هل من حضارات خارج كوكب الأرض؟ بين معادلة دريك ومفارقة فيرمي

الفضاء

انسخ الرابطhttps://ar.rt.com/p6jw

ضيفنا في هذه الحلقة البروفسور دميتري فيبي، وهو عالم فلك روسي يعمل على تبسيط العلوم وترويجها..

حاصل على شهادة دكتوراة دولة في علوم الفيزياء- الرياضية، رئيس قسم فيزياء ونشوء النجوم في معهد علم الفلك التابع لأكاديمية العلوم الروسية. في عام 2016 غدا دميتري فيبي الأول ضمن قلة ممن حصلوا على لقب "بروفيسور أكاديمية العلوم الروسية" الذي يمنح تقديرا لإنجازات علمية على المستويين الوطني والدولي. وهو مشارك دائم في منتدى "علماء ضد الخرافات". وتجدر الإشارة إلى أن محاضرته في عام 2019 بعنوان "لماذا لم تعد تحلق الأطباق الطائرة؟" كانت الأكثر رواجا على مدى السنوات الثلاث عشرة من نشر مواد المنتدى المذكور في موقع "يوتيوب"..

في هذه الحلقة نتطرق إلى أهم ما ورد في تلك المحاضرة.

خالد 1

مرحبا بك بروفسور... يسعدني أن نلتقي من جديد.

فيبي 1

اهلا يا خالد.

 خ 2

لنتحدث اليوم عن احتمالات وجود حضارات خارج كوكب الأرض. أنت طبعا خير من يعلم أن احتمالا كهذا قائم، بل ويمكن حسابه وذلك من خلال "معادلة دريك" و "مفارقة فيرمي". ألا يبدو لك كل شيء منطقيا هنا؟ خاصة وأن معادلة دريك التي يجري بناء عليها تقديرُ احتمالات وجود حضارات خارج كوكب الأرض.. واحتمالات تعرف سكان الكرة الأرضية على هذه الحضارات.  ألا ترى منطقا ما في مثل هذه الأبحاث إذا أخذنا بالاعتبار تأكيدك شخصيا أن لا شيء في الكون بنسخة واحدة؟ وطالما أن هناك حياة على الأرض فبالتأكيد يمكن أن تظهر في مليارات المجرات الأخرى مليارات الكواكب المأهولة. كل شيء يقدَّرُ بأرقام كبيرة. وإذا كان الأمر كذلك كيف يمكننا التأكيد أننا فريدون ووحيدون.. وأن كوكب الأرض هو المكان الوحيد حيث توجد فيه الحياة؟

ف 2

يمكننا ذلك.

خ 3 

حقا؟

ف 3

 نعم.

خ 4

ولكن كيف تفسر ذلك؟

ف 4

تكمن القضية في أن معادلة دريك   Dreikلا تنطوي على أي مغزى عميق من وجهة نظر الفيزياء. إنها صيغة منطقية إلى أبعد حد. معادلة دريك منطق محض.. رياضيات محضة.. نظرية احتمالات. إذا كان ثمة حدث ما نتيجة وقوع أحداث مستقلة بعضها عن بعض، فإن احتمال وجوده في مكان ما آخر يعادل ناتج احتمال الأحداث التي يتشكل منها. وهذا كل شيء. هذه هي معادلة دريك. وهي لا تستند إلى قوانين فيزيائية. وهي أيضا لا يمكن أن تكون خاطئة. والعلماء أخذوا يحسبون الاحتمالات بناء عليها. ولنخترْ مثلا نجما ما في السماء. نضرب مؤشر هذا الاحتمال بمؤشر احتمال أن يكون الكوكب على مسافة من النجم ملائمة للحياة. ثم نضرب هذا بمؤشر احتمال أن الكوكب سيكون له سطح. ثم بعد ذلك نبدأ الضرب بمؤشرات احتمال وجود الماء ووجود غلاف جوي ووجود الحياة التي يمكن أن تظهر أو قد ظهرت فعلا. على هذا النحو يتأتى ناتج الاحتمالات. وهذا كل شيء. قد تكون الاحتمالات كثيرة عددا. والآن لدينا معلومات جيدة عن بعضها أي عن تلك التي لا تتعلق بوجود الحياة بل بوجود كواكب شبيهة بكوكب الأرض. نحن نعرف أنها موجودة، ونعرف أن مؤشرات هذه الاحتمالات كبيرة جدا بالفعل..

