الأعراق والذكاء. هل تختلف القدرات الدماغية باختلاف لون البشرة والمنطقة الجغرافية؟

مجتمع

انسخ الرابطhttps://ar.rt.com/ok8v

في هذه الحلقة نستضيف عالم الأنتروبولوجيا البروفسور ستانيسلاف دروبيشيفسكي ليحدثنا عن التصورات النمطية والمعتقدات السائدة حول الاختلافات في القدرات الدماغية بحسب الانتماء العرقي. فهل هي موجودة حقا وهل لأنصار فكرة (تفوق البيض) أرضية صلبة تقوم عليها فرضياتهم؟ ثم أليست جائزة نوبل مؤشرا على التفوق الكاسح للعرق الأبيض في مجال العلم وبالتالي في القدرات الدماغية والإبداعية؟

 

خالد 1 

بروفسور مرحبا من جديد

دروبيشيفسكي 1 

طاب يومك.

خ 2 

لنتكلم اليوم عن العنصرية. حفزتني الأحداث الأخيرة في أمريكا على تناول هذا الموضوع معك بالذات، لأنني اطلعت جيدا على محاضراتك عن أصل الأعراق. فالعنصرية، في جوهر الأمر، موجودة منذ آلاف السنين، ولكننا، تاريخيا، بتنا نتصورها كاستعباد البيص للسود.

د 2 

بالمناسبة، لم تكن الأمور على هذا النحو دائما. وأحيانا كانت بالعكس... ففي مصر القديمة،

مثلا كان المصريون ذوو البشرة السمراء، يتسعبدون الليبيين الذين كانوا في تلك السنين أفتح منهم من حيث لون البشرة.

خ 3 

لنأخذ أمثلة من التاريخ الأقرب. ما بين ألف وخسمئة سنة - إلى ألفي سنة من الآن، هناك تصور نمطي بأنه في الغالب كان سكان افريقيا عرضة للعبودية...

د 3 

كلا. في الواقع، لم يكن الأمر كذلك دائما. هذه مبالغة....

خ 4   

هذه تصورات نمطية إذن؟

د 4 

نعم. التتر- المغول سبوا الملايين من السلاف واستعبدوهم.  في أراضي القرم التترية قبل مئات من السنين لم يكن العبيد السلاف أقل عددا من السكان المحليين. وفي روسيا القديمة كانوا يستعبدون الأسرى. كما أن مصر القديمة، وروما القديمة، كانتا تستجلبان العبيد من أراضي ألمانيا أو إيطاليا الحاليتين. سبارتاكوس أيضا كان عبدا أبيض اللون. وفي ما يتعلق بأمريكا، فقد عاش هناك في ظروف العبودية، عمليا، الإيرلنديون الذين كانوا يرسلون إلى أمريكا للقيام بأعمال السخرة، علما بأن ايرلندا الشمالية ليست في افريقيا أبدا.

خ 5 

وفي روسيا، كان الأقنان من أبناء البلد أصلا.

د 5 

الأقنان، ليسوا عبيدا تماما، ولكنهم في جوهر الأمر...

خ 6 

محرمون من الحقوق، تماما...

د 6 

 نعم، نعم.

خ 7 

تابعين للسيد، الذي يمكنه بيعهم وشراءهم...

د 7 

ولكن جوهر عدم المساواة ليس في العبودية....

خ 8 

فهم عبيد في الواقع.

د 8 

أنت على حق، عموما. وهذا يبين لنا أن العبودية ليست مرتبطة بالأعراق، بأي  شكل من الأشكال.

