مدفيديف حول الاقتصاد الروسي: التنبؤات غير مفرحة فعلا ومعقدة نسبيا

مال وأعمال

انسخ الرابطhttps://arabic.rt.com/prg/telecast/25737/

نص المقابلة الصحفية التي اجرتها قناة "روسيا" التلفزيونية مع الرئيس الروسي دميتري مدفيديف

س- السلام عليكم يا دميتري أناتوليفيتش!

ج- وعليكم السلام. من المهم جدا قول الحق في حياتنا والحديث حول الصعوبات التي يواجهها العالم بكامله ويواجهها بلدنا أيضا. فأعتقد أنه يجب على السلطة أن تتحدث عن ذلك بصراحة واستقامة. كما يجب عليها أن تتحدث عن القرارات التي تتخذها لتذليل الأزمة وعن الصعوبات التي نواجهها. ولذلك يمكن أن يتناول حوارنا اليوم هذه القضية في رأي. وأظن أنه يجب أن يكون لحديث السلطة حول هذه القضايا بالذات في الظروف الحالية طابع منتظم. ويجب أن يكون هذا الحوار منتظما.

س- شكرا لدعوتكم. الأسئلة ليست بسيطة في ظل الأزمة. وقد لفتت نظر الجميع كلمتكم في الإجتماع الإقتصادي يوم الإثنين. وقد قلتم فيها أن التنبؤات لا تفترض إنتعاش الإقتصاد العالمي حتى عام 2010 ودعوتم إلى "الحفاظ على الموارد الضرورية في حال استمرار الأزمة بعد العام الجاري". وفي هذا الصدد هناك سوأل حول مدى متانة نظامنا المالي ولأى فترة يكفينا ما توفر لدينا من "وسادة الأمان"؟

ج- التنبؤات غير مفرحة فعلا ومعقدة نسبيا. وتعطي أغلبية الخبراء والوكالات التحليلية تنبؤات مختلفة ولكن كلها معقدة. وبطبيعة الحال علينا أن نأخذ بعين الإعتبار سيناريوهات تنموية معقدة بما فيه كفاية. ولكن ذلك لا يعني أنه لا يوجد لدينا مخرج من هذا الوضع أو أن وضعنا مقلق للغاية... لا... الوضع واضح بدرجة كافية عموما وتحت المراقبة . ولكن يجب علينا أن نقوم بخطوات معينة  ستساعدنا في تذليل تداعيات ألأزمة ليس في العام الجاري فحسب بل ويُحتمل في العام القادم. وتجدر الإشارة الى أنه في الفترة الأخيرة خلال 5 أو 7 سنوات قد وفرنا احتياطات كبيرة نسبيا بهدف استخدامها في حال تأزم الوضع المالي الإقتصادي. وإذا صرحنا القول ففي السنوات الأخيرة تعرضت الحكومة لإنتقادات لاذعة. وقيل: "لماذا تضخون أموالا هائلة في صندوق الإحتياط؟ لا بد من صرفها فورا... الحياة واحدة... وبقدرما نصرف الأموال أسرع بقدرما نحصل على نتائج بصورة أسرع". وقد أثبتت ألأحداث الأخيرة صحة قراراتنا . أما الدول التي صرفت أموالها بلا تفكير رغم إمكانها تأسيس صناديق الإحتياط وصناديق الأجيال القادمة فهى على وشك الإفلاس حاليا. أما وضعنا نحن المالي الإقتصادي فهو مستقر بصورة مطلقة. وندخل تعديلات في الميزانية. نعم، هذه الميزانية معقدة. وفي هذه الميزانية ظهر عجز. ولكننا رغم ذلك على حساب صندوق الإحتياط والمصادر الأخرى سنتمكن من تغطية كل مصروفاتنا بما فيها المصروفات الإجتماعية في السنة الجارية والسنة القادمة والمرور عبر أصعب مرحلة للأزمة المالية. وبهذا المعنى أعتقد أن ألسياسة المالية ألتي انتهجناها في الفترة الأخيرة قد أثبتت فعاليتها.