على أقل تقدير قرب نجوم من نمط الشمس. غير أنه عندما نبدأ حساب الاحتمالات المتعلقة بوجود الحياة على مثل هذه الكواكب تبرز المشكلة. لأننا لا نعرف كيف ظهرت الحياة على الأرض ولا نعرف أية أجرام سماوية أخرى ظهرت عليها الحياة لكي نجري المقارنة. ووفقا لذلك نحن لا نعرف شيئا عن مؤشرات احتمال كهذا. ولكن ثمة كثير مما يوحي بالافتراض أن هذه المؤشرات قد تكون ضعيفة جدا. نعم، هناك بالفعل مئات مليارات النجوم ومئات مليارات المجرات ولكن احتمال وجود حياة عليها قد يكون ضئيلا للغاية. نحن لا نعرف عن هذه الاحتمالات عمليا أي شيء.

خ 5

غالبا ما يستند أنصار نظرية الخلق إلى أن احتمال نشأة الحياة عبر التولد الذاتي  أو التلقائي تعادل نسبة ضئيلة للغاية. حوالي  10 أس ناقص ثمانون. وهذا يعني أنه احتمال ضعيف جدا. قال أحد الفيزيائيين الأمريكيين إن احتمال تولد الحياة من تلقاء ذاتها مثله مثل احتمال تجميع طائرة بوينع 747 من قطع غيار بواسطة زوبعة... هل توافق على هذا القول؟ أو ربما توافق على القول إننا مشروع حضارات خارج كوكب الأرض موجودة  في بعد آخر.. في كون آخر.. وتبعا لذلك كل العالم حولنا يستوعب في إطار نظرية تعدد الأكوان؟ وعلى العموم هل هذا ممكن من وجهة نظرك؟ وأنتم شخصيا.. هل بوسعك التسليم بمثل هذا الاحتمال؟

ف 5

بكل سهولة.

خ 6

بسهولة؟

ف 6

ولكن مرة أخرى أكرر أن لا معنى أبدا لهذا الكلام. لأننا عندما نقول إن حضارتنا هي مشروع طرف ما خارجي يمكننا هنا أن نوقف أبحاثنا وألا نتناول بعد ذلك أية مواضيع علمية متعلقة بنشأة الحاة والكون. فإما أن نفسر ظاهرة ما من وجهة نظر العلم وإما أن نقول إن كل شيء من صنع البارئ - أي الله. بعد ذلك ينتهي الحديث ونتحول الى الأساطير الدينية.

خ 7

ولكن لماذا؟ فحتى من وجهة نظر الدين - على الأقل من وجهة نظر الديانات المتقدمة التي لا تنفي العلم- فإن إدراك العالم المحيط جزءٌ لا يتجزأ من حياة البشرية. ويجب إدراك القوانين التي وضعها الرب لإدراك عظمته هكذا يقول أهل الدين مها اختلفت تسمية الإله: "العقل الأسمى" أو الله ... وفي جميع الأحوال علينا أن نعقل تلك القوانين التي خُلقنا وفقها. فلماذا يجب أن نوقف العمل؟

ف 7

ولكن في كل الأحوال ستظهر مشكلة. لأن البشر سيتحولون الى الأساطير الدينية عن الخلق

خ 8 

ولكن هذا لا يعني أنه يجب التوقف عن البحث العلمي؟

ف 8  

إذا كنا نتحدث عن الاعتراف بنظرية المشروع العاقل فهذا يعني أن مثل هذا التوقف قد يحدث.. ليس الآن إنما في المستقبل. الروايات الدينية تدعي تقديم أجوبة عن جميع الأسئلة.