خ 9 

حسنا فعلتم إذ لفتم الانتباه إلى ذلك. سأوضح الآن ما أرمي إليه بالسؤال. قرأت بعض المؤلفات المثيرة للاهتمام التي تعود إلى مطلع القرن العشرين. ورغم أنها قديمة بعض الشيء، فبالنسبة لذاك الزمن تعدُّ أعمالا كلاسيكية عن مورفولوجيا الدماغ. لن أعدد أسماء مؤلفيها كيلا أصرف الانتباه عن الجانب الأهم، وهو أنهم أخذوا للدراسة دماغ قرد الأورانغوتان (إنسان الغابة) أو دماغ شمبانزي لمقارنته مع دماغ شخص من شعب البوشمن البدائي في افريقيا. ثم قارنوا هذين الدماغين  بدماغ عالم الفيزياء والرياضيات الألماني المعروف كارل غاوس. لفت الباحثون الانتباه إلى "مناطق الدماغ الأمامية المسؤولة عن التفكير الترابطي والتجريدي، وإلى بنية هذه الأجزاء عند كل من الشمبانزي والبوشمن وغاوس. وأشاروا إلى أن تلافيف الدماغ عند العالم غاوس تزيد كثيرا عما هي عند الشمبانزي والبوشمن، ما يبرهن على وجود فرق نوعي في التفكير الترابطي والتجريدي المسؤول عن الإبداع. وهذا يعني أن البشر، أمثال عالم الرياضيات هذا، هم الأذكى". هكذا حاول أولئك الباحثون أن يثبتوا ان لا ضرورة للجدل حول ما هو العرق الأفضل، والأكثر ذكاء، لأن كل شيء يتوقف على التلافيف في الجزء الأمامي من الدماغ. *ولكن، هل هذا بمحض الصدفة حقا؟ تجدر الإشارة إلى أن مناطق الدماغ الأمامية وتلافيفه وكل أجزائه عموما، كان يمكن أن تتشكل على ذاك النحو نتيجة الاصطفاء الطبيعي... حيث يبقى على قيد الحياة الأكثر دهاء واحتراسا..  وربما لهذا السبب، تسنى للعرق الأبيض أن يقطع شوطا كبيرا في سياق تطوره، وأن يسبق غيره، كما يرى كثيرٌ من الباحثين... هل يمكننا القول إن هذا ما جرى تاريخيا؟

د 9 

كلا.. هذا ليس صحيحا. ذكرت، كمثال مؤلفات من أواخر القرن التاسع عشر- أوائل القرن العشرين، تتضمن فعلا، مقارنة بين دماغ كل من البوشمن والأورانغوتان وشخص أوروبي.

خ 10 

على الغالب، إنكليزي...

د 10 

نعم. كان الإنكليز يحبون الحديث عن تفوقهم. أما الألمان فكانوا أقل حظوة بالكلام عن التفوق. آنذاك هكذا كانت الذهنية العلمية. على أية حال، هذا بات من التاريخ. والان لم يعد موجودا في العلم.

خ 11 

ولكنهم كانوا يستندون إلى معطيات ما؟

د 11 

سأوضح لك جوهر طريقتهم. مثلا، عندما أخذوا دماغ بوشمن عادي وقارنوه بدماغ أكبر العلماء الألماني، كان الفرق واضحا، دون شك.. ولكن كان يمكن القيام بعكس ذلك، أي أن يؤخذ دماغ أذكى بوشمن ليقارن مع دماغ فلاح ألماني بسيط. في هذه الحالة، لن تكون النتيجة لصالح الأوروبيين.

خ 12 

أي أن العينة كانت مقتصرة على مثال واحد أو مثالين...

د 12 

في الواقع، لم تكن هناك إحصائية... بل كانوا يعتمدون طريقة بحث بحيث تتوافق مع النتيجة التي يتوخونها. والأكثر من ذلك، في تلك السنوات لم يكن العلماء يعرفون أن البناء الخارجي للدماغ  ليس على ارتباط بوظائف الدماغ ذاته وعمله الفعال. والأهم من ذلك بكثير لعمل دماغنا الناجح، هي العمليات البيوكيميائية، التروية الدموية، توزع الأوعية الدموية، وعمل الشبكة العصبية. على سبيل المثال، كم عدد التغصنات (الزوائد الشجرية) والمحاور العصبية، وكيف تقوم الوسائط (المشابك) بنقل النبضات (الإشارات). هذا مستوى معقد جدا من نشاط الدماغ، لا يُرى بدراسة التركيبة الخارجية للدماغ. وإذا نظرنا إلى الدماغ من الخارج فلن نعرف أبدا إن كان هذا الدماغ لشخص عبقري أم لشخص متخلف عقليا. البصر لا يلتقط فرقا بين هذينالدماغين. ولذلك فإن هذه المقارنات، كما جاء في كتب القرن التاسع عشر، كانت تؤثر جدا على القراء، ولكنها لم تكن تتضمن أي معنى. ولندقق في الأمر... إذا نظرنا إلى دماغ الأورانغوتان ودماغ الإنسان فسنرى بينهما فرقا بكل تأكيد، فهما مختلفان مورفولوجيا، لأنهما دماغا كائنين ينتميان إلى نوعين مختلفين. أما أدمغة البشر المعاصرين فلا يختلف أحدها عن الآخر.