س- وهناك مشكلة كبيرة أخرى. وهي البطالة... ألأرقام مقلقة. ووفقا لمعلومات وزارة الصحة والتنمية الإجتماعية التي تتابع الوضع بصورة دائمة إزداد عدد العاطلين عن العمل في أثناء الأسبوع الماضي ب90 ألف شخص. وتبلغ البطالة بشكل عام مليون و 735  الف  شخص. هل تنوي الدولة أن تساعد الناس الذين وقعوا في هذا الوضع المأساوي، أو سيتغلب الناس على صعوباتهم بأنفسهم؟

ج- طبعا هذه أكبر مشكلة وأشد ألم اليوم لأن الأزمة دائما تؤدي إلى تقلص عدد فرص العمل وإغلاق المؤسسات الإنتاجية وزيادة البطالة. ويحصل ذلك في بلدنا أيضا للأسف. إما الأرقام التي ذكرتموها فهي أرقام البطالة المسجلة رسميا. ولكن هناك بطالة خفية. ويجب علينا أن نبدي إهتمامنا بها أيضا. ولكن بطبيعة الحال الشىء الأهم هو إعداد الإجراءات الضرورية. وما هي هذه الإجراءات؟ أولا إمكانية تعويض العاطلين عن العمل بحجمه المتزايد الذي نقترح به اليوم. وهذه إجراءات قصيرة ألأمد. ومن الإجراءات طويلة الأمد تبديل فرص عمل بفرص عمل أخرى. وفي حال إغلاق مؤسسة إنتاجية أو إيقافها موقّتا علينا أن نوجه جهودنا بما فيها أموال الدولة إلى إيجاد فرص عمل جديدة. وهذا ما يحصل الآن. ونقوم في الوقت الحاضر بالتعاون مع ألسلطات الإقليمية بإعداد برامج خاصة لدعم فرص عمل جديدة. وسيتم تمويل هذه البرامج من قبل السلطة الفيدرالية والسلطات الإقليمية. وتخصَص  إضافيا 44 مليار روبل لهذه الأغراض. وعلى أساس هذه الأموال لا بد من إيجاد فرص العمل بما فيه في القطاع الخاص الصغير والمؤسسات الإنتاجية الجديدة وبناء مشاريع جديدة قادرة على إيجاد فرص عمل جديدة ،على سبيل المثال بناء طرق ومشاريع أخرى تابعة لبنية تحتية. وسنقوم بالعمل في هذا الإتجاه حتما. وأخيرا يعتبر برنامج إعادة التأهيل من الإجراءات الهامة جدا. وللأسف في ظل الأزمة يُضطر شخص إلى تغيير مكان عمله في بعض الأحيان. وذلك لا يعنى أنه في بلدنا لا توجد فرص العمل. وإجمالا في بلدنا شواغر كثيرة جدا. ولكن بطبيعة الحال لا يريد شخص متخصص بمهنته تغييرها بمهنة أخرى ربما أقل هيبة. ولكن في بعض الأحيان سيكون مضطرا إلى القيام بذلك.

س- حاجز نفسي...؟

ج. نعم حاجز نفسي وأموال. ولذلك ستخصص أموال كبيرة لاعادة التأهيل  بما فيها أموال من الميزانية الفيدرالية والميزانيات الإقليمية. وبودي القول إنه ينبغي على  السلطات الإقليمية القيام بهذا العمل بمسؤلية إستثنائية. وهذا الأمر أشد أهمية. ولا يمكن إن تكون هناك مماطلة في إقرارهذه البرامج. وتنفذ أغلبية الأقاليم هذه المهام. ولكن في عدد من الحالات تعمل السلطات بصورة بطيئة. وحسب المعلومات التي قدمتها لي الحكومة هناك مشاكل في هذا المجال في منطقة الشرق الأقصى (في إقليم بريموريا) وفي مقاطعة ريازان ومقاطعة سفيردلوفسك. وبودي أن تُتخذ هذه القرارات بأسرع وقت ممكن لأن مصير ألوف من الناس يتوقف على هذه القرارات. ولا يمكن اللعب بذلك.

س- يا دميتري أناتوليفيتش، هناك موضوع يهتم الجميع به وهو إنخفاض الدخول الحقيقية لأنه  تغير سعر صرف الروبل كثيرا خلال الشهر وإنخفض فعلا سعره بمقدار ثلاثين في المئة مقابل سلة العملات. ماذا يحدث بالروبل في التالي ،وما هى المهام التي تسندوها  للهيئات المالية؟