خ 9 

إجمالا لحديثنا: هل يمكننا القول إنك تستند في مناظراتك إلى عدم وجود براهين؟ أنت لا تنف إمكانية وجود سكان كواكب أخرى إنما تنطلق من عدم وجود أية إثباتات لدينا. وهذا لا يعني التطابق القطعي بعدم وجود حضارات خارج كوكب الأرض؟

ف 9  

طبعا.

خ 10 

ببساطة ليس لدينا حتى الآن أية براهين- لا مباشرة  ولا غير مباشرة- من شأنها أن تدل على ذلك؟

ف 10

نعم. هناك قول مأثور معروف، وهو: "إن عدم وجود البراهين ليس برهانا على عدم الوجود". نعم. الآن لا توجد براهين. ولكنها قد تظهر في المستقبل. وسأكون مسرورا أكثر من الجميع عندما ستظهر. أما الآن فليست موجودة.

خ 11

بغض النظر عن أن الأمريكيين لديهم آلاف الملفات عن ظواهر غير عادية لا تزال سرا، فكل ما لدينا حتى اليوم لا يمكننا تصنيفه كبراهين.. ولو غير مباشرة؟ هل أصبتُ في فهم ما ترمي إليه؟

ف 11 

طبعا، طبعا. سأحاول التوضيح. دعنا نتوجه إلى علم الفلك. لنفترض أن عالما ما ينشر مقالة لا عن العثور على حضارة غير أرضية، بل عن عملية رصد شخصية. في مثل هذه المقالة من الضرورة أن يُذكر بالتفصيل عبر أي مقراب (تلسكوب) تم الحصول على النتائج وما إحداثيات المعايرة التي استخدمت، وما هي إجراءات الرصد، وما هي إجراءات تصويب عمليات الرصد، وما الأخطاء التي اقتضت هذا التصويب. أما إذا لم يسجل عالم الفلك كل ذلك في مقالته فسوف يُسأل من أين أتى بهذه النتائج؟ هل رآها في منامه؟ إذن لا بد من معلومات تفصيلية. وإذا لم تكن هناك معلومات تفصيلية، بمعنى أن شخصا لتوه رأى شيئا ما مثيرا للاهتمام ولكنه لم يسجل كل شيء بحسب القواعد.. فهذا ليس برهانا. يجب تسجيل كل شيء. وما لم يتم ذلك لا يجوز الاستمرار في التعامل مع مثل هذه المعطيات. لذلك لا يمكن العمل مع الملفات الأمريكية المذكورة آنفا لعدم تضمنها أي معلومات من التي ذكرتها. ولا يمكن العمل أيضا مع تسجيلات فيديو مشوشة عن رصد أجسام طائرة مجهولة. الأمر هنا يتطلب مستوى معينا من الدقة والموضوعية ودون ذلك لا مجال للحديث عن أي شيء.  

                                                                                           

خ 12

 فعلا...

ف 12

قد يكون ذلك محزنا ومحبطا لكثيرين، ولكن ليس باليد حيلة.

خ 13

ربما أمثال هؤلاء المراقبين لا يخطر ببالهم أن جسما ما غير أرضي يجب- على الأقل- أن يقطع مسافة ما في الفضاء ليصل إلى المدار حول الأرض ومن ثم ليخترق  غلافنا الجوي. ولدينا عدد كاف من الوسائط التي من شأنها أن تسجل هذا الجسم  وهو لايزال في طريقه نحو الكرة الأرضية. ولكن هذا بكل بساطة لا يخطر ببال الناس.

ف 13

كلا، كل شيء يخطر ببال الناس. وهم للحقيقة يرون أجساما ما. ولكن السؤال: كيف يفسرون ما يرونه. ظهرت الآن خاصية تتلخص بأن تحت تصرفنا صور من  مختلف الأجهزة الفضائية. صور للشمس على سبيل المثال. ولكن البعض إذ ينظرون إلى هذه الصور يؤولون بقعة ما غير مفهومة فيها كسفن فضائية تطير نحونا.

خ 14

طبعا لا تقصد العاملين في المراصد الفلكية؟

ف 14

 كلا، كلا. أقصد أنصار اليوفولوجي المتحمسون.