خ 13 

أي على المستوى المورفولوجي، دماغ شخص من سكان أوستراليا الأصليين لا يختلف البتة عن دماغ شخص أبيض، أوروبي (قوقازي)... أليس كذلك؟

د 13 

هذا ما أردت الإشارة إليه مرة أخرى. العلماء في القرون الماضية حاولوا في أعمالهم أن يجدوا هذه الفوارق بشكل ما، ولكن العينات كانت بالحد الأدنى، وهذا يعني أنها غير كافية. بعد ذلك جاء زمن اتسم باللباقة فتوقفت مثل هذه الدراسات. من المدهش أنه لا تزال توجد حتى الآن أعمال عن مقارنة الجماجم. أما الأعمال عن مقارنة بنى الدماغ عند أبناء مختلف الأعراق، فلم يدرسها أحد أبدا دراسة وافية. لا توجد في العالم أعمال تعتمد احصائيات معللة علميا، بناء على مئات وآلاف عمليات المراقبة والرصد، لاختبار إن كان هناك مثل هذا الفرق أم لا. ولكنني أكرر القول إن المقارنة الخارجية لن تظهر، عمليا، أي فرق بين أعراق مختلفة.

خ 14 

ولكن جرت مقارنات لمعدل الذكاء... في أمريكا مثلا...

د 14 

نعم، أجريت مثل هذه الاختبارات. ولكن اختبار الذكاء مؤشرٌ لا يدل على شيء ذي أهمية. بل يدل أكثر على واضع هذا الاختبار الذي كان يرى نفسه ذكيا جدا، كما يبدو. أما نتائج اختبارات الذكاء فتتوقف، في الغالب الأعم، على مستوى حياة  الشخص الذي يخضع للاختبار، ودرجة تعليمه. في أمريكا مثلا، نجد أن الأمريكيين من أصل افريقي يحصلون دائما في اختبارات الذكاء على نتائج أدنى فعلا من نتائج الأمريكين الأوروبيين. ولكن... ألغي التمييز العنصري في أمريكا عام 1964. أنا من مواليد عام 1978. أي لو أنني ولدت أمريكيا من أصل افريقي وعشت هناك، لكان من المؤكد أن أبي وأمي ولدا وعاشا جزءا من حياتهما في ظل قوانين التمييز العنصري المجحفة جدا. ولكان جداي وجدتاي، بكل تأكيد من سكان غيتو ما. ولما كان التعليم الطبيعي متاحا لهم ، وربما لما تمكنوا من تعليم أولادهما. ولو أنهم جميعا خضعوا لاختبار الذكاء، لأظهروا حتما نتيجة متدنية. ولكان مصيري غير معروف. ولا إن كنت سأستطيع الافلات أم لا من تلك الدائرة، دائرة الفرص غير المتكافئة. ولذلك، الآن أيضا سكان أمريكا الملونون، عند خضوعهم لاختبارات الذكاء، يكونون منذ البداية في وضع غير متكافئ. كان للأمريكيين الأوروبيين أجداد وأسلاف متعلمون بهذه الدرجة أو تلك، للجيل الثالث أو الرابع على التوالي، بينما عند الأمريكيين الملونين الجيل الوحيد المتعلم هو الجيل الأول كحد أقصى. لقد أجري اختبار كهذا، في أستراليا لتبيان سبب تخلف أطفال السكان الأصليين عن أطفال السكان الأوربيين. تبين أنهم لا يتخلفون نتيجة عوامل وراثية، بل لأنهم يفتقدون إلى الدفاتر الضرورية لحل وظائفهم المدرسية في البيت، ولأن بيوتهم تفتقر للطاولات والأقلام التي تمكنهم من كتابة وظائهم. والأكثر من ذلك، أن عدم تحضيرهم الدروس لا يقلق أولياء أمورهم إطلاقا. لماذا؟ لأن الآباء والأمهات لتوهم كفوا عن العيش في نظام المشاعة. وهم غير مبالين بالتعليم، فعندهم اهتمامات أخرى، ونمط حياة آخر. وهم لا يرون أن القراءة والكتابة يمكن أن تساعد في الحياة. الوراثة، هنا، لا علاقة لها بالأمر قطعا. ولكن إذا تربى طفل القبيلة في ظروف أخرى، وقدمت له المساعدة والدعم، فكل شيء سيكون على نحو آخر. عندما مثال رائع، الاتحاد السوفيتي.. منذ عشرينات القرن الماضي أصبح جميع الأطفال يعيشون في ظروف واحدة تقريبا. وبغض عن النظر عن العرق والمنشأ، وحتى عن الفئة الاجتماعية، أصبح التعليم متاحا للجميع... أصبح المنغوليون والأوروبيون والمختلطون، جميعهم تقريبا، في وضع متعادل. من المفهوم أن أحدا ما داخل المجموعة سيكون أفضل، وأحدا ما سيكون أسوأ، ولكن النتائج بين المجموعات العرقية متعادلة.