ج-   نعم، بالحقيقة تغير سعر صرف الروبل وتم إنخفاضه ويرتبط ذلك بالتغيرات  في الإقتصاد. بدأنا  نحصل إيرادات أقل وإرتفعت مدفوعاتنا بالعملة الصعبة مما أثر على سعر صرف الروبل الحقيقي. كانت هذه التغيرات لا بد منها ،ولكنه كان يتوجب علينا أن نطبقها بإنتظام وبصراحة مثلما طبقها برأي المصرف المركزي. لم نقل إن الروبل لا بد من تجميده. في الوقت الراهن يتوافق سعر صرف الروبل الذي توصل إليه بحسب المصرف المركزي مع الحالة الحقيقية لعملتنا وقيمتها الفعلية اليوم. طبعا سيراقب المصرف المركزي هذه القيمة بحيث لا تتغير تغيرا حادا. هناك شيء آخر أهم برأي من السابق ،وهو أن إنخفاض سعر صرف الروبل تم بالتدريج دون تغيرات حادة وليس بتلك الطريقة الهمجية التي تم إستخدامها في عام 1998 عندما نحفت جزادين المواطنين بنسبة 300 في المئة فورا ،وأجتاحتنا كلنا هذه الموجة المؤلمة جدا. على عكس الماضي تم الإنخفاض الحالي الذي تساوي نسبته 30-35 في المئة تقريبا بشكل تدريجي و منتظم ،ما سمحت لكافة مواطنينا والمؤسسات ومشاركي العلاقات الإقتصادية بإختيار إستراتيجية معقولة مناسبة لصرف أموالها بالروبل والعملات الاخرى.
أعتقد أن هناك فائدة مباشرة للجميع وتأثير إيجابي على أمور القطاع المصرفي ،مما ساعد في الإحتفاظ بثقة المواطنين بنظامنا المصرفي وبحالته العامة. وهذا أمر مهم جدا لتأمين الاستقرار لكي تتمكن الدولة واقتصادها من العمل الطبيعي.

س- هذا يعني انكم قررتم عدم اللجوء إلى هزة صدمية وعدم قطع كل شيء دفعة واحدة.

ج- بالطبع ، وذلك بغض النظر عن أراء بعض خبراء الاقتصاد بضرورة وجود قفزة ما  قد تكون لازمة من منظور نماذج اقتصادية ما ،مع أنها كانت قد تؤدي إلى عواقب فتاكة لملايين من مواطني بلادنا وشركاتنا. أما ما فعلناه نحن فيتماشى عمليا تماما بما فعله معظم الدول الرئيسية الدول ذات اقتصادات متنامية والتي وقعت في نفس موقفنا حيث كانت نسبة كبيرة للصادرات وحيث انخفض حجم واردات العملات الدولية وحيث اضطرت الدولة  لتخفيض سعر عملتها.

س- يحتاج الكثيرون الآن إلى المساعدة ويتم تقديم هذه المساعدة حقا ، ولكن بالإضافة إلى الشركات الحكومية تقدم المساعدة إلى الشركات الخاصة. لماذا؟

ج- الإجابة على هذا السؤال بسيطة جدا. لا يتكون اقتصادنا من الشركات الحكومية فقط بل ويتكون من منشآت قطاعات  اقتصادية أخرى بما فيها الشركات الخاصة حيث يعمل ملايين من المواطنين وأحيانا تكون تلك الشركات كبيرة جدا وتعتبر منشآت اقتصادية مكونة للمدن والتي يعمل فيها عشرات وحتى مئات آلاف من الناس العاملين فيها أو المرتبطين بها بطريقة أو أخرى. لهذا السبب نساعد الشركات الحكومية والخاصة على حد سواء ،علما بأن عليها تجاوز هذه المرحلة بأقل ما يمكن من الأضرار. هذا لا يعني أنه تقدم المساعدات لأصحاب الشركات  - على أصحاب الأسهم أن يعتنوا بشأنهم بأنفسهم - يدور الحديث هنا حول دعم المنشآت بالذات.

س- هل أنتم مقتنعون بأن تلك المساعدات المالية القيمة في هذا التوقيت بالذات ستصل إلى من أرسلت إليهم؟

ج - إن الغاية من وجود الدولة هي إجراء المراقبة على توزيع أموالها ، لأنه دائما يوجد هناك من يرغب في الاستفادة منها . لكنني متأكد من أننا تمكنا في الظروف الحالية من تهيئة نظام المراقبة الفعالة. مثلا أنا شخصيا أصريت على إلحاق مراقبين خاصين من ناحية المصرف المركزي على مصارفنا لكي لا يعمل نظام المصارف في سبيل تلبية احتياجات المصارف نفسها ،بل ويعمل لصالح قطاعات الاقتصاد الحقيقية ولصالح المواطنين الاعتياديين، ولكي يؤمن دفع الرواتب ، ولكي تعطي المدخرات مردودها مغذية لاقتصادنا بصورة طبيعية. وعلى إجراءات المراقبة مثل تلك المذكورة أن تتحقق من أسفل النظام إلى أعلاه وبالعكس. لقد أعطيت كافة التعليمات اللازمة للوزراء والممثلين المفوضين لرئيس الجمهورية وللجهات الأمنية والنيابة العامة وتحدثت مؤخرا حول ذلك أمام هيأتي قيادتي الأمن والداخلية أنه تتلخص المهمة الرئيسية للجهات الأمنية اليوم في المراقبة بأدق انتباه ممكن على صرف أموال الدولة المخصصة لدعم اقتصادنا ،ويعتبر ذلك أمرا مهما جدا.