خ 15

نعم. ثمة عمليات رصد ومشاهدات مختلفة. عندما كنتُ في زيارة لمعهد الفلك في جامعة موسكو الرسمية شاهدت شاشات تستقبل إشارات من المقاريب (التلسكوبات) على مدار الساعة. ربما من المستبعد- كما أعتقد- أن أساتذة من هذا المعهد سيأخذون شيئا ما غير عادي على أنه أجسام طائرة مجهولة الهوية... صحيح؟

ف 15 

سيكون مفهوما لهم أن هذا إما بقعة ضوئية وإما عيوب في التصوير.(خالد: نعم). ولكن أيضا لا معلومات حقيقة لنفي وجود حضارات غير أرضية. إذا قلنا إنها غير موجودة دون تقديم البرهان سيكون ذلك مجافيا للعلم. ولكننا حتى الآن لا نرى شيئا. لقد أحطنا أنفسنا بالتلسكوبات (المقاريب) وكاميرات الفيديو والمجسات وغيرها.... والنتيجة - لا شيء.

خ 16  

أحد علماء البيولوجيا الذين التقيتهم شبه الإيمان بالكائنات الفضائية أو الأطباق الطائرة بالإيمان بالجن والآلهة وقال لي إنها نفس التركيبة النفسية فما رأيك

ف 16

إذا تحدثنا عن الأنماط النفسية فأذكّر أنني في هذا المجال لست اختصاصيا بالتأكيد. ولكن على أية حال يبدو لي أن هذين أمران مختلفان. (خالد 17: مختلفان...) لأن الإيمان بالرب لا يعيق البتة الإنسان في أن يكون عالما جيدا. بل عاملا جيدا جدا.

خ 17

وصادفت أمثال هؤلاء... أليس كذلك؟

ف 17

 نعم، نعم.

خ 18

علماء مؤمنين؟

ف 18

نعم. أنا أعرف علماء مؤمنين يدركون أن الأمرين مختلفان تماما. أي أن الدين يجيب عن بعض الأسئلة والعلم يجيب عن أسئلة أخرى. والإنسان حرٌ أن يجيب بنفسه عن مختلف الأسئلة بمختلف الوسائل. أما اليوفولوجي  فهي شيء آخر تماما.

خ 19

معذرة.. ربما في هذه الحالة ينبغي التمييز بين الشخص المؤمن والشخص المتدين. فهذان أيضا أمران مختلفان. الشخص المتدين إذا كان عالما لا يمكن بحال من الأحوال أن يؤمن بقصة آدم وحواء وإبليس والطرد من الجنة. وإذا كان مؤمنا فيمكنه مجازيا تأويل الموروث دون أن يأخذه بحرفيته.

ف 19

نعم، طبعا، أنا أقصد الأشخاص الذين يؤمنون بصدق من صميم القلب وليس من باب التقبل الأعمي الحرفي لكلام الكتب المقدسة. (خالد 22: نعم، نعم). أما في ما يخص اليوفولوجي فالأمر أسوأ هنا لأن فيها ادعاءات بالموضوعية والعلمية. ولو أن هذا موجود في الدين أيضا أحيانا فتظهر أخبار مدهشة. قُدر لي أن أقرأ مقالات تفيد أنه عند تحليل كفن تورينو ظهر إشعاع ما. وإذا تم تمرير عداد غايغر حوله فسوف يُظهر ذلك الإشعاع. هذا شيء سخيف لا ينبغي للدين الانخراط فيه. ولكن أكرر أن الفيولوجي ادعاء سافر بالعلمية. ولذلك يؤكد اليوفولوجيون وجود معطيات ما موضوعية أي أدلة عن سكان الكواكب الأخرى.. ثم سرعان ما يستنتجون على هذا الأساس وجود مادة البحث والدراسة؟ اليوفولوجي إيمانٌ مُذهَّبٌ (محلى) بقشرة الموضوعية.

خ 20

ولكنها تبحث عن إثباتات مادية ما على أي حال...