خ 15 

المؤشرات داخل المجموعات هي تبايناتٌ فردية.

د 15 

تأثير الظروف الاجتماعية على اختبارات الذكاء أشد بكثير.

خ 16  

أي، أنك ترى أن توفر فرص التعليم هو العامل المفصلي هنا؟

د 16 

طبعا. بالتأكيد.

خ 17 

ونحن نعلم، مثلا، أن الصين حتى إلغاء نظام الامتحانات الخاص بالمناصب الرسمية في أوائل القرن العشرين، كانت الأكثر تقدما في مجال التقنيات التي نصفها اليوم بـ"التقنيات الجديدة". وهناك تم تحقيق الكثير من الاختراعات.

د 17 

نعم. لنأخذ مثالا آخر، ونقارن بين بلدنا (روسيا) ومصر قبل أربعة آلاف سنة. في مصر آنذاك كان بناء الأهرامات على قدم وساق. وهناك كانوا يعرفون الرياضيات وعلم الفك والطب. أما عندنا، فكان نمط الحياة البدائي لا يزال سائدا، حتى الدولاب لم يكن معروفا....

لم يعرفوا آنذاك عجلة الخزاف بعد، وكانوا يعيشون في أوكار أو ما يشبه المخابئ المحفورة في الأرض. إذن، مستوى الحياة في مناطقنا لا يمكن مقارنته بما كان لدى المصريين. كنا متخلفين عنهم. أما الآن، فالقصة مختلفة تماما!! فهل الجينات الوراثية تغيرت بهذا الشكل القوي خلال هذه السنين الأربعة آلاف؟ قبل ألفي سنة، لم يكن"السلاف" قد عُرفوا بعد كقوم، أو اثنية، في أي مكان. أول كيانات السلاف الدولتية، وضمنا دولة "روسيا القديمة"، كانت تتطور ببطء. ومع ذلك، ظهرت الإمبراطورية في ما بعد. ولكن الجينات خلال هذه السنين الألفين لم تتغير بكل تأكيد. وهذا ما نراه استنادا إلى الجماجم التي تكتشف أثناء الحفريات. آنذاك كان يعيش بشر مثلنا تماما. وكل في الأمر أنهم آنذاك كانوا بدائيين، بينما نحن الآن صرنا متحضرين. وهذا تاريخ أي شعب من الشعوب.

خ 18 

دعني أردّ في السياق نفسه. لننظر إلى جميع الحضارات. في الصين، الهند، العالم العربي... نجد أن لكل حضارة، في أي عصر من العصور، فترة ازدهار. العرب أيضا كان عندهم طب متقدم، وعلم فلك.. كان عندهم كل شيء. وعند الروس أيضا، أقصد ازدهار الفكر العلمي في القرنين التاسع عشر والعشرين، من مندلييف حتى أيامنا هذه... كل شيء كان يتطور على نحو ممتاز.

د 18 

 نعم.

خ 19 

في أوروبا أيضا كان الأمر كذلك. لكن إذا أخذنا افريقيا، ما عدا بعض الحضارات كمصر، واثيوبيا- بدرجة ما- لن نجد ذلك كله، ولم تكن هناك أية مراحل لازدهار الحضارات.

د 19 

ربما نحن لا نعلم بذلك.

خ 20 

كان المصريون، مع ذلك، أقرب إلى البحر المتوسط، وعلى علاقة وثيقة بحضارات أخرى. أنا الآن، طبعا، أتحدث بمنطق بعض التصورات النمطية... فحبذا لو وضحت الخلل في هذا التفكير؟

د 20 

كل هذا ناتج عن جهلنا الوقائع. أولا، يجب دراسة الوقائع، وبعد ذلك التنظير.

خ 21 

صحيح...

د 21

 العلماء يعرفون، مثلا، أن في افريقيا، في حقبة العصر الحجري الوسيط، كانت حضارة متقدمة جدا عن البقية. وسكانها أول من اخترع الفن بمختلف أنواعه، وتقنية صنع الأدوات الحجرية الدقيقة....

خ 22 

عفوا.. أية حقبة هذه؟

د 22 

... وأشكال معقدة لدفن الموتى..

خ 23 

في أية حقبة كان هذا؟

د 23 

قبل خمسين ألف سنة من الآن.

خ 24 

 خمسون ألف سنة من الآن!!

