين مثل سيدات. يجب على أوروبا أن تحترم روسيا وتتحمل المسؤولية. روسيا تأخذ مواقف أوروبا بعين الاعتبار حين تضع مخططاتها. يمكن أن تكون عملية التحديث الشاملة في روسيا ناجحة إذا كانت مبنية على التعاون مع أوروبا قبل كل شيء.

س: حضرتكم الشخصية السياسة الوحيدة في روسيا التي قالت إن الاعتراف باستقلال أبخازيا وأوسيتيا الجنوبية كان خطأًً. ما رأيك في هذا النزاع؟

ج: أنا تعبت من هؤلاء الجورجيين. أحبهم قدر ما أحب الروس. وأنا مسرور لأن الروس وعلى الرغم من هذه الأحداث الدرامية لا يشعرون بالخيبة من الجورجيين.. وعلى العكس.. جدُّك وأنا احتفلنا بذكرى مرور مئتين وخمسة عشر عاما على توقيع معاهدة /غيورغيفسك/ التي أصبحت جورجيا بموجبها تحت حماية الامبراطورية الروسية.. إنه كان حدثا كبيرا.. يكثر الحديث الآن حول أن روسيا تستعبد جورجيا.. لم نحتل الأراضي الجورجية أبدا.. وما أكثر الجورجيين الذين دخلوا تاريخ روسيا. كل يوم في طريقي إلى العمل والعودة إلى البيت أمر بجانب تمثال /باغراتيون/ - الجورجي الذي كان من أبطال حرب عام ألف وثمانمئة واثني عشر مع نابليون /napoleon/. هناك أشياء كثيرة تذكرنا بعمق العلاقات بين روسيا وجورجيا. هل تعرفين ما هو عدد الجورجيين العاملين في روسيا؟  نحو مليون...حين كانت الحرب العالمية الثانية على وشك الانتهاء فكر الإنجليز بجد في تنظيم الأوضاع في أوروبا بحيث لا تكون هناك دولة ألمانية. المشروع الأمريكي قضى بتقسيم ألمانيا إلى عدة دول. الاتحاد السوفييتي وحده كان يؤيد ألمانيا موحدة.  إذا تم إنشاء اتحاد يضم روسيا إلى جانب أوكرانيا وبيلاروسيا وجورجيا على غرار الاتحاد الأوروبي فقد يظهر هناك شيء جديد.

س: هل هذا أمر واقعي؟

- ليس الآن.. لكن في يوم ما سيختفي من يعارض هذه الفكرة. وسيصبح ذلك أمرا ممكنا. لكن حتى استطلاعات الرأي تقول إنه لا يجب أن تنشأ دولة موحدة.. كما قلت ما نحتاج إليه هو التعاون الاقتصادي.

س:  الامبراطوريات العظيمة محكوم عليها بالانهيار. حضرتك كنت الزعيم السوفيتي الأخير.. لو كان بوسعك العودة إلى الماضي.. هل كنت ستغيره؟

ج: بالطبع، لغيرت بعض الأشياء.. كان علينا إصلاح الحزب الشيوعي.. لم يكن لدينا إلا حزب واحد وكل شيء كان مبنيا عليه. كانت علينا إزالة مركزية الحكم في الاتحاد السوفييتي على الفور.. وإعطاء الحقوق الكاملة للجمهوريات المستقلة.. مع الإبقاء على ما أسميه دولة اتحادية ديموقراطية.  
لو كان في وسعي لأقدمت على زيادة المرتبات للمدرسين والعاملين في قطاع الصحة وكذلك مستحقات المتقاعدين.. وفي هذا الوقت بالذات هبطت أسعار النفط إلى مستوى عشرة أو اثني عشر دولارا للبرميل. السعودية خفضت الأسعار بطلب من الرئيس الأمريكي /رونالد ريغان/. هذا كان بمثابة الطعن في الظهر.
كان علينا أن نأخذ خمسة عشر أو عشرين مليون دولار من الميزانية الدفاعية ونصرفها لدعم السوق.. لأنه طالما بقيت هناك بضائع في المحلات سيدعمك الناس ولن يهتموا بالصراع على السلطة. لذا، مهما قيل عن فلاديمير بوتين، سيدعمه الناس طالما لم يكن هناك نقص في البضائع.

س:  هل تفتقد أيام الاتحاد السوفييتي؟ وماذا الذي تفتقده بالتحديد؟ 
ج: بالطبع أنا أشعر بالحزن مما حصل. ألفت عدة كتب قلت فيها إنه كان من الممكن الحفاظ على الاتحاد السوفييتي. واللافت أن الناس لا يريدون العودة إليه حسب استطلاعات الرأي. لكن التعاون الاقتصادي الذي اقترحته لو تحقق لخلق واقعا جديدا.. وحين يتحقق هذا التعاون لن تكون هناك حاجة لنشر منظومات صواريخ دفاعية لأن الناتو سيكون جزءا من النظام الشامل.. كما أنه لن تعودَ هناك قضايا ملحة أخرى.. لكنني أعترف أنها مجرد فكرة...

س:  بآرائك هذه هل يمكن أن تقود روسيا المعاصرة؟

ج: لا.. لقد أكملت فترة عملي.. يمكنني أن أساعد، أن أعطي نصائح، أن أشارك في العملية السياسية، وهو ما أفعله حاليا.. لكن الجيل الجديد يجب أن يتولى الأمور.. إنه لهام جدا أن تخرج من السياسة في الوقت المناسب.

س: هل هناك أصدقاء في السياسة؟

ج : نعم، طبعا. كنا أصدقاء مع جدك.. بدأنا مسيرتنا معا في المنظمات الشبابية وأنهيناها هنا في موسكو.

س:  من مقولات جدي المفضلة إنه ليس هناك منصب يستحق سفك الدماء.

ج: نعم، عقيدتنا كانت تقضي بتفادي سفك الدماء قدر المستطاع..

س:  يبدو أنكم من آخر الليبراليين في الاتحاد السوفييتي السابق وفي روسيا..

ج: لم ننجز مهمتنا.. لكن حين أوقفونا.. أوقفوا البرسترويكا لم يعد هناك طريق للعودة.

س:  كثير من الناس يسألون عن الحياة التي يعيشها حاليا آخر زعيم للاتحاد السوفييتي..

ج: أحب التردد إلى شاطئ البحر.. إلى دول أخرى مع عائلتي.. لكن في العام الماضي لم أسافر إلى أي بلد بسبب حالتي الصحية.. إنها في ترد مستمر.. 
 
س:  هل تؤمن بالله؟

ج: كنت قد أجبت على سؤالك هذا.. سبق لي أن زرت ديرا في إيطاليا فكتبت الصحف على الفور أنني تبنيت الكاثوليكية.. فرددت قائلا إنني أقصد المعالم الدينية في كل الأماكن التي أزورها - المعابد البوذية والمساجد والكنس اليهودية لأنها كلها جزء من ثقافة شعوب العالم. أنا معمَّد، لكنني لم أكن أبدا أؤمن بالله.

س:  ما هي أهم ثلاثة أحداث في حياتك؟

ج: ولادتي والتخرج في جامعة موسكو ولقائي وزواجي بـ /رئيسة/.

شكرا جزيلا لك.

تعليمات استخدام خدمة التعليقات على صفحات موقع قناة "RT Arabic" (اضغط هنا)