ف 20  

 بل لا تبحث.

خ 21

.... خلافا للاهوت الذي يؤدلج المعطيات العلمية على هواه.

 

ف 21

اللاهوت لا يبحث.. ولكنه لا يقول بضرورة وجود البرهان. أي لم يؤكد أي مؤمن - كما أعتقد- أن بالإمكان قياس الرب بجهاز من الأجهزة. أما اليوفولوجيون فيؤكدون أن ثمة أدلة على وجود سكان الكواكب الأخرى ولكنهم لا يبحثون عن أية براهين. وهم واثقون أن سكان كواكب أخرى موجودون على الأرض منذ زمن بعيد ومتخفون بشكل آمن في "المنطقة 51" الأمريكية السرية.. وما من حاجة للبحث عن براهين. خلاصة القول: العلم بحث متواصل ونقد ذاتي. أما اليوفولوجي فمجرد أحاديث فارغة للتفكه والتسلية.

خ 22

 حسنا. أعتقد أن هذا الموضوع عموما بات واضحا بهذا القدر أو ذاك. الآن سأطرح عليك بضعة أسئلة أطرحها على كل مختص في علوم الفيزياء الفلكية ممن أجري مقابلات معهم. لفت انتباهي أنهم جميعا يجيبون بصور مختلفة عن الأسئلة ذاتها مع أنهم من المهنة نفسها، ويمثلون المدرسة العلمية نفسها: السوفيتية، الروسية. ومع ذلك تكون أجوبتهم مختلفة. وهكذا، عندما نثير في برنامجنا مواضيع فيزيائية- فلكية غالبا ما يكتب لنا المتشككون من مشاهدينا قائلين إن ضيوفنا من علماء الفيزياء الفلكية لا يستطيعون الإجابة عن سؤالين: ماذا كان قبل الانفجار العظيم؟. هذا أولا. والسؤال الثاني هو: هل للكون حدود؟ إذا لم تكن للكون حدود فليس هناك نطقة بداية؟ وإذا كانت للكون حدود فماذا وراءها؟.... كيف ترد على هذين السؤالين الأبديين اللذين يطرحهما المشككون في قدرات العلم؟

ف 22

سأعطيك جوابين. الأول على النحو التالي.. لم ينشأ الكون لكي يكون مفهوما لنا بمصطلحات بسيطة. وإذا لم نكن قادرين على أن نتصور الكون بلا حدود (أو بحدود) لأن ذلك خارج قدرة دماغنا حتى اليوم فهذا يعني أن لا لزوم للتفكير بذلك... أدمغتنا خُلقت لهدف آخر. لقد اختَرعت أدمغتنا طريقة لوصف ذلك. وهذا شيء رائع بحد ذاته. عندما يحاول الناس خلق لوحة ما للعالم في أذهانهم وإيجاد فكرة ما أو صورة ما ولكنهم لا يستطيعون... فهذه مشكلة الناس لا مشكلة الكون. وهاك الجواب الثاني:  العلم ليس على كل شيء قدير. نعم، ثمة أسئلة لا يستطيع العلم حتى الآن الإجابة عنها. نحن لا نستطيع الآن تقديم جواب واضح عن السؤال المتعلق بما كان قبل الانفجار الكبير... فما المشكلة في ذلك؟ فمن المهم أن يعرف المرء متى وكيف يقول  "أنا لا أعرف".

خ 23

في وقت ما لم نكن نعرف أن انفجارا قد حدث.

ف 23

 نعم. نحن نسير قدما إلى الأمام. وربما ذات حين سنعرف ماذا كان قبل الانفجار الكبير. وربما لن نعرف ذلك أبدا. ولكن هذا لا يلقي بظلال على بقية مجالات العلم في أي حال من الأحوال.

خ 24

وهذا ينطبق أيضا على السؤال المتعلق بحدود- أو لا حدود- الكون؟

ف 24

علينا الاعتراف أن خيالنا يكف عن العمل عند دراسة نطاقات ما هائلة الاتساع.