د 24 

كانت افريقيا، قبل خمسين ألف سنة، أكثر مناطق الكرة الأرضية تقدما. المقصود ما بين خمسين ألف و عشرة آلاف سنة قبل الآن. لأنه في هذا الزمن، في أراضي أوروبا الشمالية كان الكروماجنونس المتحدرون من افريقيا ذاتها أيضا، لايزالون يطاردون الإيائل مستعملين حرابا ضخمة مصنوعة من العظام. أما في افريقيا فكان البشر قد اتقنوا صنع أدوات صغيرة من الصوان، بطول يتراوح بين بضعة ميليمترات وثلاثة سنتمترات. وهذه الأدوات كانت صفائح وشفرات، ومدببات. افريقيا في تلك اللحظة سبقت غيرها من المناطق، وبعد ذلك تخلفت عن بقية العالم. الأسباب التي تجعل أحدا يتقدم، وآخر يتخلف، موضحة على نحو جيد في كتاب "أسلحة, جراثيم وفولاذ".

خ 25 

نعم.. لجاريد دايموند.

د 25 

مثلا، جزيرة غينيا الجديدة. هذا البلد الآن، من حيث مستوى التطور، يعيش في العصر الحجري. لقد تخلف تخلفا هائلا. بينما قبل عشرين ألف سنة كان الغينيون أول من نقل الحيوانات إلى جزر صغيرة خالية من الحيوانات، لكي تتكاثر فيصطادوها  فيما بعد. نقلوا الكنغر الشجري والأبوسوم وحيوانات أخرى، من بر غينيا الجديدة إلى الجزر الصغيرة.

خ 26 

أي أنهم مارسوا عمليا تربية الحيوان؟

د 26 

لم تكن تلك بعد تربية الحيوان. المهمة هنا كانت أبسط. ولكن الأمر الرئيس يكمن في أنهم كانوا يقومون بذلك عمدا. في أراضي أوروبا، ذاك الزمن، لم يكن عند أحد حتى مجرد أفكار من هذا القبيل. كانت الحيوانات حرة طليقة تركض في البراري. ولم يفكر أحد بنقلها وإعادة توطينها، أو تهجيرها. أما في غينيا الجديدة فقد فعلوا ذلك قبل عشرين ألف سنة من الآن.   بينما غينيا الجديدة ، بهذا المقياس، كانت في طليعة الكوكب كله.

خ 27 

ما تطلعنا عليه وقائع هامة جدا، ومثيرة للفضول أيضا، فنحن، أساسا، نتناول تاريخ العالم من وجهة نظر الفوقية الأوروبية. الحضارة الأوروبية اليوم تمر بفترة النهوض، ولذلك يبدو لنا جميعا أن الأمور كانت هكذا دائما. وجميع هؤلاء السكان الملونين، الزنوج والصفر وسواهم من الأعراق الأخرى، كانوا دائما متخلفين... ودائما كانوا يسيرون خلف الأوروبيين البيض المتقدمين. أنت، وأمثالك، تبرهن بجلاء أن كل عرق مر بفترة ازدهار، وكل قارة شهدت فترة كهذه. وفي زمن ما، كان من المحتمل أن ينظر الأسمر إلى الأبيض كشخص متخلف، إذا جاز التعبير.

د 27 

طبعا. بل كان هذا منذ وقت غير بعيد. والأكثر من ذلك، عند مقارنة مستوى تطور أي مجتمع، يجب أن نأخذ بالحسبان مؤشرات مختلفة. ثمة واقعة معروفة.. في القرن التاسع عشر دهش اختصاصيو علم المعادن الإنكليز لنوعية الفولاذ المصهور في  وسط أفريقيا، في مكان ما من الكونغو. كانت عمية الصهر تجري في أفران ترابية..! ومع ذلك كان يضاهي من حيث النوعية الفولاذ الذي تنتجه الأفران الصناعية في بريطانيا.

خ 28 

مذهل.