س- من المحتمل أنه سيزداد دور هيئات الاستخبارات  المالية بصورة جدية ،لأنه عادة ،وهذا يحدث عندنا حقا ، بعد تخصيص الأموال لا تراها عين...؟

ج- اعتقد أن هيئات الاستخبارات المالية  والمراقبة المالية يجب ان تراقب هوية الأموال وإلى أين توجه. وفي حال كشف تهرب الأموال يجب اعتبار ذلك دافعا لإجراء التحقيقات ،لإجراء كما يقال عندنا استخلاص نتائج الطيران.

س- إننا نسمع ونشاهد يوميا ماذا تعمل السلطة المركزية في سبيل تجاوز الأزمة المالية. اما إذا نزلنا إلى مستوى أدنى بقليل ،أي إلى مستوى الأقاليم ، فهل يعمل الرؤساء المحليون هناك بصورة منسقة ،وهل لديهم الشعور بالمسؤولية؟

ج-  برأيي هذا الموقف المعقد وهذه الأزمة الاقتصادية توفر إمكانية اختبار كفاءة كل مسؤول. من السهل العمل في ظروف توفر عائدات كبرى وفي مقدمتها  عائدات تصدير الغاز والنفط. عندها لا يجتهد المسؤولون، أما الأرباح فتستمر بالتقاطر والإنهمار على رؤوسهم. واعتبروا ذلك الوضع رائعا. أما الآن فعليهم أن يتدربوا على ترشيد النفقات ، أي صرف اموال الميزانية بصورة متعقلة وإظهار أنفسهم بصفة مسؤولين قادرين. أظن أن منظومتنا القيادية عموما جاهزة لمواجهة هذه القضايا ،وهذا لا يعني أننا نتغاضى عن تقصير المسؤولين في واجباتهم وعدم كفاءتهم وتكاسلهم وتماهلهم. من المستحيل في هذا الموقف تمسيد شعرالرأس لمسؤول ما والتساهل معه داعين  إياه لاستجماع قواه. في مثل هذا الوضع سنضطر لاتخاذ قرارات جدية إذا لم تنفذ القوانين المتخذة سابقا. هذا الموضوع مهم جدا. ولذلك موضوع الالتزام بتنفيذ القوانين ،وله أهمية قصوى ، دائما يتخذ في بلادنا اولوية بالغة.

س- ولكن لا بد من إنفاق الأموال الحكومية بضمير حي. نكتفي أن نذكر هنا ذلك الحدث المأساوي الذي وقع في جمهورية كومي.

ج- بالطبع. ما يؤلمنا  ويخيفنا بأشد صورة ممكنة هو وقوع ضحايا لا يستطيعون التحرك وذلك نتيجة اللامبالاة والإهمال والاستهتار بالعجائز الساكنين في دار المسنين الذي ليس له قيدا في السجلات. إنها قصة مرعبة وعلينا إكمال التحقيق في ألقضية حتى النهاية وعلى جهات التحقيق تحديد هوية المذنبين ومن ثم إنزال أشد العقوبات اللازمة بهم وفق أحكام القانون الجنائي ،كما يجب إقالة المسؤولين الإداريين عن هولاء المذنبين لسماحهم لهم ارتكاب هذه الجريمة. وقد تم اتخاذ بعض القرارات ،وبالطبع سنتقصى الامور في هذه القضية حتى النهاية.

س- من الواضح أن الوضع صعب ومن الواضح أنه يتم اتخاذ الإجراءات المطلوبة. هل سنتجاوز؟

ج- سنتجاوز بالطبع. من المؤسف أننا سنضطر لتأجيل تحقيق بعض الاحتمالات المتوقعة إلى بعد يوم الغد بدلا من تحقيقها غدا. سنتجاوز وسندرك الوضع وستكون الأمور على ما يرام. يجب العمل وتنفيذ الواجبات لكل منا في مكان عمله، ويجب أداء العمل بضمير حي وبصراحة دون الاستخباء في مكان ما ، وفي هذه الحالة سيضبط كل شيء.

تعليمات استخدام خدمة التعليقات على صفحات موقع قناة "RT Arabic" (اضغط هنا)