خ 25

أي أن هذه مشكلة إدراك؟

ف 25

نعم، نعم.

خ 26

هذه مشكلة في المرحلة الراهنة من تطور دماغ الإنسان. أما ماذا سيكون بعد ذلك فليس معروفا.

ف 26

بل لست ميالا للقول إن هذه مشكلة إدراك. المشكلة تكمن في محاولة إكساء هذه العملية بمصطلحات مألوفة في حياتنا اليومية.

خ 27

إذا أخذنا بالاعتبار أن المصطلحات أيا كانت هي نتيجة اكتشاف ما فلا نستطيع أن نقدم مصطلحات قبل أن ينجز الاكتشاف... صحيح؟

ف 27  

بل نستطيع.

خ 28  

أيمكننا ذلك؟

ف 28

نعم.

خ 29

يعني كمصطلح "الثقوب الدودية" التي لم تكتشف بعد؟

ف 29

 نعم. المصطلح موجود.. أما عمليات الرصد والاكتشافات فغير موجودة. ولكن هكذا تصاغ وتتطور اللغة العلمية.

خ 30

هل تؤمن شخصيا، أو أحد ما من زملائك من علماء الفيزياء الفلكية، بوجود ظواهر ما لم يتم البرهان عليها بعد؟ كـ"الثقوب الدودية" مثلا.. أو نظرية الأوتار التي على الأغلب لن يكون من السهل إثباتها علميا؟ أو ربما هناك من يؤمن بحيز للكون رباعي الأبعاد أو أكثر... وبتعدد الأكوان مثلا؟ فهناك في الوسط العلمي عددٌ ممن يؤمنون بظواهر لم يتم البرهان عليها بعد؟ فهل هذا أشبه بالإيمان الديني أي افتراض وجود شيء من خلال مؤشرات غير مباشرة؟ وهل مثل هذا الإيمان حاضر في وسطك العلمي أو عندك شخصيا؟

ف 30

لا أميل لاستعمال مصطلح "الإيمان" لأن الإيمان لا يتطلب أية براهين.

خ 31

قد أختلف معك حول أن الإيمان لا يتطلب براهين... يعني في العلم أحيانا قد لا تكون عندنا براهين قطعية... ورغم ذلك هناك افتراضات وتخمينات يتحدث عنها العلماء صراحة، كيف نسمي ذلك؟

ف 31

قد أصف ذلك بـ"الافتراض الحدسي".

خ 32

 افتراض حدسي؟

ف 32

نعم. إن العالِم- حتى العالِم الأشد في نزعته المحافظة- ينشئ في ذهنه لوحة ما عن العالم. وهذه اللوحة يمكن أن يقيمها ليس تماما بتلك الأدوات الموجودة عند الآخرين. وعن مثل لوحة العالَم هذه ستنجم بالضرورة تكهنات وافتراضات ما. ولنفترض ان لوحة ما عن العالم تكونت في ذهني ولكنني بعد حين وجدت ما يثبت أنها ليست صحيحة...هنا يختلف الأمر.. فعندئذ سأقرر "البحث عن لوحة أخرى غيرها طالما هي غير صحيحة". ولذلك هذا ليس إيمانا.. فقد تكون لدي قناعات علمية ما ولكنني سأتخلى عنها بسهولة إذا تبين أنها غير صحيحة.

خ 33

أي إذا أجرينا مقارنة بين الافتراضات العلمية التي لا برهان عليها بعد من جهة، والمعتقدات الدينية غير المثبتة أيضا من جهة أخرى، نجد أن التصورات عن لوحة العالم عند المتدينين هي مجرد "إيمان".. أما في الوسط العلمي فهي "حدس". هل هذا ما أردت قوله؟

ف 33

نعم.. هذا ما أميل إليه.