د 28 

أي كانوا يصهرون فولاذا عاديا دون الحاجة إلى فبارك، الإنكليز يصنعون من فولاذهم مدرعات وجسورا والكثير غير ذلك. أما سكان الكونغو فكانوا يصنعون من الفولاذ ذي النوعية نفسها سكاكين ومعاول وفؤوسا. ومع ذلك يمكن القول إن صنعة الصب كانت موجودة عند الطرفين. فثمة إذن كثرة من التفاصيل،  حيث أن شيئا ما في مكان ما، يسرّع أو يؤخر سير التطور، ولكنه لا يحمل أي  دليل على التباينات العرقية. الأساس عند جميع الأعراق متساو تماما. وثمة مثال رائع... إن خيرة علماء الأنثروبولوجيا القديمة (الباليو- انثروبولوجيا،علم الإنسان القديم) حتى هذه اللحظة هم العلماء الأثيوبيون والكينيون. أي سكان محليون من أبناء العرق الزنجي. وهذا، كما تعلم، لا يعيقهم مطلقا عن أن يكونوا علماء بكل جدارة في هذا الميدان، وأن يؤلفوا مقالات علمية رائعة، معروفة في العالم كله. في بلدنا، مثلا، هذه الأعمال أقل بكثير. أما في علم الفلك، فربما، لا يوجد علماء مشهورون في اثيوبيا وكينيا. في هذين البلدين مادة انثروبولوجية غنية، وهم يدرسونها بنجاح. ولايعيقهم في ذلك أي انتماء عرقي.

خ 29 

عندئذ، من وجهة نظرك، ما تفسير العنصرية، وتفوق البيض، كظاهرة ؟ من أين انبثقت نظريات التفوق العرقي والقومي، التي تتطلع بالدرجة الأولى إلى إعلان تفوق عرق بعينه، أو أمة بعينها... برأيك، أين جذور ذلك؟

د 29 

هناك بضعة جذور. توجد لهذا السلوك أسباب بيولوجية، فطرية، مثلا.... كأن تختلف مجموعة من البشر بشدة عن مجموعة أخرى. فكل من هاتين المجموعتين تدرك فورا من هو منها ومن هو غريب عنها، بمعنى القريب والغريب. على مستوى نويات دماغنا تحت القشرية، نتصور الغريب شخصا سيئا وخطيرا. هذه خبرة حدسية تراكمت عبر آلاف السنين. إن موقفنا من إنسان لا يشبهنا، ينبثق أتوماتيكيا، كموقف من شخص ما غير مأمون، غير عادي بمعيارنا، وربما شرير... ويتعذر التكهن بما قد يصدر عنه. أما تجاه الذي يشبهنا فكل شيء مفهوم. فهو مثلنا، ونعرف ماذا يمكننا أن نتوقع منه. أما الذي لا يشبهنا، فعلى الفور يصير مريبا، مثيرا للشك. هذه الصورة السلبية تنبثق عندنا من اللاوعي. ومن الصعب جدا مقاومة ذلك، لأنه اقتناع داخلي يتوارث من جيل إلى جيل. وإذا تحدثنا عن التقسيم الواعي إلى "جيدين" و"سيئين"، والإنسان بطبعه، يطيب له أن يرى نفسه أذكى وأقوى من شخص آخر ما بحكم الولادة، حصرا، وكأن لسان حاله يقول: "أنا عرقٌ أعلى لأنني هكذا ولدت". وهذا هو أساس أية عنصرية. فالعنصرية قد تكون مختلفة الأشكال، ليس فقط من طرف البيض ....

خ 30 

 طبعا.

د 30 

فالعنصرية، بالقدر نفسه، موجودة وسط الملونين، السود والآسيويين، أيضا. قيل لي إن ثمة عنصرية حتى داخل تايلاند، علما بأنهم جميعا يبدون متشابهين جدا. 

خ 31 

وفي الصين سابقا ....

د 31 

ومع ذلك، ثمة تباينات في ما بينهم.

خ 32 

... في الصين زمن الإمبراطورية الوسطى كانت العنصرية فظيعة في الموقف من الأوروبيين البيض. البيض كانوا بالنسبة للصينيين أشبه بالبدائيين الهمج.

د 32 

 نعم، نعم.

خ 33 

كان الصينيون يعتقدون أن البيض أميين تقريبا، حتى أنهم لم يرغبوا بالتعاون مع الممالك الأوروبية لأسباب عرقية.

د 33 

الأكثر من ذلك، تصادف العنصرية داخل العرق المنغولي، وداخل العرق الزنجي. أي حتى داخل العرق الواحد يوجد فصل وفق مؤشر التفوق. فكل واحد يطيب له أن يرى نفسه المختار والأفضل دون أن يسعى لتحقيق شيء في حياته، بل لمجرد أنه ولد في قومه. وهذا هو التعليل الوحيد. ولكن عندي دائما نصيحة لأمثال هؤلاء. أولا، يجب البرهان لماذا أنت الأفضل؟ وما الذي حققته شخصيا؟ أنا، على سبيل المثال، ألفت وأؤلف كتبا، وألقي محاضرات، ومع ذلك يمكنني القول بكل تأكيد إن إنجازاتي الشخصية لا علاقة لها بانتمائي العرقي. العرق كتلة من مجموعات بشرية. والمجموعة البشرية هي عدد كبير من البشر الذين تربطهم علاقات قرابة نسبية. وإنجازات شخص واحد، أو حتى عشرات الأشخاص، لا تدل على شيء بخصوص العرق عامة. إذن: برهنوا أولا على تفوق عرقكم عبر تفوقكم شخصيا، وبعد ذلك الاستنتاجات.