خ 34

إلى أي مدى تشكل "مركزية الإنسان" التي تميز حضارتنا عائقا أمام البشرية في عملياتها المعرفية؟ أي من ناحية فهمِ ما يجري حولنا؟ كان الإنسان دائما يرى أن البشرية هي الأهم، وهي ذروة الخلق.. وأن الأرض مركز الكون. ثم، مع تطور العلم صارت المنظومة الشمسية تعتبر مركز الكون، ثم صارت مجرتنا مع درب التبانة تعتبر مركز الكون. وإذا كانت هناك حضارات خارج كوكب الأرض فلا بد أن تتألف - كما نتألف نحن- من خلايا، من أحماض أمينية. أي أن الحياة يجب أن يكون لها أساس كربوني كما هي على كرتنا الأرضية. ألا يبدو لك أن نظرتنا إلى الكون المستندة إلى مركزية الإنسان تربكنا في معرفة ما يجري وفي افتراض ما يمكن أن يوجد، وما لا يمكن أن يوجد ؟

ف 34

في هذه الحال يجب أن نأخذ بالحسبان جانبين مختلفين. وطالما نحن نتكلم عن عالم غير بيولوجي.. غير حي.. فثمة مبدأ واحد يفعل فعله. بل يوجد في العلم منذ زمن بعيد عمليا مفهوم من قبيل "مبدأ كوبرنيكوس". ويصاغ مغزى هذا المبدأ بصور مختلفة ولكنه يتلخص بأن الأرض ليست فريدة.. وإذا ما اكتشفنا شيئا وأخذنا نقارن بينه وبيننا بوصفنا مسطرة القياس، نكون قد ارتكبنا خطأ. هذا أولا. والمبدأ الثاني يتعلق بالعالم الحي. إن الحياة الأرضية في الجزء الذي نراه من الكون ظاهرة فريدة. وهنا فعلا ينبثق مفهوم معروف أيضا في العلم مثل "شوفينية الكرة الأرضية" أو "شوفينية الماء والكربون". ومن ناحية أخرى، من المغري جدا أن نتحفظ  كل مرة ونفكر أن من المحتمل وجود أشكال أخرى للحياة في الكون.. فلا يمكن أن يقوم  كل شيء على الكربون؟ ولكن من ناحية أخرى هذا هو احتمال تطور الحياة العاقلة الوحيد المعروف لنا والذي يعمل بنجاح. وهنا عندما نحتاج إلى مثال ما على نموذج الحياة الحالي، يتبين أننا نحن المثال. لأنه عندما نتفحص التركيب الكيميائي لكوكب خارجي مكتشف بالقرب من أي نجم، فبماذا نقارنه؟ نقارنه بما تمت دراسته من قبل. أي نقارنه بكوكبنا. وبالتالي إذ ندرس ونبحث عن مؤشرات للحياة فإن كل ما يحظى باهتمامنا في المقام الأول هو ما سيكون شبيها بحياتنا. وهذا لا يعني أن لا أحد يفكر باحتمالات أخرى. بل ثمة من يفكر بها ويكتب عنها ويشتغل عليها.. ولكن احتمالنا المائي الكربوني للحياة يحتل الصدارة لأنه فعال كما ثبت بالبرهان.

خ 35

شكرا جزيلا. صدقا لم أشعر كيف مر وقت لقائنا هذا.. علما بأن حديثنا استغرق مدة طويلة. ومع ذلك سأطرح عليكم سؤالي الأخير: لا شك أن كثيرين يراسلونك.  أقصد ممن يؤمنون بوجود الأجسام الطائرة مجهولة الهوية... أو يعتقدون أنهم رأوها بأم أعينهم. ما جوابك لهؤلاء وكيف ترد عليهم؟

ف 35

نعم بالتأكيد.. هؤلاء يكتبون إلي مرارا وتكرارا.. وأثناء اللقاءات معهم يطرحون حسب الإمكان أسئلة شخصية أيضا. هنا، من الهام جدا بالنسبة لي كيفية طرح السؤال. ما يثير إعجابي أنهم أحيانا يأخذونني جانبا ويسألونني على انفراد وبصوت خفيض عن شيء ما رأوه. أي أنهم لا يروجون لأنفسهم أمام الجمهور ولا يسعون للتميز بشكل ما. شخص على سبيل المثال رأى شيئا ما غير مفهوم فقرر أن يسألني عن ذلك. هذا دليل مرة أخرى على وجود أشياء مجهولة الهوية والناس يرون ذلك ولكنهم لا يستطيعون دائما تفسير ما يرونه. وهذا على أية حال ليس مبررا لاستنتاجات بعيدة المدى.

خ 36

قد يكون ذلك نوعا من خداع البصر أو محض خيال؟ أنا أعرف أن كثيرين يرون أشباحا. وهؤلاء قد يتراءى لهم أي شيء. والبعض مصابون بمرض الصرع ما قد يثير لديهم تهيؤات معينة أيضا. ما هي النتيجة المحتملة لمثل هذه الشهادات؟

ف 36

لا أستطيع الإجابة لأن مثل هذه القصص عموما مشوشة بقدر كبير وغير واضحة ومن الصعب القول ما الذي حدث في تلك اللحظة في ذهن الشخص.. وهل ما تبدى أمام عينيه كان حقيقة؟

خ 37

وهل تصادف أشخاصا متعصبين؟ مهووسين بموضوع الأجسام الطائرة المجهولة إلى درجة أن أجوبتك العقلانية تثير لديهم اضطرابا معرفيا.. حتى أن البعض  يصابون باليأس أو الاكتئاب جراء ذلك. هل تحدث أشياء من هذا القبيل؟

ف 37

صادفت حالة من هذا النوع. فذات مرة أثارت أجوبتي رد فعل عدواني عند أحد الأشخاص. مع العلم أنني- كما ترى- لست متطرفا في نفي الظاهرة. وأنا لا أجزم ببطلان هذه المشاهدات ولا أقول أنها مجرد اختلاق. ولكن عندما أتحدث مع من يقولون إنهم رأوا أجساما طائرة مجهولة الهوية في أماكن مختلفة فدائما أسألهم: "أين الصور؟". أحيانا قد يرد أحدهم على النحو التالي: "أظن أن من المستحيل إقناعكم. وهل أنا ملزم بشراء آلة تصوير والبدء بالتقاط الصور؟!". أي أن هذا الشخص يؤكد أنه مهتم بهذه المسألة ولكنه حتى الآن لم يحرك ساكنا ليقدم براهين ما. فلماذا؟ ببساطة لأنه يصدق وحسب. تكفيه نسخٌ ما وقصاصات ما من مواقع على الانترنت لم يتم التحقق منها. هذا يكفيه. ولكن هذا لايكفيني.

خ 38

نعم. ثمة أشخاص يصدقون قصصا عن كائنات فضائية يزعم أنها علَّمت النازيين صنع أطباق طائرة.. وأنهم قد صنعوها في إطار مشاريع ما سرية. الانترنت مليء بصور مشكوك بها.. وبصورٍ لنازيين يقفون إلى جانب طبق طائر. ومثل هذه الأمور أيضا تُطرح كبراهين على وجود حضارات خارج كوكب الأرض.. فضلا عن ادعاءات بأن سكان كواكب أخرى أعطوهم أسرار القنبلة الذرية وتنبأوا بتغير حقول الأرض المغناطيسية. بعد ذلك تتحول هذه الأخبار عموما إلى مهزلة. هذا كله شيء مسل جدا بل يثير الضحك في حقيقة الأمر.. أنتم بالتأكيد صادفت مثل ذلك؟

ف 38

 طبعا.

خ 39

 المهم هو أن نعرف أن هذا مسلٍ وحسب،  لا أكثر.*

أخيرا.. بروفيسور فيبي.. أشكرك جزيل الشكر على هذا الحديث... لقد استمعنا بمزيد الاهتمام إلى ما تفضلت به هذه المرة وفي المرة السابقة. ولي الأمل أن تكون لدينا مواضيع شيقة لنتناولها في لقاء آخر معك. شكرا جزيلا مرة أخرى.  

ف 39

إلى اللقاء.

خ 40

دمت بخير.

موافق

هذا الموقع يستخدم ملفات تعريف الارتباط .بامكانك قراءة شروط الاستخدام لتفعيل هذه الخاصية اضغط هنا