خ 34 

ولكن أنصار التفوق الأبيض white supremacy على سبيل المثال، يحبون في أيامنا هذه، التذرع بأسماء حائزي جائزة نوبل. نجد أن قائمة الفائزين تقتصر عمليا، على أشخاص ينتمون إلى العرق الأوروبي، القوقازي (الأبيض). هناك لا وجود، تقريبا، لأسماء من العرقين الزنجي والمنغولي. عددهم قليل نسبة إلى عدد الأوروبيين. وبناء على ذلك يعتقد أنصار تفوق البيض أن هذا هو البرهان على تفوق عرقهم الأبيض.

د 34 

ربما يكمن السر في أن لجنة جائزة نوبل تمنح الجوائز في السويد؟ هل فكر أحدٌ بذلك؟ لو كانت الجوائز تمنح في الصين أو اليابان مثلا، لربما، اختلفت تشكيلة الفائزين؟ من المعروف أن معايير الفوز بجائزة نوبل، ونظام اختيار الفائزين، عرضة للانتقاد منذ زمن بعيد... وفي كثير من الحالات تلعب دورها هناك الدسائس والسياسة، أيضا... أحيانا تمنح الجائزة لعمل ما، ليس لأنه الأفضل فعلا في العالم، بل لأن اللجنة حسمت المسألة لصالحه. طلبات الترشح كثيرة، وكل منها ينظر فيه على حدة. وليس سرا أن المتقدمين من الاتحاد السوفيتي، مثلا، نادرا جدا ما كانوا يفوزون بالجائزة. والسبب ليس لأنه لم تكن عندنا اكتشافات مهمة، بل لأننا كنا نعيش في المعسكر الاشتراكي المعادي، بينما الجائزة يمنحها من يعيشون في المعسكر الرأسمالي. وهذا كل شيء.   

خ 35 

نعم، أعتقد، أننا قد أوفينا مسألة الأعراق والعنصرية، حقها من النقاش والتوضيح. بودي أن نجمل ذلك ونبرز أهم النقاط. أولا، المسألة تتعلق بمقطع زمني معين. واتضح لنا أن كل عرق، في مقاطع تاريخية مختلفة، يمر بفترة  يكون فيها أكثر تطورا وتقدما من غيره. ولكن هذا ليس برهانا على التفوق العرقي. الحظوظ المتعادلة بالفطرة موجودة دائما، في الماضي والحاضر، عند الجميع بلا استثناء. ثانيا، ثمة معايير لتقييم قدرات أبناء هذا العرق أو ذاك. وثمة أيضا من يضع هذه  المعايير. تبين، في الآونة الأخيرة، أن أبناء العرق الأبيض - تحديدا-  أخذوا على عاتقهم دور المقيم وواضع المعايير في هذا الميدان. يبدو الأوروبيون (القوقازيون) وكأنهم خصوا أنفسهم بهذا الحق، وفرضوا وجهة نظر المركزية الأوروبية في العديد من مقاييس حياة الحضارة المعاصرة. من المعلوم أنه في حال تغيرت هذه المقاييس، سيتضح أن في كل عرق من الأعراق، فيه الموهوب والعبقري وفيه القاصر من حيث القدرات العقلية. وبالتالي، إذا نظرنا إلى مجمل تاريخ تطور الحضارة على كوكبنا، وإذا فهمناه من وجهة نظر علمية، تغدو لوحة العالم مختلفة تماما... هل هذه الاستنتاجات  صحيحة؟ 

د 35 

نعم. وعندي أيضا مثال رائع قرأت عنه في أحد الأعمال البحثية... عندما أُحضرتْ إلى متحف التاريخ الطبيعي أفخاخ صنعها بوشمن من أفريقيا الجنوبية, نقلت هذه الأفخاخ إلى لندن مفككة. وعندما وصلت المعروضات المنتظرة إلى المتحف، تبين أن أحدا من الاختصاصيين لا يعرف ما السبيل إلى إعادة تركيبها. ولم يفهم أي بروفيسور لندني في مجال الأنثروبولوجيا، كيف ينبغي تركيب الفخ بحيث يكون جاهزا للعمل. لم يستطيع أحد أن يصل إلى المبدأ الذي تعمل به هذه الأداة التي صنعها في الغابة بوشمن بدائيون.

خ 36 

أكانت تلك أفخاخ لصيد الحيوانات ؟

د 36 

نعم. إنهم البوشمن، الذين ركّبوها من أغصان وقضبان وما تيسر من مواد في متناول اليد، وهم جالسون قرب أكواخهم، ولم يستطع أي أوروبي متعلم أن يتوصل إلى معرفة كيف تعمل. أما بالنسبة للبوشمن فكانت تلك عملية بسيطة، لأنه يعيش هكذا، وهذا ما يتقنه. الأوروبيون يعرفون صنع قطار، ولكن لا يعرفون صنع مصيدة أرانب. هؤلا وأولئك أذكياء، ولكن مهماتهم مختلفة.

خ 37 

خطر ببالي الآن أن أكثر ما يحز في النفس، هو أن الناس جعلوا ألهتهم وأديانهم تؤكد تفوقهم وتبرر استعبادهم للاخرين....

د 37 

 هذا طبيعي...

خ 38 

.... أي تبرير تفوق العرق أو القوم أو الأمة، لامتلاك عبيد وإبقائهم في ظروف غير إنسانية. حتى أن الكنائس دارت فيها نقاشات عما إذا كان للعبيد نفوس، أو أرواح.

د 38  

نعم.

خ 39 

بالمناسبة، كان يناقش على حدة، موضوع المرأة... إن كانت لها روح أم لا. إنه لشيءٌ يبعث على الأسى عندما يحاول البعض دعم شتى القناعات المسبقة بمحاكمات أخلاقية معنوية على مستوى الشرائع والقوانين. القوانين العرقية كانت موجودة، في الولايات المتحدة الأمريكية، وفي بريطانيا... وقبل أن تلغى كانت الأديان تبرر عدم المساواة. هذا شيء محزن... للأسف الشديد...

د 39 

 صحيح.

خ 40 

كان البشر عرضة للسخرية وامتهان الكرامة فقط لأن لهم لون بشرة آخر. ولقد وضع، طبعا، الكثير من الكتب من ذلك...  أقصد عن قصة العبودية. طبعا كان ذلك فظاعة بلا حدود.

د 40 

 شيء محزن، طبعا. ولكن عموما، كل هذا يداوى تاريخيا، مع الزمن..

خ 41 

يبدو لي أن هذا يدواى أيضا بالمعرفة. لذلك، نتحدث وإياك عن هذا الموضوع. ولهذا طرحتُ اسئلتي خصيصا، كشخص عادي لا يعرف شيئا في هذا المجال، ولديه تلك القناعات العرقية المسبقة ذاتها التي توجد في المجتمع الذي يعيش فيه. ولذلك، فإن ما نقوم به وإياك، هو واقعيا المفتاح الرئيس كي يكف البشر عن التفكير بهذا الشكل السطحي والمبتذل.

د 41 

في حقيقة الأمر كل هذا يداوى بالعيش المشترك بين أبناء مختلف الأعراق في مساحة واحدة، وفي ظروف واحدة، تقريبا. النموذج المثالي لذلك هو كوبا. وكما قال لي أشخاص عاشوا هناك، فإن العنصرية في كوبا لا وجود لها مطلقا. والجميع هناك، لا فرق، ولا أهمية عندهم، ما لون بشرتك.. وهلمجرا. أي أن الإنسان في كوبا يُقَّدر بأعماله وسلوكه. وهذا يفعل فعله على نحو ممتاز. الجميع في كوبا تخالطوا منذ زمن بعيد، ويعيشون معا بشكل طبيعي، منذ مئتي سنة. ولا وجود لأية عنصرية.

خ 42 

ربما الأممية السوفيتية أيضا قد تكون مثالا، لا بأس به، على غرار المثال الكوبي؟

د 42 

والأممية في كوبا...من أين جاءت؟  من الاتحاد السوفيتي تحديدا

خ 43 

نعم. تماما. شكرا جزيلا لك على هذا الحديث الشيق. وإلى اللقاء في حلقات قادمة... دمت بخير.

د 43 

إلى اللقاء.

 

موافق

هذا الموقع يستخدم ملفات تعريف الارتباط .بامكانك قراءة شروط الاستخدام لتفعيل هذه الخاصية اضغط هنا